رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من الغاز إلى قناة بن جوريون.. مكاسب إسرائيل من خطة ترامب

ترامب ونتنياهو
ترامب ونتنياهو

بعد عامين متتاليين من القتل والتهجير والتشريد يبدو أن معركة "طوفان الأقصى" دخلت في فصولها الأخيرة، خاصة بعد إعلان الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" رسميًا خطته لإنهاء الحرب المستعرة في قطاع غزة مبنية على انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية والإفراج عن الرهائن وتجميد خطوط إطلاق النار، فضلًا عن خروج آمن لمقاتلي حركة حماس، وبحث تشكيل هيئة دولية تشرف على اللجنة المنوط بها إدارة القطاع بعد انتهاء الحرب.

خلال عامين تقريبًا قامت الآلة العسكرية الإسرائيلية بإنهاء كافة مظاهر الحياة والعيش في القطاع بتدمير كامل وشامل للبُنى التحتية والمنازل مخلفة أكثر من 66 ألف شهيد حسب إحصائيات وزارة الصحة الفلسطينية، فضلًا عن تشريد ونزوح ما يقارب 2 مليون مواطن داخل القطاع بلا مأوى أو غذاء.

بعد كل هذا الدمار والخراب التي طال القطاع شماله وجنوبه يعلو إلي الواجهة تساؤل غاية الأهمية هو ماهية المكاسب الاقتصادية أو الغنائم التي ترجوها تل أبيب من "قطاع غزة المدمر" بعيدًا عن تحقيقها لهدفها الأمني، وهو تحييد حركة حماس وتجميد دورها داخل القطاع.

للإجابة على التساؤل السابق ينبغي أن نعود بالزمن إلي أكثر من عقدين ماضيين تقريبًا، وتحديدًا خلال فترة تواجد الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة أي قبل عام 2005، إذ ضجت الإدارات الإسرائيلية المتعاقبة من الكلفة المرتفعة لعملية احتلال غزة إذ اضطرت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق "إرييل شارون" على الموافقة على " خطة فك الارتباط الأحادية" أو ما يعرف باسم قانون الانسحاب في عام 2005 والتي بمقتضاها تم تفكيك كافة معسكرات الجيش الإسرائيلي في القطاع، فضلًا عن المستوطنات المنتشرة في القطاع وترحيل المستوطنين إلي أماكن جديدة في الضفة الغربية.

ساهمت خطة فك الارتباط حينها في إرباك المشهد السياسي الإسرائيلي، وتحديدًا داخل حزب الليكود المهيمن على الساحة السياسية في تل أبيب، إذ قاد وقتها "بنيامين نتنياهو" حملة معارضة شرسة للخطة وتوجهات "شارون" مما أسهم في انشقاق شارون ومؤيديه، وتكوين حزب جديد تحت مسمى "حزب كاديما".

ومن هنا يمكن القول أن "نتنياهو" خلال الحرب تمكن في إنهاء خطة فك الارتباط ليس هذا فحسب بل على الدوافع والعوامل التي دفعت القيادة الإسرائيلية على الموافقة على تلك الخطة في عام 2005، إلا وهي الكلفة الاقتصادية العالية للتواجد في قطاع غزة والتي كان السبب الرئيسي فيها هو عمليات المقاومة المسلحة التي كانت تشنها فصائل المقاومة باستمرار.

عودة الاستيطان لقطاع غزة

بعد احتلال قطاع غزة في عام 1967 وحتى الانسحاب في عام 2005 تمكنت إسرائيل من تشيد 21 مستوطنة داخل قطاع غزة، ومن أبرزهم مستوطنات كفار داروم وغوش قطيف ونتساريم وموراغ، ولكن بعد إصدار خطة "فك الارتباط"، (هتنتكوت) في عام 2005 تم تفكيك تلك المستوطنات والتي كانت تسيطر فعليًا على 42 % من مساحة قطاع غزة، ونقل أفرادها إلى مستوطنات جديدة داخل الضفة الغربية وذلك للعديد من الأسباب أبرزها:

أولًا: التكدس السكاني الكبير في قطاع غزة الأمر الذي أدي إلى رفع تكاليف تأمين تلك المستوطنات وتزايد الاشتباكات المستمرة بين عناصر الجيش الاسرائيل وفصائل المقاومة.

ثانيًا: قلة انتاجية مستوطنات قطاع غزة بالمقارنة مع مستوطنات الضفة فالمستوطنات السابقة في قطاع غزة لم تكن سوى بنايات سكنية داخل معسكرات الجيش في القطاع الأمر الذي صعب عملية تحويل تلك المستوطنات إلى كائنات منتجة وهو على عكس طبيعة إنشاء المستوطنات الإسرائيلية القائمة على فكرة الانتاج، إذ اقتصر النشاط الاقتصادي في مستوطنات غزة على الزراعة والسياحة ولمحاولة تفادي الصدام مع سكان غزة وقتها دشنت الحكومات الإسرائيلية وقتها طرقًا برية تربط بين مستوطنة غوش قطيف ومدن النقب.

وخلال الحرب الجارية برزت تصريحات منسوبة إلى قادة ومسئولين إسرائيليين تتحدث عن العودة المستقبلية للاستيطان في القطاع في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب ففي ديسمبر 2024 قدم حزب "عظمة يهودية" بمشروع قانون إلى الكنيست يطالب فيه بإلغاء خطة فك الارتباط واستعادة مستوطنات غزة مرة أخرى، كما قام وزير الإسكان الإسرائيلي يتسحاق غولدكنوبف بزيارة محور نتساريم في غزة رفقة "دانييلا فاييس" رئيس حركة "نحالا الاستيطانية" مستعرضًا خططًا هندسية لبناء مستوطنات جديدة في القطاع.

ويبدو أن أحلام اليمين الإسرائيلي في معالجة خطة "فك الارتباط" واستعادة المستوطنات باتت أقرب للواقع إذ تمكنت من اخلاء شمال قطاع غزة وتفريغ معظم سكان القطاع، فضلًا عن إنهاك وإضعاف حركات المقاومة واحتمالية اخراجها من القطاع خلال الفترة المقبلة الأمر الذي سيوفر  للحكومة الإسرائيلية في المستقبل بناء مستوطنات منخفضة التكاليف الأمنية في غزة وبالتالي تكون أكثر انتاجية مثلها مثل مستوطنات الضفة الغربية.

حسم مسألة الغاز

منذ عام 2010 وبداية الاكتشافات الكبري لحقول الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط تحاول إسرائيل تأمين وصولها السلس إلى تلك الحقول والاستيلاء على أكبر حصة منها مستغلة في ذلك رخاوة دول الجوار مثل لبنان وفلسطين وسوريا في الدفاع عن حقوقهم في الغاز الجديد المكتشف، إذ استولت على حقول ليفياثان وتمار وكاريش وغيرهم الأمر الذي مكنها من أن تصبح دولة مصدرة للغاز بعد أن كانت مستوردة له.

تتداخل الحدود البحرية في منطقة شرق المتوسط بين العديد من الدول المطل عليه وهم مصر واليونان وقبرص ولبنان وسوريا وفلسطين وتركيا وأيضا ليبيا هذا بالإضافة إلي إسرائيل، وبالتالي تسعي إلي إطالة سواحلها البحرية في شرق المتوسط لأجل السيطرة على أكبر عدد من أحواض الغاز في البحر المتوسط غير عابئة بحقوق الدول العربية مثل سوريا ولبنان وفلسطين بأحقية الوصول إلي تلك الحقول.

عودة مشروع قناة بن جوريون

منذ باكورة الصدامات المصرية الإسرائيلية في عامي 1948 و1956 سعت الحكومات الإسرائيلية في أكثر من مناسبة إلى بحث مسألة إنشاء قناة بديلة موزاية لقناة السويس يكون هدفها الضغط اقتصاديًا على مصر وحرمانها من شريان تجاري هام.

ومن أبرز تلك المشاريع مشروع "قناة بن جوريون"، الذي يفترض أن يمتد من ميناء أشدود شمال قطاع غزة وجنوبًا إلى ميناء إيلات على خليج العقبة، وخلال السنون الماضية برزت معوقات كبرى أمام هذا المشروع أهمها تأزم الوضع الأمني في شمال قطاع غزة، واحتمالية أن تكون القناة الوليدة في مرمى رشقات صواريخ المقاومة وعملياتها النوعية، أما الآن وبعد اخلاء مناطق الشمال وتحييد المقاومة بشكل كبير باتت فكرة إنشاء القناة أمر ممكن تنفيذه وانشائه.

وتصاعدت الفكرة بشكل كبير مع تصاعد الحرب الهندية الباكستانية في إبريل الماضي فقبل الحرب بشهرين تقريبًا وخلال زيارة رئيس الوزراء الهندي "ناريندرا مودي" إلى واشنطن ناقش مع الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" مسألة انشاء خط تجارة عالمي موازي لطريق الحرير الصيني، يبدأ هذا الخط من الهند مرورًا بدول غرب آسيا، وتحديدًا اسرائيل ومن ثم إلى إيطاليا وبقية الدول الأوروبية.

وختامًا.. يمكن القول بأن قطاع غزة ظل مستعصيًا على الحكومات الإسرائيلية منذ احتلاله في عام 1967 وحتى "فك الارتباط" في عام 2005، وكذلك بقى الحال، إلا أن بعد الحرب الأخيرة تمكنت تل أبيب بشكل كبير جدًا من تقويض القطاع وإخضاعه، الأمر الذي سيحقق لها في المستقبل القريب فرصًا اقتصادية بالغة الخطورة ستعزز مكانتها ونفوذها في منطقة الشرق الأوسط وشرق المتوسط.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء