رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من كامب ديفيد إلى غزة.. كيف أعادت إسرائيل تدوير أعدائها ؟

جيش الاحتلال الإسرائيلي
جيش الاحتلال الإسرائيلي - أرشيفية

خلال خطابه في الكنيست الإسرائيلي، أدلي الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" عدة تصريحات مفاداها نجاح اسرائيل في انهاء كابوس مؤرق للإسرائيليين والفلسطينيين وأيضا القضاء على البرنامج النووي الإيراني الذي ظل طوال عقدين من الزمن تهديدا مباشرا لأمن إسرائيل.

وفي كلمته تفاخر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه نجح في استهداف القادة المشاركين في أحداث السابع من أكتوبر مثل رئيس الحركة "إسماعيل هنية" ويحي السنوار رئيس الحركة في القطاع، وأخيرا التخلص من "محمد الضيف" قائد "كتائب الشهيد عز الدين القسام".

قوات من جيش الاحتلال الإسرائيلي - أرشيفية
قوات من جيش الاحتلال الإسرائيلي - أرشيفية

حديث القادة الأمريكيين والإسرائيليين بوضوح يشير إلى تخلص إسرائيل تمامًا من كافة أعداؤها في المنطقة، وأن تل أبيب باتت تنعم بأمن وأمان، وأن المستقبل لا تهديدات فيه لإسرائيل وأمنها، الأمر الذي يدفعنا للتساؤل هل حقا تستطيع إسرائيل العيش دون عدو؟ وبالأحرى هل تل أبيب مصممة على إفناء حركة حماس؟ ويمكن أيضًا أن يبرز تساؤل هام أيضًا، وهو ما هو الدور الوظيفي لحركة حماس في بناء النظام السياسي الإسرائيلي؟ وهو ما سيتم الإجابة عليه في النقاط التالية:

العدو في الثقافة الصهيونية

فكرة العدو أو الأغيار فكرة متأصلة في الفكر السياسي والديني اليهودي، فاليهود وفق معتقداتهم فإنهم مجتمع مقدس مختار من الإله يعيش وسط الأعداء منذ ممالك بنى إسرائيل القديمة والتي دحرت على يد الملك نبوخذ نصر الثاني وحدوث السبي البابلي.

وعادة ما يوصم اليهود غيرهم بمصطلح الأغيار وهي كلمة تحمل دلالات تحقيرية لغيرهم، إذ تعني الدهماء والغوغائيين والشعوب التي تقع خارج دائرة القداسة الإلهية، ففي سفر أشعياء (61/605) "ويقف الأجانب ويرعون غنمكم ويكون بنو الغريب حراثيكم وكراميكم. أما أنتم فتُدعَون كهنة الرب تُسمَّون خدام إلهنا. تأكلون ثروة الأمم وعلى مجدهم تتأمَّرون".

وعلى مدار التاريخ عاش اليهود في جيتوهات خاصة منعزلة عن المجتمعات والقوميات التي عاشوا في فيها، رافضين فكرة الاندماج الوظيفي في تلك المجتمعات مفضلين الاحتفاظ بهويتهم اليهودية وطبائعها الرافضة للاختلاط مع أية ثقافات أخري.

ساهمت حالة الانعزالية اليهودية "ثقافة الجيتو" عن المجتمعات الأخرى إلى تكوين حالة عداء متبادلة بين اليهود وغيرهم من القوميات الأخرى مما أدي إلي اندلاع العديد من المآسي التاريخية لليهود أبرزها في عهد مملكة قشتالة الإسبانية، حيث صدر مرسوم الحمراء 1492 والذي حول معظم يهود قشتالة إلى الكاثوليكية قسرًا، فيما يعرف تاريخيا باسم محاكم التفتيش ومن رفض منهم تم نفيه خارج المملكة.

قوات من جيش الاحتلال الإسرائيلي - أرشيفية
قوات من جيش الاحتلال الإسرائيلي - أرشيفية

وفي العصر الحديث تتوارث الأجيال اليهودية ـ فيما بعد الحرب العالمية الثانية ــ مسألة الهولوكوست باعتبارها أحد أبرز المآسي الانسانية التي تعرض لها اليهود خلال تاريخيهم، مستحضرين من الماضي عدواً تاريخيا وهو الزعيم النازي أدولف هتلر رُغم القضاء عليه.

 وفي سبيل تخليد تلك الحادثة تم تخصيص يوم 27 يناير من كل عام لإحياء ذكرى الهولوكوست، ونستخلص من ذلك أن إسرائيل مازلت تحتفظ بحالة العداء التاريخي مع النازية رغم مرور أكثر من سبع عقود عليها وانقضاء النازية تماما والتي لم يعد لها وجود محسوس، ومن هنا نؤكد أن فكرة العدو فكرة متأصلة في الأيدولوجية الصهيونية لا غنى لها لما لها من أدوار اجتماعية وسياسية.

الأدوار السياسية والاجتماعية لفكرة "العدو"

يقول الكاتب والباحث الفرنسي بيار كونيسا في كتابه "صنع العدو.. أو كيف تقتل بضمير مرتاح" ، أن الحرب وقبل كل شيء هي ترخيص ممنوح شرعيًا لقتل أناس لا نعرفهم أو نعرفهم كما في الحروب الأهلية إذ يتحولون إلى طرائد يجب تعقبها والقضاء عليها وأن الحرب هي اللحظة الغير طبيعية التي يمكن فيها معاقبة من يرفض قتل العدو لذا يجب القيام بذلك عن طيب خاطر ، وسابقا قال المستشار الدبلوماسي للرئيس السوفيتي الراحل "ميخائيل جورباتشوف" محدثًا الدول الغربية عقب انهيار الاتحاد السوفيتي "سنقدم لكم أسوأ خدمة سنحرمكم من العدو"، لذا فكرة وجود العدو ضرورية للغاية وذلك للعديد من الأسباب أهمها:

أولًا: مهدئ سياسي: يلعب وجود العدو لأي نظام سياسي في احداث تهدئة سياسية خاصة إذا كان يواجه النظام تحديات داخلية واضطرابات سياسية، إذ يرفع النظام وقتها مأثورات وشعارات هدفها تثبيط الاضطرابات الداخلية واشغال الوضع الداخلي بمواجهة الأعداء المتربصين.

ثانيًا: محفز قومي: عكس النقطة السابقة قد يستخدم فكرة العدو كمحفز قومي من شأنه استعداء الروح الوطنية وتجييش القدرات في أوقات معينة.

ثالثًا: استجلاب الدعم الشعبي والدولي: كثيرًا من الأنظمة تستغل وجود عدو لها من أجل استجلاب وجباية الدعم الشعبي والدولي، فإسرائيل على سبيل المثال تستغل وجود حركة حماس في استجلاب الدعم الغربي والأمريكي لها.

 

حركة حماس -أرشيفية
حركة حماس -أرشيفية

حماس ودعم النظام الإسرائيلي

لعب وجود حركة حماس دورًا غير مباشرًا في الأحداث السياسية الداخلية في إسرائيل خلال السنوات القليلة الماضية، فتصاعد خطر حركة حماس في الفترة الأخيرة قبل انطلاق عملية طوفان الأقصى ساهم بشدة في ارتفاع حظوظ اليمين الإسرائيلي المتشدد في الانتخابات التي أجريت في عام 2022 مما دفع زعيم حزب الليكود بنيامين نتنياهو إلى توسيع دائرة التحالف مع تلك القوى اليمينية والتي كان لها دور كبير تأجيج الصراع في غزة ورفض أية حلول ومقترحات للتهدئة في القطاع.

وخلال العامين الماضيين أبدت الحكومة الإسرائيلية تماسكًا قويًا رافضة أية محاولات لتفكك الائتلاف القائم تحت ذريعة محاربة حماس وحلفاؤها في القطاع، فاليمين الديني الإسرائيلي دائما ما يتغذى على فكرة وجود حركة حماس لتسويق معتقداته وأفكاره وتخويف الداخل الإسرائيلي من خطورة الفصائل الفلسطينية.

لذا وبالعودة إلى تصريحات ترامب ونتنياهو اليوم في الكنيست، والتي تتحدث بوضوح عن القضاء على أعداء إسرائيل من حماس والبرنامج النووي الإيراني، وأيضًا تحجيم وتحييد دور حزب الله اللبناني في الصراع، نجد أن ذلك ينطوي على تهديدات غير مباشرة للنظام السياسي الإسرائيلي أبرزها على الإطلاق:

1- تفكك الوضع السياسي القائم:

من المحتمل أن يواجه الائتلاف اليميني المتشدد الحاكم حاليا في تل أبيب التفكك والانهيار والدخول في انتخابات تشريعية مبكرة قبل موعدها في أغسطس 2026، فالقياديين المتطرفين في الحكومة سموتريتش وإيتمار بن غفير سبق أن هددا بالانسحاب من الحكومة في حال الموافقة على اتفاق غزة.

وتعد مسألة غزة والضفة الغربية والفصائل الفلسطينية محورا رئيسيا في خطاب الفكر اليميني الإسرائيلي المتشدد، لذا اختفاء حركة حماس يعد تهديدا مباشرا لأفكار اليمين الديني المتغذي على فكرة استمرارية محاربة حماس، لذا القضاء على حماس من شأنه تغيير معتقدات اليمين الإسرائيلي.

2- توقف الدعم المالي الغربي: 

منذ نشأتها اقتاتت اسرائيل على الدعم المالي والسياسي والاقتصادي الغربي تحت ذريعة محاربة الإرهاب والتنظيمات الإرهابية خاصة بعد احتجاز الرهائن الإسرائيليين المشاركين في الدورة الأولمبية الدولية عام 1972 في مدينة ميونيخ الألمانية على يد منظمة أيلول الأسود الفلسطينية، ولاحقاً تم الترويج لما يسمي خطر المنظمات الإسلامية مثل حماس وأهمية تسييل الدعم الأوروبي والأمريكي لإسرائيل من أجل القضاء على تلك التنظيمات، أما حاليا وفي حال ترويج تل أبيب لمسألة القضاء على حماس والخطر الوارد من غزة والفلسطينيين فإنها ستجد صعوبة مستقبلية في إدرار الدعم الغربي لها.

3- تغييرات هيكلية في الأجهزة الأمنية: 

في الفترة الأخيرة تعاظم دور الشاباك "جهاز الأمن العام الإسرائيلي" نظرًا لدوره في محاربة التنظيمات الفلسطينية في غزة والضفة الغربية وفي المقابل تراجع دور الموساد قليلا نتيجة لاستقرار علاقات إسرائيل مع جيرانها من الدول العربية، لذا من المحتمل أن يقل دور الشاباك في الفترة المقبلة وقد يحدث تغييرات هيكلية في الأجهزة الأمنية الإسرائيلية خاصة الشاباك.

4- فقدان التنبؤ بالعدو القادم:

في حال اصرار تل أبيب على إنهاء وإفناء حركة حماس تماما من الخريطة الفلسطينية فإنه قد يؤدي إلي حالة غموض وتخوف داخل المجتمع الإسرائيل من المجهول المنتظر، إذ كيف يكون شكل أعداء إسرائيل في المستقبل وما هي أدواتهم وماهي أيديولوجيتهم وكيفية تحركاتهم.

وأخيرًا.. نستنتج أن فكرة "العدو" راسخة في أدبيات النظام السياسي الإسرائيلي لا يمكن اطلاقًا الحيد عن تلك الفكرة أو انهاؤها، فعلى مدار التاريخ لجأت إسرائيل إلي سياسية تخفيف العدو وليس القضاء عليه فمنذ نشأتها وحتي التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد، احتلت مصر صورة العدو الأول لإسرائيل وبعد التوقيع على اتفاقية السلام أعلت من مستوى الخطر العراقي وبرنامجه النووي في محاولة من تل أبيب لتعويض "العدو" المصري وحتى تستمر في تجييش الوضع الداخلي، ورويدا رويدا بعد التوقيع على اتفاقيات أسلو ووداي عربة في بداية التسعينيات وزوال خطر منظمة التحرير بدأ الحديث عن خطر التنظيمات الأصولية وفي المقدمة منها حركتي حماس والجهاد الإسلامي.

وهو ما قد يحدث حاليًا إذ من الممكن أن توافق تل أبيب على تجميد سلاح حركة حماس دون نزعه بالكامل من أجل إبقاء خطر حماس قائما لما له من دور وظيفي بنائي في النظام السياسي الإسرائيلي وضمان فرصة استمرارية تل أبيب في تجييش الداخل الإسرائيلي واستدعاء الدعم الغربي والأمريكي لها.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية 

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء