رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الهروب من الوطن.. رحلة الشباب الإثيوبي من الفقر والعنف بحثًا عن الحياة

مهاجرين أثيوبيين
مهاجرين أثيوبيين في السودان - أرشيفية

صدر حديثًا تقرير عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بعنوان "نظرة عامة على اللاجئين الإثيوبيين في السودان". ويُعد أمرًا لافتًا أنه رغم الحرب الأهلية في السودان، وهجرة أهل السودان أنفسهم إلى دول الجوار بالملايين، ونزوح ملايين آخرين داخل مختلف الولايات والمناطق السودانية، فإن السودان لا يزال يستضيف عددًا كبيرًا من اللاجئين، بلغ إجمالي عددهم 858,765 لاجئًا حتى سبتمبر 2025، ويمثل اللاجئون الإثيوبيون (8.2%) من إجمالي عدد السكان. اللاجئين الإثيوبيين

وفيما يتعلق بالظروف المعيشية للاجئين الإثيوبيين، يقيم (72%) منهم في مخيمات، بينما يعيش (28%) خارج هذه المرافق. ويتوزع عدد اللاجئين بالتساوي تقريبًا من حيث الجنس، حيث تمثل الإناث (52%) والذكور (48%).

مهاجرين أثيوبيين في السودان - أرشيفية
مهاجرين أثيوبيين في السودان - أرشيفية

يهاجر 250 ألف إثيوبي سنويًا.. ما الذي يدفعهم؟ وما الذي يجب تغييره؟

تحل الهجرة بشكل متزايد محل مسارات الحياة التقليدية التي كانت تركز على التعليم، والتي شكّلت الأجيال السابقة في إثيوبيا. في الماضي، كان يُنظر إلى العمل في القطاع العام بعد إتمام التعليم الثانوي والعالي على أنه أمر يحظى بالاحترام الاجتماعي والمكافأة الاقتصادية.

ورغم اتساع نطاق الوصول إلى التعليم بجميع مستوياته في العقود الأخيرة، إلا أن قيمته قد تضاءلت مع معاناة العديد من الخريجين في إيجاد فرص عمل وعيش كريم.

في إثيوبيا، يُشكّل الأفراد الذين تقل أعمارهم عن 30 عامًا حوالي (70%) من إجمالي السكان، وبلغ معدل بطالة الشباب في المناطق الحضرية حوالي (25.3%) اعتبارًا من عام 2022.

تُعد الهجرة غير النظامية، التي تشمل قوارب مكتظة وغير صالحة للإبحار، مسؤولة عن ارتفاع عدد الوفيات في البحر. ففي الأشهر الستة الأولى من عام 2025 وحده، فقد أكثر من 350 مهاجرًا حياتهم أثناء محاولتهم عبور خليج عدن والبحر الأحمر من القرن الإفريقي.

وفي حادث مأساوي وقع في 3 أغسطس، أودى الغرق بحياة حوالي 102 مهاجر، معظمهم من الإثيوبيين.

تقرير صادر عن الأمم المتحدة
تقرير صادر عن الأمم المتحدة

أسباب اختيار الكثيرين للهجرة غير النظامية على المسارات القانونية

تُعد إثيوبيا بلد منشأ وعبور ووجهة للمهاجرين، إذ يهاجر حوالي 250 ألف إثيوبي سنويًا. فمنذ عام 2014، سجّلت المنظمة الدولية للهجرة (76,524) حالة وفاة لمهاجرين حول العالم، من بينها أكثر من 1,098 حالة غرق قبالة اليمن على طول الطريق الشرقي.

وفي عام 2021، أفادت دائرة الإحصاء المركزية الإثيوبية باختفاء أكثر من 51 ألف مهاجر إثيوبي بعد مغادرتهم البلاد في السنوات الخمس الماضية.

الطريق الذي أصبح شائعًا خلال العقد الماضي هو عبور البحر الأحمر للوصول إلى السعودية عبر اليمن الذي مزقته الحرب. يُعرف هذا الطريق باسم الطريق الشرقي، وهو من أخطر طرق الهجرة، إذ يُودي بحياة العديد من الشباب والشابات.

أما الطريق الجنوبي، الممتد من المناطق الجنوبية في إثيوبيا إلى جنوب إفريقيا، فيُعد ثاني أكبر ممر للهجرة غير النظامية.في حين يُعرف الطريق الشمالي بأنه الطريق المؤدي إلى أوروبا عبر السودان وليبيا والبحر الأبيض المتوسط.

تقرير صادر عن الأمم المتحدة
تقرير صادر عن الأمم المتحدة

أولًا: النظام الإثيوبي واحتراف سوء إدارة الموارد البشرية

في أوائل ومنتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان بإمكان الشباب الإثيوبيين الهجرة بشكل قانوني إلى دول الخليج، وكانت السعودية الوجهة المفضلة لوظائف مثل القيادة والأمن.

فرضت إثيوبيا حظرًا مؤقتًا على هجرة العمالة إلى دول الخليج من أواخر عام 2013 إلى أوائل عام 2018، بسبب التقارير عن الانتهاكات والوفيات. وبدلًا من صياغة سُبل دبلوماسية تُعلي من شأن المواطن الإثيوبي وتُجرّم أي انتهاكات لحقوقه، تم تعقيد المسار النظامي للهجرة الإثيوبية، ما دفع آلاف الإثيوبيين للهجرة عبر قنوات غير نظامية، وترسخت هذه الأنماط مع مرور الوقت.ومع ذلك، يتزايد عدد المهاجرات، حيث يمثلن الآن ثلث المهاجرين عبر هذه الطرق.

لقد كانت الأسباب الدافعة للهجرة من إثيوبيا معقدة دائمًا، وتشمل: محدودية فرص العمل وسبل العيش، الصراعات وعدم الاستقرار، ارتفاع معدلات البطالة، ضغوط الأسرة والأقران، الأمل في حياة أفضل في الخارج، والشعور باليأس من مستقبل كريم داخل الوطن، فضلًا عن ضعف اهتمام النظام بسلامة المواطن الإثيوبي في الداخل والخارج.

في مختلف أنحاء البلاد، ترسخت ثقافة الهجرة، حيث يُنظر إليها كوسيلة سريعة وفعالة لكسب الدخل وتحقيق مكانة اجتماعية. ويُعد نقص الفرص عاملًا محوريًا، ويتجلى ذلك في ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب وندرة الوظائف الجيدة، إلى جانب الفقر في المناطق الريفية، وتباطؤ التنمية الصناعية، والعقبات التي تعترض بدء الأعمال التجارية.

مهاجرين اثيوبيين في السودان -أرشيفية
مهاجرين اثيوبيين في السودان -أرشيفية

ثانيًا: تفاقم الصراعات في الداخل الإثيوبي

أدى استمرار الصراع في منطقتي أمهرة وأجزاء من أوروميا، وتصاعد التوترات في تيغراي، إلى انعدام الأمن وتعطيل سبل العيش، مما جعل الخدمات العامة غير متاحة، ودفع العديد من الشباب إلى الهجرة بحثًا عن الأمان والاستقرار.

ثالثًا: قوانين مُعرقلة

شددت الحكومة الإثيوبية القواعد التي تسمح لمواطنيها بالهجرة القانونية، وتتضمن المتطلبات القياسية للمتقدمين وثائق عديدة وتدريبًا قبل المغادرة، مثل بطاقات الهوية، وجوازات السفر، والمؤهلات التعليمية، والشهادات الصحية، وشهادة الكفاءة.

غير أن كثيرًا من هذه المتطلبات ليست في متناول العديد من المهاجرين الطموحين؛ فتكلفة جواز السفر مثلًا باهظة بالنسبة لمعظمهم، ما يدفع الناس إلى خيارات هجرة غير نظامية ومحفوفة بالمخاطر.

فالهجرة القانونية محدودة للغاية بالنسبة لجموع فئات الشعب الإثيوبي، وغالبًا ما تقتصر على الاتفاقيات الثنائية القائمة مع دول الشرق الأوسط، والتي تغطي بشكل أساسي العمل المنزلي الذي يستوعب النساء أكثر من الرجال.

توصيات المراقبين والخبراء

يرى المراقبون أن إثيوبيا تحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى خلق فرص اقتصادية أكبر في الداخل. ويمكن تحقيق ذلك من خلال توسيع الفرص في قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات، إلى جانب دعم التدريب المهني وريادة الأعمال، وتوفير الخدمات الأساسية في المناطق الريفية.

كما يوصي الخبراء بتوسيع نطاق المسارات القانونية للهجرة من خلال إبرام المزيد من اتفاقيات العمل الثنائية. حاليًا، لدى إثيوبيا اتفاقيات مع السعودية والإمارات والأردن ولبنان والكويت، وهي على وشك إبرام اتفاقية أخرى مع سلطنة عُمان.

غير أن هذه الاتفاقيات تقتصر في الغالب على العمل المنزلي، وكأن إثيوبيا لا ترى مواطنيها إلا في هذه الفئة، وهو ما يتنافى كليًا مع تصريحات المسؤولين الإثيوبيين حول سعيهم لتعزيز التنمية المستدامة في البلاد.

نانسي طلال زيدان*

 كاتبة وباحثة متخصصة في العلوم السياسية 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء