رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

السودان بين مطرقة التنافس الإقليمي وسندان التشرذم الأممي

عبدالفتاح البرهان
عبدالفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023 بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، يعيش السودان واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والسياسية في تاريخه الحديث. أكثر من 12 مليون نازح، وما يزيد على 40 ألف قتيل، وأراضٍ زراعية مدمرة تهدد بمجاعة واسعة النطاق، تجعل السودان ساحة لكارثة مركّبة، تتشابك فيها العوامل المحلية بالصراعات الإقليمية والدولية. الأزمة لم تعد محصورة داخل الخرطوم أو دارفور، بل تحولت إلى ملف إقليمي ودولي يتقاطع فيه النفوذ الأميركي مع الطموح الخليجي، والصراعات الأممية مع مصالح شركات الذهب والزراعة.

المأساة الإنسانية في السودانية 
المأساة الإنسانية في السودانية 

الأزمة الإنسانية المعطلة بالمصالح

الأمم المتحدة تصف الوضع في السودان بأنه أحد أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم اليوم، حيث يواجه نصف السكان تقريبًا خطر المجاعة. لكن المساعدات تُستخدم كسلاح من أطراف النزاع، إذ تعرقل قوات الدعم السريع وصول الإغاثة إلى مناطق يسيطر عليها الجيش، والعكس صحيح. هذا التسييس للمساعدات جعل المدنيين في قلب أزمة مزدوجة: جوع مُتعمّد وصراع مسلح.

الرباعية والهدنة الهشة

محاولات الحل عبر "الرباعية" (السعودية، الإمارات، بريطانيا، الولايات المتحدة) أفضت إلى اتفاقات هشة مثل هدنة جدة في 2023، لكن غياب آلية إلزامية للتنفيذ جعلها بلا أثر فعلي. واشنطن تسعى إلى تثبيت وقف إطلاق النار لأسباب إنسانية بالأساس، لكنها تُواجه تحديًا يتمثل في صعوبة استبعاد قوى محلية مثل الإسلاميين من أي تسوية، وهو ما يعقّد جهود الوساطة.

في 12 سبتمبر الحالي، وبناءً على دعوة من الولايات المتحدة، أجرى وزراء خارجية الولايات المتحدة، ومصر، والسعودية، والإمارات مشاورات مكثفة حول الصراع في السودان، تم صياغة مقترحًا لهدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر في السودان، يتبعها وقف دائم لإطلاق النار، مُتوافقين حول عدة نقاط طبقاً لبيان وزارة الخارجية الأمريكية :

أولًا: سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه ضرورية للسلام والاستقرار.

ثانيًا: يجب على جميع أطراف النزاع تسهيل وصول المساعدات الإنسانية والمساعدات الإنسانية بسرعة وأمان ودون عوائق في جميع أنحاء السودان وحماية المدنيين وفقًا للقانون الإنساني الدولي والامتناع عن الهجمات الجوية والبرية العشوائية على البنية التحتية المدنية.

ثالثًا: إن مستقبل حكم السودان متروك للشعب السوداني ليقرره من خلال عملية انتقالية شاملة وشفافة، لا تخضع لسيطرة أي طرف من الأطراف المتحاربة. 

رابعًا: دعا الوزراء إلى هدنة إنسانية، لمدة ثلاثة أشهر مبدئيًا، لتمكين وصول المساعدات الإنسانية بسرعة إلى جميع أنحاء السودان، بما يؤدي فورًا إلى وقف دائم لإطلاق النار، ثم إطلاق عملية انتقالية شاملة وشفافة واختتامها في غضون تسعة أشهر لتلبية تطلعات الشعب السوداني نحو إقامة حكومة مستقلة بقيادة مدنية بسلاسة، تتمتع بشرعية واسعة

خامسًا: يُسهم الدعم العسكري الخارجي لأطراف النزاع في السودان في تفاقم النزاع وإطالته، ويُسهم في زعزعة الاستقرار الإقليمي. وعليه، يُعدّ وقف الدعم العسكري الخارجي أمرًا أساسيًا لإنهاء النزاع.

الحرب السودانية 
الحرب السودانية 

 اختلاف الرؤي بين أعضاء الرُباعية تُفشل المُفاوضات

في 24 سبتمبر الجاري، التقى كبير مبعوثي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون الأفريقية والعربية، مسعد بولس، بوزراء خارجية مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، في إطار ما يُسمى بالرباعية. كان من المتوقع أن تُعلن المجموعة عن إنشاء لجنة مشتركة لاستعادة السلام والأمن في البلاد، لكن ذلك لم يحدث بسبب اختلاف الرؤي بين الأعضاء، حيثُ تدعم مصر والسعودية القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قائد البلاد، بينما تدعم الإمارات منافسه الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي)، قائد ميليشيا قوات الدعم السريع. 

وقد نشأ الخلاف حسبًا ل The Africa Report، بعد اعتراض الإمارات على مسودة البيان الختامي التي أقرتها الدول الثلاث الأخرى الأعضاء -الولايات المتحدة والسعودية ومصر، كما عارضت الإمارات دعوة البيان لقوات الدعم السريع إلى الانسحاب الفوري من الفاشر ورفع الحصار، والتي وُصفت بأنها خطوة ضرورية لفتح ممرات إنسانية وإيصال المساعدات إلى المدنيين المحاصرين. كما رفضت الإدانة الصريحة لقصف قوات الدعم السريع لمسجد في المدينة، هجوم بطائرة بدون طيار، ـسفر عن مقتل أكثر من 70 مُصليًا في الفاشر.

وعقب الاجتماع، صرّح بولس للصحفيين بأن الرباعية على وشك التوصل إلى اتفاق مع قوات الدعم السريع لتسريع إيصال المساعدات إلى الفاشر، ولكن تعذر أن تتعاظم نتائج الاجتماع أكثر من ذلك .

حكومة مُستقلة بقيادة مدنية تستبعد الجماعات المُتطرفة

حتى مع تشجيع اللجنة الرُباعية على تشكيل "حكومة مستقلة بقيادة مدنية تتمتع بشرعية واسعة النطاق ومساءلة"، إلا أنها تستبعد صراحةً أي دور مستقبلي "للجماعات المتطرفة العنيفة التابعة لجماعة الإخوان المسلمين أو المرتبطة بها بشكل واضح، في إشارة إلى حزب المؤتمر الوطني الإسلامي السابق بزعامة الرئيس السابق عمر البشير. علماً أن القوات المسلحة السودانية تعتمد على الفصائل والميليشيات الإسلامية المتحالفة مع حزب المؤتمر الوطني، مثل لواء البراء بن مالك، في قتالها ضد قوات الدعم السريع.

على نحو أخر في 12 سبتمبر، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شخصيتين إسلاميتين سودانيتين لتورطهما في تأجيج زعزعة الاستقرار الإقليمي ودعم إيران. 

أ‌) وزير المالية جبريل إبراهيم رئيس حركة العدل والمساواة، وهي جماعة مسلحة دارفورية تربطها صلات تاريخية بحسن الترابي، مهندس الثورة الإسلامية السودانية.

ب‌) ميليشيا جبريل محمد علي محسن (BBMB)، فقد أفاد مكتب الخزانة الأمريكية بأنها ساهمت بأكثر من 20 ألف مقاتل في الصراع ضد قوات الدعم السريع، مستخدمةً التدريب والأسلحة التي وفرها الحرس الثوري الإيراني.

المأساة الإنسانية في السودان
المأساة الإنسانية في السودان

وأضافت الوزارة أيضًا أن مقاتلي ميليشيا جبريل محمد علي محسن متورطون في اعتقالات تعسفية وتعذيب وإعدامات بإجراءات موجزة لمن يُعتقد أنهم موالون لقوات الدعم السريع. لتشمل الإجراءات ضد جبريل وميليشيا جبريل محمد علي محسن(BBMB) مصادرة جميع الممتلكات والمصالح وأي كيانات مملوكة، بشكل مباشر أو غير مباشر، بشكل فردي أو جماعي .

فيتضح هنا مُعضلة أمريكية بالملف السوداني، هو تغلغل الإسلامويين في كل من المُعسكرين الأبرز في الساحة السودانية سواء مُعسكر البُرهان والجيش الرسمي للبلاد، وأيضاً مُعسكر حميدتي وقوات الدعم السريع. ذلك بالإضافة للمُعضلة الإماراتية، فتظل الإمارات مُغردة خارج سرب الدول الثلاث في اللجنة الرُباعية المُشكلة بغرض وقف إطلاق النار والتأسيس لاستقرار الداخل السوداني، فمازالت الإمارات داعمة واحدة لحميدتي، أمام التوافق المصري السعودي المدعوم أمريكياً بدعم البُرهان.

  السودان تُدين الإمارات أُمميًا:

في إبريل 2025، اتهم السودان الإمارات أمام محكمة العدل الدولية، وهي أعلى محكمة تابعة للأمم المتحدة، بانتهاك اتفاقية منع الإبادة الجماعية ومعاقبة مرتكبيها بدعمها قوات شبه عسكرية في إقليم دارفور. ورفع السودان دعوى قضائية ضد الإمارات أمام المحكمة بتهمة تسليح قوات الدعم السريع، وهو اتهام نفته الإمارات مرارًا وتكرارًا.

ورغمًا عن الإنكار الإماراتي، في العام الماضي، وجدت لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة أن تورط الإمارات العربية المتحدة، إلى جانب تورط تشاد، في الصراع كان "موثوقًا". كما صرّح المشرعون الأمريكيون بتعليق جميع مبيعات الأسلحة الأمريكية الرئيسية للإمارات العربية المتحدة "لدعمها قوات الدعم السريع، التي خلصت الولايات المتحدة إلى ارتكابها إبادة جماعية". وأشار محامو السودان إلى تقييم استخباراتي حديث للحكومة السودانية قُدّم للمحكمة، وقالوا إنه يُظهر أدلة واضحة على أن شحنات الأسلحة المدعومة من الإمارات العربية المتحدة إلى قوات الدعم السريع عبر تشاد المجاورة "مستمرة حتى اليوم". وقدّمت شبكة CNN تقارير موسعة عن الفظائع التي ارتكبتها قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها: مذبحة مروّعة بحقّ غير العرب، بمن فيهم المساليت، في الجنينة، عاصمة غرب دارفور، وحملة لاستعباد الرجال والنساء هناك، بالإضافة إلى التجنيد القسري في ولاية الجزيرة بوسط السودان. 

لم ولن تتخارج الإمارات من السودان .. لماذا؟!

تُعدّ الإمارات المشتري الرئيسي للذهب السوداني منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين على الأقل، ولا تزال الوجهة الرئيسية للذهب المُهرَّب من السودان. ووفقًا للبيانات الرسمية، استوردت الإمارات ذهبًا سودانيًا بقيمة (2.29 مليار) دولار أمريكي في عام 2022. ومع ذلك، يُرجَّح أن تكون الأرقام الفعلية أعلى من ذلك بكثير. ويُقدَّر أن (90%) من إنتاج السودان من الذهب، والذي يُقدَّر بنحو (13.4 مليار) دولار أمريكي في التجارة غير المشروعة، يُهرَّب خارج البلاد، وغالبًا ما يمر عبر طرق الترانزيت في تشاد وإثيوبيا وأوغندا وجنوب السودان قبل الوصول إلى الإمارات.

ومع ذلك، لم يُصبح الذهب موردًا استراتيجيًا للسودان إلا بين عامي 2011 و2012. ويعود ذلك إلى فقدان (75%) من احتياطاته النفطية عقب انفصال جنوب السودان، واكتشاف رواسب كبيرة من الذهب في شمال دارفور، وارتفاع أسعار الذهب العالمية. ونتيجةً لذلك، فرضت الحكومة السودانية سيطرتها المركزية على الذهب، وبحلول عام 2012، شكّل الذهب (60%) من صادرات البلاد.

علاوة على ذلك، فمنذ عام 2014، تعمل شركة "إميرال ريسورسز"، وهي شركة روسية إماراتية مسجلة في دبي، في قطاع تعدين الذهب في السودان من خلال شركتها التابعة "تحالف التعدين المحدودة". تُعد الشركة منتجًا رئيسيًا، حيث تنتج حوالي ثلاثة أطنان من الذهب سنويًا. تأسست "تحالف التعدين" كمشروع مشترك بين شركة "كوش إي آند بي" (68%) وشركة "سودامين" المملوكة للدولة (25%) ومساهم خاص لم يُكشف عن هويته (7%). يُشتبه في أن شركة "كوش إي آند بي" لها صلات بقوات الدعم السريع، التي لوحظ أنها توفر الأمن لعمليات الشركة في جنوب كردفان.

عندما اندلعت الحرب الأهلية عام 2023 بين قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية، تنافست القوتين على السيطرة على الدولة ومواردها المالية. وسرعان ما استولت قوات الدعم السريع على مصفاة الذهب السودانية في الخرطوم، التي كانت تحتوي على (1.6 طن) من الذهب المكرر ومخزون إضافي غير معالج بقيمة (150.5 مليون) دولار أمريكي. على الرغم من انكماش الاقتصاد بشكل حاد منذ بداية الحرب، أعلنت شركة السودان للموارد المعدنية المملوكة للدولة في فبراير أن إنتاج الذهب سيصل إلى 64 طنًا في عام 2024، ارتفاعًا من 41.8 طنًا في عام 2022.

على نحو أخر، يلعب السودان دورًا رئيسيًا في تلبية الطلب على الغذاء في دولة الإمارات، نظرًا لأن الإمارات تستورد 90% من غذائها نظرًا لمحدودية الأراضي الصالحة للزراعة وندرة المياه. ولحماية إمداداتها الغذائية، طورت الإمارات شبكة زراعية عالمية تغطي حوالي مليون هكتار من الأراضي الزراعية، متصلة عبر الموانئ ومراكز الخدمات اللوجستية.

وقد أشار مقال في مجلة ADF إلى أن حرب السودان تطورت إلى صراع بالوكالة بين دولتين خليجيتين عربيتين تتنافسان على توسيع نفوذهما في أفريقيا. تقف المملكة العربية السعودية إلى جانب القوات المسلحة السودانية، وقد بنت علاقة وثيقة مع قائدها الفريق أول عبد الفتاح البرهان. في غضون ذلك، تحالفت الإمارات العربية المتحدة مع قوات الدعم السريع. يعكس هذا تنافسًا كان يتصاعد في السنوات الأخيرة. لطالما كانت الدولتان حليفتين، تجمعهما مصالح إقليمية مشتركة، بما في ذلك العداء لإيران والمعارضة المشتركة للحركات الإسلامية. 

ختامًا: نجد أن السودان في طريقها لإعادة الاستقرار والتماسك الداخلي تُعاني من تشابك مصالح قوي إقليمية ودولية، كما أن المبالغة في استخدام اللغة الإقصائية قد تأتي بنتائج عكسية، فالدفع نحو السلام، مع استبعاد الجهات الفاعلة الرئيسية في الوقت نفسه، هو صيغة يصعب تنفيذها.  خاصة وإن كانت مجموعات –وإن كانت بخلفيات إسلامية أو وثيقة الصلة بإيران-ذات نفوذ في الداخل السوداني، فإذا تم استبعادها في مرحلة ما بعد الصراع، سيجعلها ذلك الأمر بطبيعة الحال معادية لعملية السلام. 

نانسي طلال زيدان*

 كاتبة وباحثة متخصصة في العلوم السياسية 

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء