رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

التصعيد بين القاهرة وأديس أبابا.. واشنطن تدخل على خط الأزمة من بوابة النيل

سد النهضة الأثيوبي
سد النهضة الأثيوبي - أرشيفية

في 12 أكتوبر، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال كلمته بالجلسة الافتتاحية لأسبوع القاهرة الثامن للمياه، أن مصر تؤمن بأن الأنهار الدولية لم تُخلق لتكون خطوطًا تفصل بين الأوطان، بل شرايين حياة تنبض بالتكامل، وجسورًا للتعاون تربط الشعوب وتوحد المصائر، من خلال شراكة عادلة قائمة على قواعد القانون الدولي، وتُعلي من شأن عدم الإضرار، المُقترن دومًا باحترام الحقوق.

وفي إشارة للتصرف الإثيوبي، أكد الرئيس المصري رفض مصر الكامل والحاسم لأي إجراءات أُحادية تُتخذ على نهر النيل، موضحًا أن مصر، على مدار (14 عامًا)، التزمت بمسار التفاوض الدبلوماسي مع الجانب الإثيوبي، مُقدمة عددًا من البدائل الفنية الرصينة التي تُلبي الأهداف الإثيوبية دون الإضرار بدولتي المصب، وأن تلك الجهود الدبلوماسية قُوبلت بالتعنت الإثيوبي غير المُبرر سوى بغياب الإرادة السياسية للتفاهم الدبلوماسي المُثمر، وسعيًا لفرض الأمر الواقع مدفوعة باعتبارات سياسية ضيقة، بعيدًا عن احتياجات التنمية الفعلية، فضلًا عن مزاعم إثيوبيا بالسيادة المنفردة على مياه نهر النيل.

وطالب الرئيس المصري المجتمع الدولي بصفة عامة، والقارة الإفريقية بصفة خاصة، بمواجهة التصرفات المتهورة من الإدارة الإثيوبية، وضمان تنظيم تصريف المياه من السد في حالتي الجفاف والفيضان، في إطار الاتفاق الذي تنشده دولتا المصب، وهو السبيل الوحيد لتحقيق التوازن بين التنمية الحقيقية لدول المنبع.

واختتم الرئيس المصري حديثه مؤكدًا أن اختيار مصر طريق الدبلوماسية، ولجوءها إلى المؤسسات الدولية، وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة، لم يكن يومًا ضعفًا أو تراجعًا، بل تعبيرًا عن قوة الموقف ونضج الرؤية، بأن التعاون هو الطريق الأجدى لتحقيق مصالح جميع دول حوض النيل دون تعريض أي منها للخطر، إلا أن مصر لن تقف مكتوفة الأيدي أمام النهج غير المسؤول الذي تتبعه إثيوبيا، وأن مصر ستتخذ كافة التدابير لحماية مصالحها وأمنها المائي.

الرئيس السيسي والرئيس ترامب
الرئيس السيسي والرئيس ترامب

سُرعان ما أصدرت وزارة المياه والطاقة الإثيوبية بيانًا للرد على فحوى كلمة الرئيس المصري، مُعتبرة الخطاب المصري خطابًا عدائيًا ضد إثيوبيا، واحتوى البيان الإثيوبي على تطاول لفظي على السياسات المصرية، مُتهكمًا على المشروعات المصرية التي تُساهم بها مصر في دول القارة الإفريقية بشكل يخصم من قيمتها، كما أكد البيان الإثيوبي أن إثيوبيا مصدر (85%) من نهر النيل، وأنها لن تخضع للضغوط أو الترويع للتخلي عن حقها في استخدام النيل لتلبية احتياجاتها المائية.

سد تنزانيا: أحدث أشكال التعاون المصري الإفريقي تنمويًا

على عكس التهكم الإثيوبي المزعوم على المُساهمات التنموية المصرية بالقارة الإفريقية، يتفاخر التنزانيون ببناء سد جوليوس نيريري، حيث اكتمل بنسبة (99.9%)، وتم تجهيز ثمانية من توربينات المشروع التسعة للتشغيل.

فتبلغ تكلفة السد التنزاني (2.9 مليار) دولار أمريكي، ويُجرى بناؤه منذ عام 2019، بتعاون شركة المقاولون العرب المملوكة للدولة وشركة السويدي إلكتريك المملوكة للقطاع الخاص، ويهدف إلى معالجة نقص الكهرباء في تنزانيا من خلال توفير الطاقة النظيفة لأكثر من 60 مليون شخص.

علمًا بأن اهتمام مصر مُتنامٍ بتعزيز التعاون مع تنزانيا في مشاريع البناء وتوليد الطاقة الكهرومائية، في إطار تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الدول الإفريقية، وهناك تشجيع مُستمر من القيادة المصرية لدفع الشركات المصرية إلى زيادة مشاركتها في مختلف أنحاء القارة، ونقل قدرات ومهارات مصر التصنيعية في قطاعات مثل إنتاج الأغذية، والسلع الصناعية والكيميائية، ومواد البناء، والتي تهدف إلى تلبية الاحتياجات الإفريقية.

الرئيس السيسي مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد
الرئيس السيسي مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد

دلائل تضرر مصر والسودان من الإدارة الإثيوبية لسد النهضة:

شكل تدفق المياه القوي شمالًا من إثيوبيا تجاه السودان ومصر، على إثر فتح إثيوبيا لأربعة من بوابات سد النهضة بقرار أُحادي منها دون إخطار أو تنسيق مع مصر والسودان، تفاقم الفيضانات الموسمية التي تأخر موعدها مقارنةً بكل عام، وذلك التأخير بسبب تصميم إثيوبيا على حجز وتخزين المياه في الأشهر الماضية بشكل غير مدروس، ما أدى بها إلى فتح الأربع بوابات والتسبب في الفيضان لتخفيف ضغط المياه المُخزنة التي فاقت قدرة تحمل سد النهضة الإثيوبي.

ففي السودان، شردت الفيضانات حوالي (1200) أسرة ودمرت منازل، مما أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية المستمرة بسبب الحرب الأهلية المُستمرة في الداخل السوداني لمدة 18 شهرًا. وذلك ما أوضحه بيان وزارة الموارد المائية والري المصرية، بتأكيد أن إطلاقات المياه المفاجئة بعد افتتاح السد في 9 سبتمبر تسببت في "فيضانات متأخرة من صنع الإنسان". وأفادت الوزارة بزيادة كبيرة في تصريف المياه بعد وقت قصير من الافتتاح، مما أثر على سد الروصيرص السوداني وزاد الضغط على مصر ومساراتها المائية من السد العالي إلى مُنخفض توشكى وغيرها من مسارات استقبال وتخزين مياه نهر النيل.

إلا أن الفائض الزائد عن الاستيعاب تسبب في مصر بارتفاع منسوب مياه النيل وغمر مناطق طرح النيل في مُحافظتي المنوفية والبحيرة، حيث إقليم الدلتا بشمال مصر، مما أجبر السكان على إخلاء منازلهم بالقوارب.

رفضت إثيوبيا الاعتراضات المصرية والسودانية رغم التضرر الجم، وما زال يجادل المسؤولون الإثيوبيون بأنه لولا السد لكانت الفيضانات أسوأ في كل من السودان ومصر. صُمم السد لإنتاج طاقة هائلة وتخزين كميات كبيرة من المياه، وهو ما تقول مصر إن القرارات والتصرفات الإثيوبية فيما يتعلق بسد النهضة تتم بشكل أُحادي لا يهتم ولا يكترث بمدى التأثير على دولتي المصب، ولم يكن ذلك الاتهام المصري السوداني جديدًا لإثيوبيا، وإنما أسلوب مُتبع في كل مراحل بناء وملء السد، ينتهك معاهدات المياه التاريخية ويشكل تهديدًا خطيرًا لإمداداتها المائية، وسبق أن قدمت مصر خطابًا موجهًا لمجلس الأمن في سبتمبر 2024.

فبالنسبة لإثيوبيا، فإن المشروع الذي تبلغ تكلفته 4.5 مليار دولار هو رمز لطموحاتها الإقليمية، مُروجةً أن السد سيُضاعف إنتاج الكهرباء. إلا أنه، حسب المراقبين، فإن نسبة الكهرباء المولدة حتى الآن من السد لا تتجاوز (17%) من مُجمل كهرباء إثيوبيا.

التدخل الأمريكي من تصريحات ترامب إلى قلادة النيل المصرية

بالتوازي مع بدء فاعليات قمة شرم الشيخ للسلام 2025، أعلن الرئيس المصري أنه سيمنح الرئيس الأمريكي ترامب قلادة النيل المصرية كأعلى وسام تقديري تمنحه الدولة المصرية لمن يُحقق أمورًا تخدم الإنسانية وتُعزز مساعي السلام، فذهبت الأذهان للربط بين قلادة النيل المصرية واختيار القيادة المصرية لها بشكل خاص، وأنها مُحملة برسالة دبلوماسية سياسية تتعلق بسد النهضة الإثيوبي، والاهتمام المصري برعاية الولايات المتحدة لمساعيها الدبلوماسية في مواجهة التعنت الإثيوبي.

إلا أن ترامب كان قد صرح بالفعل في خطابه يوم 21 سبتمبر، في حفل عشاء مؤسسي الدورة السنوية الرابعة لمعهد كورنرستون الأمريكي في ماونت فيرنون بولاية فرجينيا، قائلًا: "لقد بنوا سدًا في إثيوبيا يؤثر على نهر النيل، وأعتقد أنه مشكلة كبيرة". كما أكد ترامب اهتمامه بالملف المصري الإثيوبي خلال مؤتمر صحفي مع الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، في البيت الأبيض في 14 يوليو 2025، قائلًا إن الإدارة الأمريكية تعمل مع إثيوبيا لحل هذه المشكلة، وأضاف: "أعتقد أنني لو كنت مكان مصر، لأردت أن تصل المياه إلى نهر النيل، ونحن نعمل على ذلك. إنها مشكلة، لكنها ستُحل. لقد بنت [إثيوبيا] أحد أكبر السدود في العالم. لكن من الجميل أن يتوافر الماء في نهر النيل، إنه مصدر دخل بالغ الأهمية في الحياة. إنه حياة مصر، وسلبه أمرٌ لا يُصدَّق. لكننا نعتقد أننا سنحلّ المشكلة بسرعة كبيرة".

علمًا أنه في 9 سبتمبر 2025، وجّهت مصر، ممثلةً بوزير الخارجية والهجرة بدر عبد العاطي، رسالةً رسميةً إلى رئيس مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يوم الثلاثاء، ردًا على احتفال إثيوبيا الأخير باستكمال وتشغيل سد النهضة الإثيوبي الكبير، وأكدت القاهرة أن هذه الخطوة تُشكّل خرقًا واضحًا للقانون الدولي والأعراف المُستقرة.

وشدد وزير الخارجية على أن محاولات إثيوبيا لإضفاء غطاءٍ زائفٍ على السد لا يُمكن أن تُغيّر حقيقة أنه لا يزال إجراءً أحادي الجانب ينتهك القانون الدولي. وأكد أن مثل هذه الإجراءات لا تُرتّب أي عواقب قانونية على الإطار الحاكم لحوض النيل الشرقي بموجب القانون الدولي.

ومع ذلك، يُلحّ بعض القادة الإثيوبيين على التحول إلى الاستخدام الاستهلاكي، مُطالبين ببناء المزيد من السدود على روافد النيل الأخرى. وفي حال تنفيذ ذلك، سيُقلل هذا من تدفقات المياه باتجاه المصب، مما يُشكّل مُعضلة مائية مُعقّدة لمصر. ونتيجةً لذلك، سجّلت مصر رسميًا اعتراضها على سد النهضة الإثيوبي الكبير لدى مجلس الأمن الدولي في 9 سبتمبر، يوم افتتاح السد، وردّت إثيوبيا بسرعة دون إبداء تقدير لسلامة دولتي المصب مصر والسودان، مُتهمةً مصر بـ"العقلية الاستعمارية"، مُفاقمةً بذلك احتمالية نشوب صراع.

ختامًا:

تُمثل ندرة المياه في إفريقيا أزمةً وتكاليفها باهظة. وتشير التقديرات إلى أن (411 مليون) شخص يفتقرون إلى المياه الصالحة للشرب، و(779 مليونًا) إلى خدمات الصرف الصحي الآمنة، و(839 مليونًا) إلى خدمات النظافة الأساسية، وفقًا لنائبة رئيس البنك الإفريقي للتنمية، بيث دانفورد. الضحايا هم فئات مهمشة بشكل غير متناسب. فمثلًا، يُشكّل الأطفال في جيبوتي وإريتريا وإثيوبيا وكينيا والصومال نصف المتضررين من أزمة المياه في القرن الإفريقي، وفقًا لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف).

ففي أعقاب هذه الندرة المتزايدة، يُمكننا توقع تفاقم مصاحب للنزاعات المتعلقة بالمياه، بما في ذلك صراعات عنيفة على مستويات متعددة. ومن المتوقع أن تتزايد المخاطر الأمنية المرتبطة بتحديات المياه ما لم نسعَ إلى إبرام اتفاقيات وبروتوكولات تعاون مستدامة في مجال المياه.

نانسي طلال زيدان*

 كاتبة وباحثة متخصصة في العلوم السياسية 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء