رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من الحرب الأهلية إلى احتكار السلطة: مأزق الديمقراطية المؤجلة في ساحل العاج

مظاهرات في ساحل العاج
مظاهرات في ساحل العاج ضد ترشح الحسن واتارا

ستُجرى الانتخابات الرئاسية في "ساحل العاج"، العاصمة الإيفوارية الواقعة في أقصى غرب قارة إفريقيا، في 25 أكتوبر الجاري، في ظل مناخ من التوتر السياسي وتوقع بوجود موجة عنف تصاحب مراحل التصويت، وذلك على غرار الانتخابات السابقة في 2020.

 الرئيس الإيفواري الحسن واتارا
 الرئيس الإيفواري الحسن واتارا

وفي تلك الانتخابات سيقوم الرئيس "الحسن واتارا" ذو الـ82 عامًا بالترشح لولاية رابعة، ما يفتح الباب أمام العديد من التساؤلات حول شرعية هذا الترشح، في ظل استبعاد أبرز مرشحي المعارضة "لوران غبابجو" و"تيجان ثيام"، وتصاعد الجدل حول قضية الجنسية، ومحدودية الخيارات السياسية أمام الناخبين، والتشكيك في مدى نزاهة إجراءات العملية الانتخابية.

أولًا: النمو الاقتصادي مقابل الديمقراطية

دائمًا ما يعوّل الرئيس "الحسن واتارا" على الإنجازات الاقتصادية والاستقرار، والنجاح في مكافحة إرهاب الجماعات الأصولية المسلحة التي تتمدد في منطقة الساحل الإفريقي، وهو بذلك يعتمد في حملاته الانتخابية على الترويج للإنجازات التي تم تحقيقها في قطاع التعليم والصحة والبنية التحتية.

هذه الإنجازات تجعل كوت ديفوار مصنفة كدولة ذات تنمية بشرية متوسطة بترتيب 157 من أصل 193، وناتج محلي إجمالي قدره مليار دولار أمريكي في عام 2024، كما أن الدولة قد قطعت شوطًا في تحقيق نمو اقتصادي يتراوح من 6 إلى 7%، ما يجعلها تسير في المسار الصحيح على طريق التنمية، ولكن مقابل هذا النجاح، لا تزال الدولة الإفريقية تعاني من سوء توزيع الثروة والدخل.

هذا كله يحدث بسبب عدم وجود ديمقراطية حقيقية، فمنذ عام 1995 لم يحدث انتقال حقيقي للسلطة، وربما تغيرت الوجوه لكن بالآليات نفسها.

الواقع أن "الحسن واتارا" يحكم الدولة منذ عام 2010، وتعتبر هذه الولاية الرابعة التي يترشح فيها، ويبدو أن متلازمة الرجل الواحد قد أصابت الرجل ذو الـ83 عامًا، فلم يعد هناك بدائل لا من حزبه ولا حتى من المعارضة، ويحدث ذلك بسبب عدة إجراءات يتم اتخاذها لتقويض الديمقراطية عبر التحكم في الخيارات السياسية وتقويض سلطة القضاء.

ثانيًا: خيارات سياسية محدودة أمام الناخب الإيفواري

حقيقةً، لن تشهد هذه الانتخابات ترشح أبرز قادة المعارضة، إذ استبعدت اللجنة الوطنية للانتخابات الرئيس السابق "لوران غبابجو" من الترشح بسبب قضية فساد قد أُتهم فيها عام 2018.

وعلى الرغم من أن الرئيس قد سمح له بالعودة إلى البلاد، فإنه لم يمنحه العفو الذي يمكنه من حق الإدراج في كشوف الناخبين، وبالتالي تم إقصاؤه مقابل السماح لزوجته "سيمون إهيفيت غباغبو" بالترشح، وهي رئيسة حركة الأجيال القادرة (MGC).

أما وزير التجارة السابق "جان لوي بيلون"، فسوف يحظى بدعم بعض الأحزاب الصغيرة، وخاصة بعد أن رفض الحزب الديمقراطي لكوت ديفوار (PDCI) ترشيحه. ويقع في المأزق نفسه وزير التجهيز والصرف الصحي السابق "أهوا دون ميلو"، بعد أن رفض حزب الشعب الإفريقي (PPA-CI) بزعامة "لوران غباغبو" دعم ترشيحه، على الرغم من أن "دون ميلو" هو نائب رئيس هذا الحزب.

هذه القائمة من المرشحين توضح استبعاد أبرز قادة المعارضة "لوران غباغبو" و"تيجان ثيام"، ورئيس الوزراء السابق "غيوم سورو"، رغم إعلان ترشحه من الخارج.

مظاهرات في ساحل العاج ضد ترشح  الحسن واتارا 
مظاهرات في ساحل العاج ضد ترشح  الحسن واتارا 

ثالثًا: قضية الجنسية، التقاليد الأبوية، والعنف الانتخابي

يحتفظ النظام ببعض الإجراءات التي تجعله المتحكم الأول في مخرجات العملية الانتخابية. ومن أبرز تلك الآليات "قضية الجنسية".

في الحقيقة، إن هذه القضية تؤرق المواطنين الأفارقة بوجه عام، وفي "كوت ديفوار" تُستخدم للتضييق على الشخصيات المعارضة، إذ تنص المادة 48 من القانون على أن "من يكتسب جنسية أجنبية يفقد تلقائيًا الجنسية الإيفوارية، ما لم يُصرّح مسبقًا برغبته في الاحتفاظ بها".

بهذه المادة فقد تم استبعاد "تيجان ثيام" من القوائم الانتخابية في 22 إبريل (بحجة امتلاكه الجنسية الفرنسية سابقًا).

المفارقة هنا أن هذه القضية كانت السبب وراء استبعاد "الحسن واتارا" نفسه من الترشح للانتخابات عامي 1995 و2000، إذ واجه ادعاءات بأنه مولود لأب "بوركينابي".

والواقع أن هذه القضية لا تزال أحد الأسباب الرئيسية للأزمة الطويلة والمميتة في كوت ديفوار منذ أكثر من ربع قرن، كما أنها من الآليات التي تعمّق الانقسام وتؤدي إلى فقدان الثقة بين المجتمع والدولة.

وعلى الرغم من تحقيق نجاحات في مجال التنمية الاقتصادية، فلا تزال "كوت ديفوار" متأخرة في مجال التحول الديمقراطي الحقيقي. أحد الأسباب هو انتشار ظاهرة "النظم الأبوية"، وهي ظاهرة تتسع لتشمل دول القارة، وتُعد "كوت ديفوار" جزءًا من هذا الواقع.

إذ لا تزال آليات الحزب الواحد المهيمن – إرث النظم الأبوية – تشكل الإطار المؤسسي للنظام الحزبي في "كوت ديفوار".

وفي ظل ظاهرتي (الأبوية الجديدة، والحزب المهيمن)، يُمنح رئيس الدولة وحاشيته حصة غير متناسبة من السلطة التنفيذية. وينطبق الأمر نفسه على الأحزاب السياسية، التي يقودها أفرادٌ ذوو نفوذٍ واسع، قادوا أحزابهم لعقودٍ مع حفنةٍ من الأتباع المخلصين، مما حال دون تجديد المشهد السياسي وعرقل تمثيل الشباب في المؤسسات.

ووفقًا لمصدرٍ داخليٍّ في وزارة الشباب والإدماج المهني والخدمة المدنية، من بين أعضاء الجمعية الوطنية البالغ عددهم 225 عضوًا، هناك عضوٌ واحدٌ فقط دون سن الأربعين.

يتكامل هذا المشهد مع الخلافات حول الإطار المؤسسي والقانوني للتصويت، وقد انسحبت أحزاب المعارضة الثلاثة (الحزب الديمقراطي لكوت ديفوار PDCI، وحزب الشعب التقدمي لكوت ديفوار PPA-CI، والجبهة الشعبية الإيفوارية FRA-CI) من اللجنة، مُشيرةً إلى ما اعتبرته افتقارًا للاستقلالية في تشكيل اللجنة.

يضيف هذا الانسحاب قتامة يمكن أن تُعقّد المشهد الانتخابي، ويثير الشك في نتائج الانتخابات. وما يزيد الأمر تعقيدًا هو غياب الحوار بين النظام الحاكم والمعارضة.

هذه الظروف تنعكس بشكل كبير على العملية الانتخابية والأجواء المصاحبة لها، من توقع النتيجة مسبقًا، وعدم تجديد النخب، وتهميش دور الشباب. ويمكن تفسير تصاعد ظاهرة العنف الانتخابي، وهو ما شهدته الانتخابات الماضية في 2020، حيث خلفت حوادث العنف بين المعارضة وقوات الأمن حوالي 82 قتيلًا وعددًا من الإصابات.

مظاهرات في ساحل العاج ضد ترشح  الحسن واتارا 
مظاهرات في ساحل العاج ضد ترشح  الحسن واتارا 

ختامًا

تُظهر التجربة الإيفوارية أن الاستقرار السياسي لا يتحقق بالنمو الاقتصادي وحده، بل بالحكم الديمقراطي والمواطنة المتساوية.

إن تكرار الجدل حول قضية الجنسية، وضعف تجديد النخب، وغياب الحوار بين الحكومة والمعارضة، كلها عوامل تُغذي الشكوك بشأن نزاهة انتخابات أكتوبر 2025، وتُعيد إلى الأذهان أجواء المواجهة التي رافقت انتخابات 2010 و2020.

لذلك، يحتاج القادة الإيفواريون إلى كسر هذه الحلقة التاريخية عبر إصلاح الإطار القانوني للانتخابات، وتحييد المؤسسات الانتخابية، وتعزيز مشاركة الشباب في الحياة السياسية.

شيماء حسن*  

 باحث دكتوراة متخصصة في الشأن الإفريقي 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء