رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حرب المعادن النادرة.. الوجه الجديد للصراع بين بكين وواشنطن

الرئيس ترامب
الرئيس ترامب

قبل زيارة الرئيس دونالد ترامب المرتقبة إلى كوريا الجنوبية في آخر أسبوع من أكتوبر 2025، والمقابلة المُحتملة بينه وبين الرئيس الصيني شي جين بينغ على هامش منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ، لتكون المرة الأولى لالتقاء الرئيسين منذ عام 2019، إذ في 9 أكتوبر 2025، أعلنت الصين تشديدها ضوابط تصدير المعادن النادرة والتقنيات ذات الصلة، ومنعت مواطنيها من المشاركة في التعدين غير المصرح به في الخارج. وجاء ذلك الإعلان عقب دعوة أحد المشرعين الأمريكيين في 7 أكتوبر لفرض حظر أوسع على تصدير معدات تصنيع الرقائق إلى الصين، لتوسيع نطاق الضوابط الشاملة التي أعلنتها بكين في أبريل، والتي تسببت في أزمة إمدادات في جميع أنحاء العالم قبل أن تخفف سلسلة من الصفقات مع أوروبا والولايات المتحدة.

حيث أعلنت وزارة التجارة الصينية أن على الكيانات الأجنبية الآن الحصول على ترخيص من بكين لتصدير أي منتجات تحتوي على أكثر من (0.1%) من المعادن النادرة محلية المصدر، أو المصنعة باستخدام تقنيات الاستخراج أو التكرير أو صنع المغناطيس أو إعادة التدوير الصينية. كما أوضح بيان الوزارة أنه سيتم رفض منح التصاريح للشركات المرتبطة بجيوش أجنبية أو المدرجة على قوائم مراقبة الصادرات أو الرقابة. كما سيتم رفض طلبات الحصول على مواد يمكن استخدامها في الأسلحة أو الإرهاب أو غيرها من الأغراض العسكرية.

جاءت الضوابط الأخيرة بغرض توسيع الحماية من مجرد المواد الخام إلى الملكية الفكرية والتقنيات، ومن المُقرر أن تدخل القواعد الجديدة المتعلقة بتصدير مواد المعادن الأرضية النادرة حيز التنفيذ في الأول من ديسمبر، بينما دخلت القواعد المتعلقة بالتقنيات والعمالة حيز التنفيذ فورًا، وفقًا للبيانات الرسمية.

لتُعزز هذه الخطوة نفوذ بكين في المحادثات القادمة، وتُقوّض في الوقت نفسه جهود الولايات المتحدة لتعزيز قاعدتها الصناعية، خاصة وأن هذه الإجراءات تستهدف بشكل رئيسي قطاع الدفاع، كجزء من جهود بكين لتقزيم القدرات الدفاعية الأمريكية.

الرئيس الصيني شي جين بينغ -أرشيفية
الرئيس الصيني شي جين بينغ -أرشيفية

معنى القيود الصينية على صادرات المعادن النادرة

تمثل الصين حوالي (70%) من الإمدادات العالمية، وقد استخدمت هذه المعادن التي تشتد الحاجة إليها مرارًا وتكرارًا كورقة مساومة في مناقشات التجارة. يُطبّق إعلان وزارة التجارة الصينية رقم (61) لعام 2025 أشد ضوابط تصدير المعادن الأرضية النادرة. وبموجب الإجراءات المُعلنة، سيُطلب من الشركات الأجنبية الآن الحصول على موافقة الحكومة الصينية لتصدير المغناطيسات التي تحتوي على كميات ضئيلة من مواد أرضية نادرة صينية المنشأ، أو التي أُنتجت باستخدام تقنيات التعدين أو المعالجة أو تصنيع المغناطيس الصينية.

وسيُطبق إطار الترخيص الجديد على مغناطيسات الأرض النادرة المُنتجة في الخارج، وعلى مواد أشباه الموصلات المُختارة التي تحتوي على ما لا يقل عن (0.1%) من عناصر الأرض النادرة الثقيلة المُستوردة من الصين. ونظرًا لهيمنة الصين على هذا القطاع، حيث تُمثل حوالي (70%) من تعدين الأرض النادرة، و(90%) من فصل ومعالجة، و(93%) من تصنيع المغناطيس، فإن هذه التطورات ستكون لها آثار كبيرة على الأمن القومي.

علمًا أن ضوابط التصدير الجديدة هي المرة الأولى التي تُطبّق فيها الصين قاعدة المنتج الأجنبي المباشر (FDPR) — وهي آلية طُبّقت عام (1959) واستخدمتها واشنطن لفترة طويلة لتقييد صادرات أشباه الموصلات إلى الصين. ومكّنت هذه القاعدة الولايات المتحدة من تنظيم بيع المنتجات الأجنبية الصنع إذا كانت تتضمن تكنولوجيا أو برامج أو معدات أمريكية، حتى لو كانت من إنتاج شركات غير أمريكية في الخارج. في الواقع، إذا ظهرت التكنولوجيا الأمريكية في أي جزء من سلسلة التوريد، يحق لواشنطن فرض سلطتها القضائية.

<span style=الرئيس الكوري الجنوبي -أرشيفية">
الرئيس الكوري الجنوبي -أرشيفية

المُحادثات التُجارية بين تصعيد الصين وتهديدات الولايات المُتحدة

تعهدت بكين باتخاذ إجراءات مضادة ضد واشنطن إذا نفذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديده بفرض رسوم جمركية جديدة بنسبة (100%) على الواردات الصينية. ذلك التهديد الذي جاء بعد أن فرضت الصين سلسلة من القيود على تصدير المعادن الأرضية النادرة، فيُهدد تصاعد التوترات بين القوتين العظميين بعرقلة التقدم الذي أحرزته المحادثات التجارية على مدى أشهر.

وقد صرح متحدث باسم وزارة التجارة الصينية: "إن اللجوء إلى التهديد بفرض رسوم جمركية عالية ليس الطريقة الصحيحة للتعامل مع الصين". وأضاف المتحدث: "إذا استمرت الولايات المتحدة في التصرف بشكل أحادي، فستتخذ الصين بحزم إجراءات مماثلة لحماية حقوقها ومصالحها المشروعة". وأضاف: "موقفنا من حرب الرسوم الجمركية ثابت — لا نريدها، لكننا لا نخشاها".

أدى التصعيد السريع للتوترات التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم إلى تراجع الأسهم، وإثارة قلق المستثمرين والقطاعات، إذ أثار مخاوف من تكرار حرب الرسوم الجمركية المتبادلة في الربيع، عندما ارتفعت الرسوم على الواردات الصينية والأمريكية إلى حوالي (145%) و(120%) على التوالي. فتلك التطورات تُضيف غموضًا جديدًا إلى محادثات التجارة الجارية بين البلدين.

وترى الصين أن قوانينها من حقها لتنظيم اقتصادها، خاصة وأن واشنطن سبق أن أضافت العديد من الشركات الصينية إلى قائمة مراقبة الصادرات، ووسّعت نطاق ضوابطها لتشمل فروع الشركات المدرجة، بالإضافة إلى فرض رسوم موانئ خاصة على السفن الصينية، مما أضر بمصالح الصين حسب تصريحات وزير التجارة الصيني، مُعتبرًا رد فعل واشنطن على قواعدها الجديدة المتعلقة بالمعادن النادرة يُظهر "ازدواجية معاييرها".

وأوضح أن قائمة الرقابة على الصادرات الأمريكية تشمل أكثر من (3000) سلعة، مقارنةً بما يزيد قليلًا عن (900) سلعة في القائمة الصينية. ووصف ترامب، على موقع "تروث سوشيال"، خطوة الصين "المفاجئة" بأنها "عدائية للغاية" و"عار أخلاقي في التعامل مع الدول الأخرى".

لكن يرى المُراقبون أن إجراءات بكين تعكس بشكل عام القيود التي فرضتها واشنطن على أشباه الموصلات على مر السنين، والتي تحد من تصدير الرقائق أو معدات تصنيعها إلى الصين — سواء من الولايات المتحدة أو من دولة ثالثة صُنعت فيها باستخدام التكنولوجيا الأمريكية.

فقد انتقدت بكين واشنطن مرارًا وتكرارًا لممارستها السيطرة خارج حدودها من خلال قواعد التصدير التي تمنع شركات الدول الثالثة من تزويد الصين برقائق مصنوعة باستخدام التكنولوجيا الأمريكية. لكن خطوة الصين هذا الأسبوع أشارت إلى تحول في استراتيجيتها من خلال تبني تكتيكات مماثلة.

الرقائق الصينية وصداها على الصناعات الدفاعية والتكنولوجية

أوضح إعلان وزارة التجارة لأول مرة بعض أهداف القيود الصينية. وأوضحت الوزارة أنه لن يُمنح مستخدمو الدفاع في الخارج تراخيص، بينما ستُعتمد الطلبات المتعلقة بأشباه الموصلات المتقدمة على أساس كل حالة على حدة.

تُطبق القواعد الجديدة على رقائق (14) نانومتر أو أكثر تقدمًا، ورقائق الذاكرة ذات (256) طبقة أو أكثر، والمعدات المستخدمة في إنتاج هذه الرقائق، بالإضافة إلى البحث والتطوير ذي الصلة. تُستخدم هذه الرقائق المتقدمة في مجموعة واسعة من المنتجات، من الهواتف الذكية إلى شرائح الذكاء الاصطناعي التي تتطلب أداءً حاسوبيًا قويًا. ستُطبق القواعد أيضًا على البحث والتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي ذي التطبيقات العسكرية المحتملة.

فقد صرحت وزارة الصناعة في كوريا الجنوبية، موطن شركتي سامسونج إلكترونيكس و"إس كيه هاينكس" الرائدتين في صناعة رقائق الذاكرة، في بيان لرويترز، بأن كوريا الجنوبية تُقيّم تفاصيل القيود الجديدة وستواصل المناقشات مع الصين للحد من تأثيرها.

امتنعت سامسونج عن التعليق، ولم تُجب "إس كيه هاينكس" وشركة "تي إس إم سي" التايوانية على الأسئلة فورًا. ارتفعت أسهم شركة TSMC بنسبة (1.8%) في 9 أكتوبر، حيث أعلنت الشركة عن إيرادات للربع الثالث فاقت التوقعات.

علمًا أنه قد شهدت شحنات المعادن الأرضية النادرة من الصين نموًا مطردًا خلال الأشهر القليلة الماضية، حيث منحت بكين المزيد من تراخيص التصدير، على الرغم من أن بعض المستخدمين ما زالوا يشكون من صعوبة الحصول عليها. وفي إشارة إلى المخاوف بشأن الوصول، قالت وزارة التجارة إن نطاق المواد الخاضعة لجولتها الأخيرة من القيود كان محدودًا، وإنه "سيتم اعتماد مجموعة متنوعة من إجراءات تسهيل التراخيص".

فكانت بكين قد بدأت في إصدار تراخيص تصدير للاستخدام مرة واحدة عقب هدنة تجارية مع واشنطن في مايو، كما ذكرت غرفة التجارة الأوروبية في استطلاع صدر الشهر الماضي أن قبضة بكين المشددة كلفت أحد أعضائها على الأقل "ملايين اليوروهات"، بينما أشار أعضاء آخرون إلى إجراءات غير متسقة للحصول على موافقات التصدير.

مسارات من التفاهم رغم تضاد المصالح

تعافت المعنويات في وول ستريت جزئيًا بعد أن نشر ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي يوم 12 أكتوبر: "لا تقلقوا بشأن الصين، كل شيء سيكون على ما يرام!". ثم تزاحمت الإيجابية بعد أن صرّح وزير الخزانة سكوت بيسنت بأن محادثات التجارة بين المفاوضين الأمريكيين والصينيين قد انطلقت بقوة خلال عطلة نهاية الأسبوع، ومن المرجح أن يُعقد اجتماع ترامب المهم مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في وقت لاحق من هذا الشهر.

قال توماس ماثيوز، رئيس أسواق آسيا والمحيط الهادئ في كابيتال إيكونوميكس، في مذكرة: "بينما لا يزال افتراضنا الأساسي هو أن المعنويات ستستمر في التحسن مع سعي الجانبين للتوصل إلى اتفاق جديد، إلا أن هناك خطرًا واضحًا من أن تظل التوترات والتقلبات مرتفعة لفترة من الوقت".

وقد انعكست تلك التصريحات السياسية الصينية الأمريكية المُتتالية على انتعاش الأسهم الأمريكية بشكل حاد في 13 أكتوبر بعد موجة بيع واسعة النطاق يوم 10 أكتوبر، حيث سعى المستثمرون إلى تهدئة مخاوفهم من تجدد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين.

وفيما يتعلق بالمؤشرات الاقتصادية، ارتفع مؤشر داو جونز (588) نقطة، أي ما يعادل (1.29%). وزاد مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة (1.56%). وارتفع مؤشر ناسداك المركب، الذي يهيمن عليه قطاع التكنولوجيا، بنسبة (2.21%)، واستعادت الأسهم بعض خسائرها التي تكبدتها يوم 10 أكتوبر. وسجل مؤشر ستاندرد آند بورز 500 يوم 13 أكتوبر أكبر مكسب يومي له منذ مايو، واستعاد ما يقرب من (872 مليار) دولار من قيمته السوقية. كما شهد مؤشر ناسداك أفضل يوم له منذ مايو أيضًا.

على نحو آخر، ارتفعت أسعار الذهب والفضة مع استمرار بحث المستثمرين عن ملاذات آمنة وسط حالة من عدم اليقين المستمرة. ارتفعت العقود الآجلة للذهب والفضة بنسبة (3.1%) و(7%) على التوالي. وبلغت العقود الآجلة للفضة المتداولة في نيويورك أول مستوى قياسي لها منذ عام 1980.

ختامًا:

يظل إيجاد مسارات التفاهم بين القوتين العُظميين أمرًا لا مفر منه، رغم تعدد نقاط التنافس والبحث عن سُبل لغلبة نفوذ كل طرف اقتصاديًا أو سياسيًا. علمًا أن المعادن النادرة تُعدّ أساسيةً لمختلف تقنيات الدفاع، بما في ذلك طائرات "إف-35" المقاتلة، وغواصات "فرجينيا" و"كولومبيا"، وصواريخ "توماهوك"، وأنظمة الرادار، وطائرات "بريداتور" المسيرة، وسلسلة ذخائر الهجوم المباشر المشتركة من القنابل الذكية.

فتُكافح الولايات المتحدة بالفعل لمواكبة وتيرة إنتاج هذه الأنظمة، في الوقت نفسه الذي تُوسّع فيه الصين بسرعة قدرتها على تصنيع الذخائر، وتستحوذ على منصات ومعدات أسلحة متطورة بمعدل يُقدّر بخمس إلى ست مرات أسرع من الولايات المتحدة.

نانسي طلال زيدان*

 كاتبة وباحثة متخصصة في العلوم السياسية 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء