رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تحليل خطاب ماكرون في شرم الشيخ: فرنسا بين استعادة النفوذ وتدويل الحكم في غزة

الرئيس ماكرون والرئيس
الرئيس ماكرون والرئيس أبو مازن في قمة شرم الشيخ

لم يكن خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مطار شرم الشيخ، قبيل القمة الدولية للسلام حول غزة، مجرّد مناسبة دبلوماسية تقليدية، بل مثّل في مضمونه إعلانًا واضحًا عن ملامح الرؤية الدولية لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، وصياغة مشهد الحكم والتنسيق الأمني داخل القطاع.

أولًا: البعد السياسي – شرعنة السلطة الفلسطينية وتدويل الحكم

من خلال تركيز ماكرون على أهمية حضور الرئيس محمود عباس وتمثيله "للدولة الفلسطينية"، يمكن قراءة الخطاب بوصفه خطوة فرنسية في اتجاه إعادة تأهيل السلطة الفلسطينية سياسيًا وإقليميًا لتكون رأس الحربة في ترتيبات الحكم المقبلة في غزة.

الرئيس السيسي وماكرون في قمة شرم الشيخ
الرئيس السيسي وماكرون في قمة شرم الشيخ

الرسالة الفرنسية جاءت مزدوجة: فهي من جهة تؤكد على "ضرورة تمكين السلطة"، ومن جهة أخرى تبارك عمليًا المشروع الأمريكي لتأسيس إدارة دولية مشتركة في غزة، تُسهم فيها أطراف عربية وغربية، بما يعيد إنتاج معادلة "الوصاية الدولية" تحت غطاء إنساني وإعماري.

بعبارة أخرى، حمل خطاب ماكرون إقرارًا دبلوماسيًا بشرعية جديدة للسلطة الفلسطينية، لكنها مشروطة بقبولها التعايش مع الإطار الأمني الدولي الذي تعمل واشنطن على صياغته، وهو ما يعني أن مستقبل الحكم الفلسطيني بات يتحدد من خارج الجغرافيا الفلسطينية نفسها.

ثانيًا: البعد الفرنسي – توظيف الأزمة لاستعادة الحضور الإقليمي

على المستوى الأعمق، يمكن فهم خطاب ماكرون باعتباره جزءًا من محاولة باريس إعادة تموضعها في المشرق العربي. ففرنسا التي تمتلك نفوذًا تاريخيًا في لبنان، وتربطها علاقات وثيقة بمؤسسات السلطة الفلسطينية، ترى في إعادة بناء النظام السياسي في غزة فرصة لإعادة تفعيل حضورها الشرق أوسطي عبر بوابة "السلام".

يتكامل هذا الطموح مع تحركات فرنسية سابقة، منها الشراكة الثنائية مع السعودية في رعاية ملف الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ومحاولة إقناع دول الاتحاد الأوروبي بضرورة اتخاذ موقف أكثر توازنًا تجاه الصراع العربي–الإسرائيلي.

هنا يتضح أن خطاب ماكرون لم يكن تعبيرًا عن سياسة حياد فرنسية، بل عن رغبة في حجز مقعد متقدم على طاولة إعادة رسم خريطة النفوذ في المنطقة.

ماكرون والرئيس أبو مازن في قمة شرم الشيخ 
ماكرون والرئيس أبو مازن في قمة شرم الشيخ 

ثالثًا: البعد الأمني – تهيئة الرأي العام لمرحلة "التحالف الإقليمي"

من خلال إشادته بالدور الأمريكي وتأكيده على التعاون العربي–الغربي في تحقيق الاستقرار، مهّد ماكرون بخطابه لتمرير الرؤية الأمنية الأمريكية الجديدة القائمة على إنشاء تحالف إقليمي متعدد الجنسيات، يتولى إدارة التنسيق الميداني في غزة دون تدخل مباشر للقوات الغربية.

ففي ظل الوثائق المسربة من القيادة المركزية الأمريكية، التي تتحدث عن تشكيل "مركز تنسيق مدني–عسكري" تشارك فيه إسرائيل وعدة دول عربية، يبدو خطاب ماكرون جزءًا من عملية تمهيد إعلامي وسياسي لتسويق هذا المشروع كصيغة واقعية لإدارة ما بعد الحرب.

فرنسا، بحسب الخطاب، لا تسعى فقط إلى دعم الفلسطينيين، بل إلى ضمان ألا تعود حماس أو أي فصيل مسلح للسيطرة على القطاع، وهي رسالة تعكس التقاء الموقف الفرنسي مع الرؤية الإسرائيلية–الأمريكية في مسألة "تحييد المقاومة" مقابل "إعادة الإعمار".

رابعًا: البعد الاتصالي – خطاب موجه للعواصم لا للجماهير

تميّز خطاب ماكرون بكونه خطابًا موجهًا للنخب الدولية أكثر من كونه موجهًا للرأي العام، فهو لم يتحدث عن مأساة غزة بلغة إنسانية بقدر ما استخدم مفردات "السيادة"، "الإدارة"، و"الشراكة"، وهي مصطلحات تنتمي إلى قاموس الدبلوماسية لا التعاطف.

هذا النمط من الخطاب يكشف أن ماكرون أراد إضفاء شرعية سياسية على المشهد الدولي الجديد، أكثر من سعيه لتوصيل رسالة تضامنية مع الفلسطينيين. فالمعنى الضمني للخطاب هو أن "الحل لن يكون فلسطينيًا خالصًا، بل دوليًا بمواصفات غربية".

خامسًا: قراءة ختامية – من إدارة الحرب إلى إدارة ما بعد الحرب

يُمكن القول إن خطاب ماكرون في شرم الشيخ مثّل نقطة تحوّل في الخطاب الأوروبي حول القضية الفلسطينية، إذ انتقل من التنديد بالعنف والدعوة لوقف النار إلى التنظير الفعلي لشكل السلطة المقبلة في غزة.

الخطاب كشف عن تناغم متزايد بين الرؤية الفرنسية والأمريكية، مع هامش اختلاف في أسلوب التنفيذ، وليس في جوهر التوجه السياسي، ومن ثم تسعى فرنسا لتثبيت حضورها الدبلوماسي من خلال دور الوسيط "العقلاني"، بينما تظل واشنطن صاحبة القرار النهائي في صياغة الترتيبات الأمنية.

في النهاية، يمكن النظر إلى خطاب ماكرون كوثيقة سياسية مصغّرة لمشروع أوسع عنوانه: "السلام المشروط بالتحكم الدولي"، حيث تُمنح غزة فرصة للإعمار، لكن وفق نظام مراقبة وإدارة متعدد الأطراف، يُعيد إنتاج مفهوم السيادة الفلسطينية في إطار الوصاية الغربية الحديثة.

نانسي طلال زيدان*

 كاتبة وباحثة متخصصة في العلوم السياسية 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء