أفغانستان بين الانفراد الروسي والعزلة الدولية: كيف وقعت طالبان في قبضة موسكو؟
في خطوة تحمل دلالات جيوسياسية عميقة، أعلنت موسكو اعترافها رسميًا بحكومة حركة "طالبان" في أفغانستان، لتكون أول قوة كبرى تقدم على هذه الخطوة منذ سيطرة الحركة على البلاد في أغسطس 2021. القرار الروسي لا يمكن قراءته كتحرك دبلوماسي منفصل، بل كجزء من استراتيجية أوسع تسعى من خلالها موسكو إلى ترسيخ نفوذها في آسيا الوسطى وملء الفراغ الذي خلفه انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة، مستغلة العزلة الدولية التي تعانيها طالبان واحتياجاتها الاقتصادية والسياسية المتزايدة.
خلفيات الاعتراف الروسي
منذ سقوط كابول بيد طالبان، تعاملت موسكو بحذر براجماتي مع الحكومة الجديدة، إذ أبقت على بعثتها الدبلوماسية، واستضافت مؤتمرات للحوار بين طالبان والقوى الإقليمية. ومع مرور الوقت، تبين أن روسيا تتجه نحو سياسة "الاحتواء عبر التطبيع"، وهو نهج يهدف إلى توظيف الحركة كأداة لضمان الاستقرار الحدودي في جمهوريات آسيا الوسطى، والحد من تمدد التنظيمات المتطرفة المعادية للكرملين مثل "ولاية خراسان" التابعة لتنظيم داعش.

كما يرتبط الاعتراف الروسي بمتغيرات الحرب الأوكرانية، إذ تسعى موسكو إلى بناء شبكة من الحلفاء غير الغربيين لكسر طوق العزلة والعقوبات، وتوظيف الاعتراف بطالبان كورقة تفاوضية في علاقاتها مع الصين وإيران وتركيا، وجميعها أطراف ذات نفوذ متنامٍ في الساحة الأفغانية.
ففي 2 يوليو 2025، صرحت وزارة الخارجية الروسية في بيان رسمي: قائلة "نعتقد أن الاعتراف الرسمي بحكومة إمارة أفغانستان الإسلامية سيعطي زخمًا لتطوير تعاون ثنائي مثمر بين بلدينا في مختلف المجالات". في خطوة برجماتية جداً-مُتخطية ذكري حربًا دموية خاضها الاتحاد السوفيتي في ثمانينيات القرن الماضي، أودت بحياة (15 ألف) جندي سوفيتي - لتكون روسيا أول دولة تفتح مكتبًا تمثيليًا تجاريًا في كابول بعد استيلاء طالبان على السلطة، كما أعلنت عن خطط لاستخدام أفغانستان كمركز عبور للغاز المتجه إلى جنوب شرق آسيا. لا تحظى الحكومة الأفغانية رسميًا باعتراف أي هيئة دولية، وتشير الأمم المتحدة إلى إدارتها باسم "سلطات طالبان الفعلية".
لم تأتِ تلك الخطوة بشكل مُفاجئ إنما سبقها عدة مراحل، حيث أقرت المحكمة العليا الروسية في 17 أبريل 2025 برفع اسم طالبان رسميًا من قائمة المنظمات الإرهابية. وفي 3 يونيو، رفعت روسيا صفة ممثل طالبان إلى سفير، لتصبح رابع دولة تفعل ذلك بعد الصين وأوزبكستان والإمارات، وفي 20 يونيو 2025، وخلال منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي، اتفق الجانبان على توسيع هجرة العمالة من أفغانستان إلى روسيا.
وفقًا للبيانات المتاحة، يوجد حاليًا حوالي (4.5 مليون) مهاجر من دول آسيا الوسطى يقيمون في روسيا، حيث تُشكل هجرة العمالة عنصرًا بارزًا في الأجندة الداخلية لروسيا، ولكنها تُمثل أيضًا أداةً من أدوات السياسة الخارجية. فهي تُسهم في رسم صورة إيجابية لروسيا -كدولة ذات فرص اقتصادية وآفاق مستقبلية -لدى المجتمعات المُرسِلة للمهاجرين.
ويجري الآن تطبيق هذه الاستراتيجية نفسها على أفغانستان بالتوازي مع صياغة سياق من التعاون الروسي الأفغاني في مواجهة الإرهاب، ففي يوليو 2024، وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حركة طالبان بأنها "حلفاء في الحرب على الإرهاب" -لا سيما ضد تنظيم الدولة الإسلامية في ولاية خراسان (ISIS-K)، وهو تنظيم مسؤول عن هجمات قاتلة في كل من أفغانستان وروسيا.

وعلى مدار عام 2024، أعلنت روسيا عن خططها لجذب المتخصصين الأفغان، لا سيما في القطاع الزراعي، إلى مناطق مثل الشيشان وتتارستان. ويعمل حاليًا حوالي (100 مواطن) أفغاني في روسيا. ومن المتوقع أن يرتفع هذا العدد إلى (1000)، بموجب الاتفاقية الثنائية الموقعة في يونيو 2025. وستكون غالبية هؤلاء العمال من الحرفيين المهرة، بمن فيهم عمال البناء واللحام والكهرباء والطلاء. كما تتوفر فرص عمل للمهنيين الأفغان في إنتاج المحاصيل والثروة الحيوانية، وكذلك في مجال الطب البيطري. ومن الجدير بالذكر أنه قد يتم توجيه شريحة من العمال الأفغان إلى القطاع العسكري الصناعي الروسي.
على نحو أخر، تُجنّد روسيا عسكريين أفغان سابقين، ومقاتلين من القوات الخاصة، وعناصر استخبارات للمشاركة في الحرب ضد أوكرانيا. ذلك ما ترصده المُخابرات الأوكرانية عن كثب، وأفاد بذلك أوليغ ألكسندروف، ضابط في جهاز الاستخبارات الخارجية الأوكراني، ووفقًا لجهاز الاستخبارات الخارجية، تعد روسيا المجندين الأفغان براتب شهري يتراوح بين (1500 و2500 دولار) أمريكي، بالإضافة إلى إمكانية الحصول على الجنسية الروسية أو تصريح إقامة مؤقتة. في المجمل، يوجد ما بين (20 و25 ألف) عسكري أفغاني مُدرّبين على يد مدربين من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ودول أخرى في حلف الناتو.
وأفاد مسؤولون في أجهزة الاستخبارات الأجنبية أن مواطنين من إفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي تواصلوا مع قنصليات بلدانهم في روسيا طالبين المساعدة في إلغاء عقودهم مع القوات المسلحة الروسية والعودة إلى ديارهم. وردًا على ذلك، تُجري هذه القنصليات حملات توعية في بلدانهم الأصلية للحد من عدد الأشخاص الذين تم خداعهم للانضمام إلى حرب روسيا ضد أوكرانيا.

أفغانستان من الداخل.. أزمات مُتفاقمة
يُعاني الداخل الأفغاني من عدة أزمات مُتشابكة، ففي 31 أغسطس 2025، ضرب شرق أفغانستان زلزال قوي بلغت قوته (6.0) درجات على مقياس ريختر أعقبه سلسلة من الهزات الأرضية التي زادت من حجم الدمار، فأدى الزلازل إلى تفاقم أزمة الأمن الغذائي والتغذية الحرجة أصلاً في جميع أنحاء البلاد، حيث يواجه أكثر من (9 ملايين) شخص انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي وسوء تغذية حادًا بين الأطفال والأمهات بمستويات قياسية.
ويعزى ذلك إلى حد كبير إلى الانخفاضات الحادة في التمويل والخدمات الإنسانية. وعلى الرغم من مواصلة برنامج الأغذية العالمي تقديم المساعدات الغذائية بسرعة للمجتمعات المتضررة ودعم الخدمات اللوجستية، إلا أن فرق برنامج الأغذية العالمي الميدانية تخشى من تدهور الوضع أكثر، خاصة مع حلول فصل الشتاء، وأن تُصبح المجتمعات النائية، بما في ذلك تلك الواقعة في المناطق الجبلية الشرقية، معزولة بسبب الثلوج والأمطار.
على نحو أخر، تتبع حكومة طالبان خطوات إقصائية بشكل خاص موجة للنساء والفتيات بهدف إبعادهن عن نواحي الحياة العامة، ويحدث ذلك بشكل منهجي مُنذ استيلاء طالبان على السلطة في أغسطس 2021. في إطار حملة قمع ضد النساء مُنعت الفتيات بشكل ملحوظ من الالتحاق بالمدارس الثانوية، مما جعل التعليم عبر الإنترنت أحد آخر سبل الأمل. ومنذ ذلك الحين، أنشأ متطوعون داخل أفغانستان وخارجها مدارس وجامعات رقمية تُمكّن الفتيات من مواصلة دراستهن، كما وجدت النساء سبلًا لإعالة أنفسهن: التدريس عبر الإنترنت، والعمل الحر، وإطلاق مشاريع صغيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بالإضافة لذلك أنشأن نوادي كتب إلكترونية وأمسيات شعرية للحفاظ على معنوياتهن. باختصار، بنين سوقًا إلكترونية لأنفسهن بدافع من تصميمهن على البقاء.
فحدث أنه في 15 سبتمبر 2025، أعلن قادة طالبان في الشمال قطع الإنترنت عن عدة مقاطعات "لمنع الأنشطة غير الأخلاقية". وصرح حاجي زيد، المتحدث باسم حاكم ولاية بلخ الشمالية، بأنه "سيتم إنشاء نظام بديل داخل البلاد لتلبية الاحتياجات الأساسية"، ثم حدث على مدار 48 ساعة في يومي 29،30 من سبتمبر 2025، انقطعت الاتصالات عبر الإنترنت والهاتف في جميع أنحاء أفغانستان. وغرقت البلاد بأكملها في الظلام، وفصل ملايين الأشخاص عن العالم الخارجي. وفقد الأفغان القدرة على الاتصال بأي شخص داخل حدودهم أو خارجها، مما أثار موجة من الذعر في جميع أنحاء العالم، حيث أدركت العائلات والزملاء والأصدقاء أن أمة بأكملها قد انقطعت عنها الكهرباء. وتجمدت الخدمات المصرفية، وتوقفت الأعمال التجارية، وأُلغيت الرحلات الجوية من وإلى المطارات الرئيسية، وتعطلت أسواق المال، وفقدت الشركات ومنظمات الإغاثة الاتصال بعملائها وموظفيها.
وفي إطار مُتصل، على مدار 12 عامًا قبل استلاء طالبان على الحكم في أفغانستان أغسطس 2021، تدفقت الأموال المُخصصة للمُساعدات الطبية، حتى تم تنفيذ الخفض الشامل من جانب واشنطن للمساعدات الإنسانية الأمريكية، والتي كانت حتى وقت قريب أكبر مصدر لدعم التنمية للأفغان العاديين. كان هذا الدعم بالغ الأهمية لاستمرار مشاريع الصحة وغيرها من المشاريع التنموية في البلاد، والتي كانت تُموّل عبر الأمم المتحدة وشركائها. ولكن، اعتبارًا من أغسطس 2025، أدى خفض التمويل إلى تعليق أو إغلاق (422) منشأة صحية في البلاد. (ولتبرير هذا الخفض، استشهد مسؤول كبير في إدارة ترامب بتقارير عن محاولات لعرقلة المساعدات من قِبل سلطات طالبان في البلاد-علمًا بإن الولايات المُتحدة على مدار سنوات الأخيرة قد جمّدت مليارات الدولارات من أصول البنك المركزي الأفغاني وفرضت عقوبات على بعض كبار قادة طالبان، مما ساهم في عزل القطاع المصرفي الأفغاني إلى حد كبير عن النظام المالي الدولي). وتُعرف هذه العيادات رسميًا باسم "بيوت الصحة العائلية"، وقد قدمت الرعاية للنساء والأطفال في المناطق التي لا تتوفر فيها مرافق صحية أخرى للمجتمعات المحلية. وعلى الصعيد الوطني، أُغلقت أكثر من (100 عيادة) من هذا النوع نتيجةً للتخفيضات.
معاناة الشعب الأفغاني تحت حكم طالبان
فيتضح أن تفاقم سوء الأحوال الداخلية للمُجتمع الأفغاني تحت أفكار حكم طالبان يُصعب الفرص لأي تقارب أو احتواء أوروبي لأفغانستان، مع تصاعد حالة الحذر من دول الجوار والامتداد الأسيوي لأفغانستان، ولذلك يتجلى النفوذ الروسي على الساحة الأفغانية، وتتسنى كافة الفرص لأن تُعظم روسيا استفادتها من الموارد والمعادن الأفغانية بالإضافة لتجنيد الأفغان في حربها في أوكرانيا. ورغم رصد الأفغان ذاتهم لتعاظم عدد الروس داخل أفغانستان، إلا أن فُرص خلاصهم من ذلك الاختراق تضل ضئيلة، لأن روسيا صممت نوع من التعاون جعل منها مُتنفس مُنفرد لأفغانستان، ومن المؤكد أن تتزايد مساعي طالبان لفتح مسارات تعاون مع الصين والهند إلا أن إحكام النفوذ الروسي وصل لمستوي عميق التوغل والتمكن من مفاصل أفغانستان كدولة وقطاعات إنتاج.
موسكو وصناعة التوازنات الإقليمية
يمثل الاعتراف الروسي بحكومة طالبان نقطة تحول في التوازنات الإقليمية لآسيا الوسطى، حيث تسعى موسكو إلى استثمار الفراغ الدولي لإعادة إنتاج نفوذها التاريخي في كابول، مستخدمة أدوات الاقتصاد والأمن بدل الأيديولوجيا القديمة.
غير أن هذا التحالف الوليد يظل هشًّا، إذ يعتمد على مصالح آنية أكثر من كونه شراكة إستراتيجية متكاملة. فطالبان، رغم سعيها للحصول على شرعية دولية، ما تزال أسيرة موروثها العقائدي وضغوطها الداخلية، فيما تراهن موسكو على تحويلها إلى ورقة ضغط في صراعها الأوسع مع الغرب.
في النهاية، تبدو أفغانستان مرة أخرى ساحة اختبار للتوازنات الكبرى بين الشرق والغرب، ومعملًا لصياغة نظام دولي جديد تُرسم حدوده بالنفوذ، لا بالقانون، وبالمصالح لا بالتحالفات.



