دمشق في قبضة تل أبيب: من الهيمنة الإيرانية إلى الوصاية الإسرائيلية
أثار مرسوم الرئيس السوري أحمد الشرع بإلغاء عطلة ذكرى حرب 6 أكتوبر التي كانت تعرف في سوريا بحرب تشرين التحريرية والتي كانت عطلة رسمية، استهجانًا كبيرًا تخطي الداخل السوري مرورًا بالشارع المصري وصولًا للإقليم العربي، لأن سوريا كانت شريكا لمصر في معركة أكتوبر وفي نصر أكتوبر معًا، فتُعدُّ هذه الحرب رمزًا للبطولة والتضامن العربي في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. إلا أن أول ما يتدارك للذهن المصري والعربي عند سماع ذلك الخبر أن الشرع يُقدم ذلك التنصل من الاحتفال بالانتصار العربي الأضخم على إسرائيل على سبيل الهدية بغرض استرضاء إسرائيل. فلم تكُن هذه الخطوة هي أول هدية من الشرع لإسرائيل، فقد سبق وسلمت قيادة الشرع السورية إسرائيل الوثائق والصور الخاصة بالجاسوس الإسرائيلي الأهم إيلي كوهين.
ورغمًا عن هدايا الشرع لإسرائيل، والتصريحات المُتتالية في مُختلف المُناسبات الإقليمية والدولية والتي فحواها استرضاء إسرائيل والتأكيد على أن نظام حكمه لا يُمثل أي خطر عليها، بل إن سوريا ترجو السلام مع إسرائيل. فإن كل تلك التأكيدات لم تمنع الاجتياح الإسرائيلي لسوريا أرضًا وجوًا، فبعد سقوط بشار الأسد -الحليف الرئيسي لإيران، عدو إسرائيل اللدود -في ديسمبر الماضي، شنت غارات جوية على أهداف عسكرية في جميع أنحاء سوريا ونشرت قوات برية داخل وخارج المنطقة العازلة منزوعة السلاح لأول مرة منذ 50 عامًا. كما زحفت القوات العسكرية برًا زاعمه أنها تحمي الدروز في جنوب سوريا، ومن ثم إلى أي درجة نجحت إسرائيل في تدجين قيادة الشرع السورية، وإلى أي درجة يُسلم الشرع مفاصل دولته للنفوذ الإسرائيلي؟

دمشق وتل أبيب.. اتفاق أمني محدود بوساطة أمريكية
في 16 سبتمبر 2025، قدمت إسرائيل لسوريا برعاية أمريكية مقترحًا مفصلاً لاتفاقية أمنية جديدة، يتضمن خريطة للمناطق منزوعة السلاح المقترحة من جنوب غرب دمشق حتى الحدود مع إسرائيل، يُقصد بتلك الاتفاقية الأمنية الجاري التفاوض عليها أن تحل محل اتفاقية فك الارتباط لعام 1974 بين البلدين. فقد أصبحت هذه الاتفاقية غير ذات صلة بعد انهيار نظام الأسد واحتلال إسرائيل للمنطقة العازلة على الجانب السوري من الحدود.
إلا أن تلك الاتفاقية المعروضة جاءت بعدة مطالب متطرفة من الإسرائيليين، حيث طُلب من سوريا الموافقة على:
1- توسيع المنطقة العازلة بمقدار (2 كيلومتر) على الجانب السوري. في الشريط المجاور للمنطقة العازلة والأقرب إلى الحدود مع إسرائيل من الجانب السوري، دون السماح بتواجد القوات العسكرية والأسلحة الثقيلة، فقط سيُسمح لسوريا بالحفاظ على وجود الشرطة وقوات الأمن الداخلي،
2- بموجب الاقتراح، ستُخصص المنطقة بأكملها من جنوب غرب دمشق إلى الحدود الإسرائيلية كمنطقة حظر جوي للطائرات السورية.
3- اقترحت إسرائيل انسحابًا تدريجيًا من جميع الأراضي التي احتلتها في سوريا خلال الأشهر القليلة الماضية -باستثناء موقع متقدم على قمة جبل الشيخ الاستراتيجي، بالإضافة للحفاظ على ممر جوي إلى إيران عبر سوريا، مما يسمح بشن ضربات إسرائيلية محتملة في إيران مستقبلًا.
ليأتي الاقتراح السوري المضاد ينص على انسحاب إسرائيل من المناطق التي احتلتها بعد انهيار نظام الأسد في ديسمبر الماضي، ونشر قوة مراقبة تابعة للأمم المتحدة في المنطقة العازلة بين البلدين.
فيتضح أن ذلك الاتفاق قد يُركز على كبح الغارات الجوية الإسرائيلية، دون التطرق لقضايا جوهرية مثل وضع مرتفعات الجولان المحتلة، أو التضاريس الاستراتيجية لجبل الشيخ، أو مسائل أوسع نطاقًا تتعلق بالكرامة الوطنية أو السيادة السورية على الأرض، مع غياب صارخ لأي رؤية سياسية، فيفتقد أي قيمة استراتيجية، وكأنه بمثابة إقرار من نظام الشرع بالاحتلال الإسرائيلي وهيمنته على الجنوب السوري أرضًا وجوًا.

الحسابات الاستراتيجية للولايات المتحدة
في مايو2025، وقّع المبعوث الأمريكي المُعيّن حديثًا إلى سوريا، توماس باراك، اتفاقية طاقة بقيمة (7 مليارات) دولار بين سوريا وائتلاف قطري-أمريكي-تركي، بالتوازي مع دعوته إلى اتفاقية سلام بين إسرائيل وسوريا، من منطلق توفير احتياج مُغري وفارق مع حكومة الشرع في إعادة التوازن النسبي للداخل السوري، فمن أهم أولويات الرئيس أحمد الشرع ضمان توفير الكهرباء للسكان. ليتضمن المشروع أربع محطات تعمل بالغاز في وسط وشرق سوريا، ومحطة طاقة شمسية بقدرة 1000 ميغاواط في الجنوب، على أن تستخدم المحطات تكنولوجيا أمريكية وأوروبية، ذلك مع رفع إدارة ترامب العقوبات عن سوريا دون قيد أو شرط، وتعهد بدعم مستمر.
فينبع اهتمام الولايات المتحدة بهذا الترتيب من مجموعة معقدة من الأولويات الإقليمية حيث تسعى واشنطن إلى تقليص النفوذ الإيراني في جنوب سوريا، ومنع عودة ظهور الجماعات المتطرفة، وتهيئة الظروف لتوازن قوى قابل للإدارة، وإن كان ناقصًا، على طول الحدود الشمالية لإسرائيل. ومع ذلك، لا تتوافق هذه الأولويات بالضرورة مع أولويات دمشق أو تل أبيب.
فسوريا تنظر إلى أي اتفاق من منظور السيادة والبقاء على المدى الطويل، بينما لا تزال إسرائيل منشغلة بالهيمنة الأمنية وحرية العمل العسكري. فيشكل هذان الهدفان المتباينان عقبة رئيسية أمام إطار عمل مستدام. من وجهة نظر إسرائيل، فإن سوريا المجزأة والضعيفة أسهل إدارة من دولة أعيد تشكيلها ولديها القدرة على إبراز القوة والنفوذ. هذا الحساب يُثني إسرائيل عن الاستثمار في أي عملية قد تُمكّن الدولة السورية، ولو بشكل غير مباشر.
على نحو أخر، وبالتوازي مع رعاية إدارة ترامب لاتفاق وقف إطلاق النار وإرساء عملية السلام في غزة بين الجانب الفلسطيني والإسرائيلي، قد يرى البعض أن الفرصة لا تكمن في الاتفاق نفسه، بل فيما يمكن أن يُفضي إليه، من إتاحة مسار دبلوماسي تفاوضي برعاية أمريكية، إذا استُخدم بحكمة، فقد يُشكل أساسًا لحوار أوسع. يمكن فتح قنوات اتصال هادئة، واستكشاف المسار نحو مفاوضات أكثر جوهرية بحذر. إلا أن مُعادلة التفاوض السوري ينقصها عن مُعادلة التفاوض الفلسطيني رعاية أطراف مُحترفة في التفاوض وفرض الرؤي السياسية الحافظة لحقوق الأرض والكرامة، ذلك الدور الذي أنجزته مصر والمُفاوض المصري الدؤوب في ملف غزة.
الموارد المائية السورية مُحتلة إسرائيليًا
تُبرز سيطرة إسرائيل على المياه المحتلة في الأراضي السورية تقاطع المصالح المائية والزراعية والأمنية، مما يُبلور ملامح التخطيط الأولي للحركة الصهيونية. فقد ورد في بيان المنظمة الصهيونية الصادر في مؤتمر باريس للسلام عام1919، بشأن فلسطين، ومرتفعات الجولان، ووادي الأردن، وما يُعرف حاليًا بالضفة الغربية، ونهر الليطاني في لبنان، أنها "ضرورية للأساس الاقتصادي الضروري للبلاد".
يُضفي الموقع الجيوسياسي لمرتفعات الجولان أهميةً على مصالح إسرائيل، لا سيما أنها تُوفر ثلث إمدادات الدولة من المياه، ويتضمن هذا تواجدًا إضافيًا خارج مرتفعات الجولان، عندما حققت اسرائيل تقدمًا عسكرياً في محافظات القنيطرة ودرعا وريف دمشق، استولت عسكريًا على مصادر مياه حيوية مثل سد الوحدة في سوريا في ديسمبر 2024، وأيضاً في القنيطرة، سيطر الاحتلال الإسرائيلي على سد المنطرة في يناير2025. يُعدّ هذا السد الأكبر في المحافظة، حيث يوجه المياه نحو 8 سدود أخرى في جنوب غرب سوريا.
على نحو أخر أدى الوجود العسكري الإسرائيلي إلى احتلال أجزاء من نهر اليرموك الذي يمر عبر محافظة درعا، والوصول إلى نهر اليرموك، يُمكن الجيش الإسرائيلي من إعادة هيكلة تدفق المياه الواصل إلى المزيد من الأراضي السورية، وبالتالي التحكم في أنظمة الري الضرورية للعمل الزراعي.

الخلاصة أنه مع استيلاء إسرائيل على البنية التحتية المائية الحيوية في سوريا، والتأييد الأمريكي المؤكد لها في ذلك الصدد، فذلك له تأثير حيوي على تأمين مصادر المياه لسوريا، وكذلك للأردن ولبنان اللذين يعتمدان على مصادر المياه في حوضي اليرموك والأردن الذي يعتمد أكثر من (40%) من سكان العالم على الأنهار العابرة للحدود الدولية. لذا، تُشكّل إدارة المياه العابرة للحدود تحديًا جيوسياسيتا بالغ الأهمية. فتُعدّ هيمنة إسرائيل المائية جزءًا لا يتجزأ من نفوذها في الشرق الأوسط.

سوريا محطة بشبكة أنابيب الغاز الإسرائيلية
في إطار مساعي القيادة السورية الجديدة لتدارك الملفات الداخلية، في يوليو 2025، وقّع وزير الاقتصاد الأذربيجاني ورئيس مجلس إدارة شركة النفط والغاز الحكومية "سوكار"، ميكائيل جباروف، اتفاقيةً مع وزير الطاقة السوري محمد البشير لتزويد الدولة التي مزقتها الحرب بالغاز الطبيعي.
ليتوفر في الغاز الأذربيجاني خيار موفر للوقت والجهد لسوريا، وذلك ما يُميزه عما تعهدت قطر باستثمار 7 مليارات دولار في بناء محطات توليد الطاقة، لكن هذا يتطلب توفير الوقود. في حين أن قطر قادرة على توريد الغاز الطبيعي المسال، فإن عمليات التسليم عبر خطوط الأنابيب أكثر فعالية من حيث التكلفة.
ليتوافق ذلك التعاون مع المصالح الإسرائيلية، حيث إن شحنات الغاز الأذربيجاني إلى سوريا لا تهدف فقط إلى المساهمة في إعادة إعمار البلاد، وإنما تعتزم أذربيجان ربطها بشبكة أنابيب الغاز الإسرائيلية عبر الأراضي السورية. "فتُرسّخ أذربيجان مكانتها كلاعب إقليمي رئيسي من خلال دورها كوسيط في عملية التطبيع بين إسرائيل وسوريا.
علماً أن صادرات الطاقة الأذربيجانية إلى الشرق الأوسط عبر إسرائيل ليست جديدة. إذ تستورد إسرائيل النفط الأذربيجاني عبر خط أنابيب باكو-تبليسي-جيهان، حيث يُنقل عبر ناقلات النفط إلى إسرائيل. فتُزوّد أذربيجان ما بين (40%) و(60%) من احتياجات إسرائيل من النفط. كما ترى شركة النفط والغاز الحكومية بأذربيجان "سوكار" أن البنية التحتية الحالية لخطوط أنابيب الغاز في إسرائيل فرصة للتواصل مع تركيا عبر سوريا وإنشاء شبكة إقليمية دائرية ليتوافق الاحتياج السوري مع مصالح الأصدقاء إسرائيل وأذربيجان، واتفاقهم أن سوريا أداةً رئيسيةً لإضعاف إيران -جارة أذربيجان وحليف نظام الأسد أحد الأعداء اللُدد لإسرائيل.
ولا يُمكننا إغفال أن العلاقة بين أذربيجان وإسرائيل تتجاوز حدود الدبلوماسية الرسمية، بل تمتد إلى تعاون استراتيجي وسياسي وتكنولوجي عميق، بالإضافة إلى مجالات الدفاع والأمن. بدأت العلاقات بين البلدين بالتودد في منتصف التسعينيات، وتعززت بشكل ملحوظ بعد تولي إلهام علييف الرئاسة عام2003.
ختامًا، يتضح أن إسرائيل علي أرض الواقع تمكنت من فرض أهدافها على الساحة السورية على مُختلف المستويات العسكرية والأمنية، بل وأيضاً تأمين الموارد المائية التي تُمكنها من بسط نفوذها وتحكمها على امتداد دول الشام، وأهم نقاط الضعف السوري الحالية هو حالة الوهن والضعف التي تُسيطر على نظام الشرع في أي حديث أو تعامل أو سياسة موجه للجانب الإسرائيلي، بل الوصول لحالة من الانبطاح، بتسليم مالم يُطلب تسليمه، بدافع من الوهم أن ذلك التساهل قد يُجد شيء من التأثير لدي الجانب الإسرائيلي.
وفي إطار التوصية لمن يهمه الأمر، فسوريا ونظامها ليس لديها أي خبرة دبلوماسية ولا مقدرة سياسية على إدارة ملفها التفاوضي أمام إسرائيل الناهبة لأرضها ومواردها، بل والتي ستتخذ سوريا بوابة لخنق الأردن ولبنان وتمديد نفوذها لهندسة ممر داود، فسوريا تحتاج بشدة للاستعانة بالدول العربية وعلى رأسهم مصر، لعل يكون لها فرصة لكبح خسائرها المُتعاظمة أمام السطوة الإسرائيلية.



