مصر وباكستان.. شراكة دفاعية في زمن التحولات الاستراتيجية
تتجه العلاقات المصرية – الباكستانية في السنوات الأخيرة نحو مستويات غير مسبوقة من التعاون، خصوصًا في مجالات الدفاع والتصنيع العسكري، ما يعكس رغبة البلدين في صياغة شراكة استراتيجية تمتد من الشرق الأوسط إلى جنوب آسيا. اللقاءات المتكررة على المستويين السياسي والعسكري، والتي شملت الرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، مرورًا بلقاءات وزيري الخارجية والدفاع، تؤكد أن الطرفين يضعان هذه العلاقة في قلب استراتيجياتهما لمواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية التي تعصف بالمنطقة.
أولًا: خلفيات التعاون المصري – الباكستاني
العلاقات بين القاهرة وإسلام آباد ليست وليدة اليوم؛ فقد ارتبط البلدان تاريخيًا بمواقف متقاربة في القضايا الدولية، وكانا من بين الدول المؤسسة لمنظمة التعاون الإسلامي، كما جمعتهما رؤى مشتركة في إطار حركة عدم الانحياز.
لكن الطابع الدفاعي والاستراتيجي بدأ يتبلور بقوة في العقد الأخير، مع إدراك الطرفين أن التحديات الأمنية – من الإرهاب العابر للحدود إلى سباقات التسلح النووي – تحتاج إلى تعاون يتجاوز الخطاب السياسي إلى برامج عملية في مجالات التدريب، التسليح، والتكنولوجيا العسكرية.
ثانيًا: القدرات الدفاعية المصرية
تمتلك مصر قاعدة صناعية عسكرية متنامية من خلال وزارة الإنتاج الحربي التي تُشرف على 15 شركة صناعية، وشركات متخصصة في الإنشاءات والصيانة، إضافة إلى مراكز تكنولوجية وطبية.
هذه المؤسسات لا تكتفي بتغطية احتياجات القوات المسلحة والشرطة المصرية من الأسلحة والذخائر، بل تُسهم أيضًا في مشروعات مدنية كبرى، ما يجعلها نموذجًا فريدًا للتكامل بين الدفاع والتنمية.
ولعل الرؤية المصرية تهدف إلى تصدير منتجاتها العسكرية للدول الصديقة، بما يعزز مصادر الدخل القومي ويضع القاهرة لاعبًا محوريًا في سوق السلاح الإقليمي.

ثالثًا: باكستان.. القوة النووية الإسلامية الأولى
على الجانب الآخر، تُعد باكستان القوة النووية الإسلامية الوحيدة، وتمتلك خبرات واسعة في مجالات الصواريخ الباليستية، والطائرات المقاتلة (مثل مشروع JF-17 Thunder بالتعاون مع الصين)، وأنظمة الدفاع الجوي.
كما تمتلك قاعدة علمية متقدمة في مجالات التكنولوجيا العسكرية والفيزياء النووية، ما يجعلها شريكًا جذابًا لأي دولة تسعى لتطوير قدراتها الدفاعية.
التقارب مع مصر هنا يحمل دلالات خاصة، إذ يفتح الباب أمام القاهرة للاطلاع على خبرات نووية وتكنولوجية نادرة، وفي المقابل تحصل باكستان على منفذ استراتيجي لتعزيز حضورها في الشرق الأوسط.
رابعًا: لقاءات القادة.. رسائل أبعد من البروتوكول
زيارة السفير الباكستاني لوزير الإنتاج الحربي المصري لم تكن حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل جاءت في توقيت بالغ الحساسية بعد الإعلان عن الاتفاقية الدفاعية بين السعودية وباكستان.
هذا التزامن يعكس خريطة تحالفات جديدة قيد التشكل: الرياض – إسلام آباد من جهة، والقاهرة – إسلام آباد من جهة أخرى، في سياق مواجهة التحديات الإقليمية الممتدة من الملف الإيراني إلى الحرب في غزة، ومن سباق التسلح في آسيا إلى التوترات مع إسرائيل والهند.
خامسًا: الأبعاد الاستراتيجية للتعاون
(أ) تعزيز الردع الإقليمي:
التعاون المصري – الباكستاني قد يُسهم في صياغة توازن جديد، خصوصًا في مواجهة أي محاولات إسرائيلية – أمريكية لتهميش القوى الإسلامية الكبرى.
(ب) التصنيع العسكري المشترك:
من المحتمل أن تشهد المرحلة المقبلة مشروعات مشتركة لإنتاج أسلحة خفيفة ومتوسطة، وربما تطوير أنظمة إلكترونية دفاعية، بما يخلق صناعة عسكرية عابرة للحدود.
(ج) التدريب وتبادل الخبرات:
الجيوش المصرية والباكستانية خاضت تجارب قاسية في مواجهة الإرهاب، ما يجعل تبادل الخبرات القتالية جزءًا أساسيًا من الشراكة.
(د) البعد النووي:
رغم حساسية الملف، فإن مجرد الحديث عن تقارب مع باكستان يمنح مصر وزنًا استراتيجيًا، ويثير قلق إسرائيل التي ترى في إسلام آباد خصمًا نوويًا تقليديًا.
سادسًا: التحديات أمام الشراكة
الضغوط الأمريكية والإسرائيلية: أي تقارب مصري – باكستاني قد يُقابل بمحاولات لعرقلته عبر تحريك الهند ضد باكستان أو فرض قيود على التعاون التكنولوجي.
الظروف الاقتصادية:
كل من مصر وباكستان يواجهان تحديات اقتصادية ضخمة، ما قد يحدّ من قدرة البلدين على تمويل مشروعات دفاعية طموحة.
تشابك الأجندات الإقليمية:
مصر منخرطة في ملفات المتوسط وغزة وليبيا والسودان، بينما تركز باكستان على التوتر مع الهند وأفغانستان، ما قد يجعل التنسيق معقدًا.
سابعًا: السيناريوهات المستقبلية
شراكة استراتيجية كاملة:
إعلان رسمي عن اتفاقية دفاعية شاملة على غرار التوأمة السعودية – الباكستانية، ما يخلق محورًا جديدًا في المنطقة.
تعاون تدريجي:
الاكتفاء بمشروعات تصنيع وتدريب محدودة، دون الدخول في ملفات حساسة كالتكنولوجيا النووية.
تراجع بفعل الضغوط:
إذا نجحت واشنطن أو تل أبيب في ممارسة ضغوط كبيرة، قد يتباطأ مسار التعاون أو يُختزل في الجانب الدبلوماسي.
خاتمة:
التقارب المصري – الباكستاني ليس مجرد تواصل دبلوماسي عابر، بل يعكس تحولات استراتيجية في ميزان القوى الإقليمي. فمصر، بثقلها الجغرافي والسياسي والعسكري، وباكستان، كقوة نووية وصاحبة خبرات تكنولوجية عميقة، تمتلكان معًا القدرة على صياغة محور جديد قد يُعيد رسم خرائط الأمن في الشرق الأوسط وجنوب آسيا.
لكن نجاح هذه الشراكة يتوقف على قدرة الطرفين في مواجهة الضغوط الخارجية، وتحويل الطموحات إلى مشروعات عملية، بعيدًا عن الشعارات. فإما أن تكون القاهرة وإسلام آباد طرفًا فاعلًا في معادلة الأمن الإقليمي، أو يظل التعاون بينهما حبيس البيانات الرسمية واللقاءات البروتوكولية.
نانسي طلال زيدان*
كاتبة وباحثة متخصصة في العلوم السياسية

