رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

خطاب ترامب أمام الكنيست.. تجاهل "محرقة غزة" واستدعاء "الهولوكست"

ترامب ونتيناهو في
ترامب ونتيناهو في الكنيست

جاء خطاب ترامب أمام الكنيست الإسرائيلي، يوم الاثنين الموافق 13 أكتوبر، مليئًا بالرسائل السياسية التي ترسخ صورة الولايات المتحدة الأمريكية كراعية للسلام، ولتبرير الممارسات الإسرائيلية في المنطقة، باعتبار أن التحركات الإسرائيلية كان الهدف منها مواجهة القوى المعادية للسلام، وأنه بفضل هذه الممارسات ستدخل المنطقة إلى عصر جديد بعد نهاية ما وصفه بـ"عصر الظلام".

ويبدو الخطاب مختلفًا تمامًا عن "لغة ترامب المعهودة"، لتبدو لغة الخطاب بلاغية في المقام الأول، وهو أمر تعمّده معدو الخطاب ليتناسب مع طبيعة الحدث وتاريخيته وسياق إنتاجه، حيث إنه يأتي في ظروف استثنائية من عمر المنطقة، إضافة إلى أنه الخطاب الأول للرئيس ترامب أمام الكنيست، وهو ما يمثل أهمية كبيرة في مسار علاقة واشنطن بتل أبيب.

ترامب في خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي 
ترامب في خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي 

اعتمدت لغة الخطاب على استراتيجيات متعددة لاستمالة العواطف، من خلال التبرير والمظلومية والاستعارات السياسية لترسيخ مفاهيم محددة، أبرزها هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية وقوة إسرائيل، والتأكيد على أن استخدام القوة من جانبهما يتم بمفهومها الأخلاقي للتغيير نحو الأفضل، والوصول إلى السلام، وإضعاف القوى المهددة للاستقرار للوصول إلى عهد أكثر استقرارًا.

وقد حرص الخطاب على تمرير العديد من الرسائل والقناعات التي تدور في معظمها حول أحقية إسرائيل في الدفاع عن نفسها، والتأكيد على القيم والمصير المشترك بين تل أبيب وواشنطن، واستخدام القوة لتحقيق الخير والسلام، وذلك من خلال ترسيخ مفاهيم تتمثل في:

المظلومية.. واستدعاء الهولوكست

تُعتبر "المظلومية" أحد أبرز الاستراتيجيات أو المغالطات المعهودة في الخطاب السياسي، ولا يتم اللجوء إلى هذه الاستراتيجية من جانب الطرف الأضعف وحده، بل من المعتاد استخدامها من جانب الطرف الأقوى، وذلك للتبرير أمام الآخرين وإقناعهم بأن استخدام القوة ليس شرًّا في كل الأحوال، وأن استخدامها قد يكون لتحقيق العدل والسلام، والتذكير بالمعاناة التي مرّ بها الطرف الذي يملك القوة، وأن استخدامها كان لمنع معاناة أخرى تهدده.

ترامب في خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي 
ترامب في خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي 

وقد استخدم ترامب هذه الاستراتيجية في قوله: "على مدى آلاف السنين، عانى الشعب اليهودي من النفي والاضطهاد والمعاناة التي لا يمكن تصورها. وفي أحلك فصول التاريخ البشري، قُتل ستة ملايين روح فقط لأنهم كانوا على ما هم عليه. اليوم، ونحن نقف في هذه القاعة المقدسة، نُكرّم ذكراهم بأن نضمن ألا ينهض مثل هذا الشر مرة أخرى. إن ولادة إسرائيل من جديد بعد رماد المحرقة شهادة على الإيمان والصمود — معجزة من معجزات التاريخ، وُلدت من أعماق المأساة".

وقد تم استخدام "المحرقة" لما لها من رمزية دلالية في عقل المتلقي، وترسيخ المأساة التاريخية التي تعرض لها اليهود، وإعادة التأكيد على حقيقتها وأنها واقع لا يمكن نكرانه، وضرورة العمل على منع حدوث هذه المأساة مرة أخرى. وهي سمة ثابتة في الخطاب الإسرائيلي تسعى إلى تقديم الظالم كمظلوم، والجاني كضحية، والمحتل كصاحب حق.

لذلك سعى الرئيس الأمريكي إلى ترسيخ هذه السردية كمبرر لأي فعل تقدم عليه إسرائيل، أو أي فعل عسكري تنفذه تل أبيب في محيطها، وهو ما أعاد ترامب التأكيد عليه في قوله: "السلام من حق إسرائيل لأنها نجت من الشر".

تبرير العنف.. والتأكيد على "القوة الأخلاقية"

يأتي تبرير العنف والتأكيد على "القوة الأخلاقية" للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل امتدادًا لفكرة "المظلومية" في خطاب ترامب، خاصة إذا تم تجاهل أي ذكر لـ"القوة الغاشمة" وما خلفته من دمار وضحايا تُقدَّر بالآلاف، وتصوير كل هذه الخسائر بـ"الشر الذي تمت مواجهته"، ووضع أي قوة رافضة للاحتلال وممارساته ضمن هذه الدائرة التي يجب مواجهتها والقضاء عليها.

وقد لجأ ترامب إلى التأكيد على هذه الفكرة من خلال عدة عبارات وجمل تمثلت في:

"إن قوة إسرائيل لا تُقاس فقط بجيوشها أو بتقنيتها، بل بالقناعة الأخلاقية لشعبها — في رفضهم الاستسلام للخوف أو الكراهية"، "لقد رأى العالم شجاعتكم، وضبطكم للنفس، وإنسانيتكم. وحتى في مواجهة رعب لا يمكن وصفه، اخترتم الحياة، واخترتم الرحمة، واخترتم الوقوف إلى جانب الخير"، "هذا هو الوضوح الأخلاقي الذي يميز إسرائيل عن أعدائها.. ذلك النور الذي يسطع حتى في أحلك الأوقات."

سعى ترامب في هذه الجزئية إلى تصوير المبالغة في أعمال الإبادة كـ"تفوق أخلاقي"، واستخدام القوة الغاشمة كـ"شجاعة ورفض للخوف والكراهية، والوقوف إلى جانب الخير"، وذلك كله في محاولة لصناعة شرعية أخلاقية للقوة التي تستخدمها إسرائيل سواء في الماضي أو المستقبل، وتبرير أي عنف قد ترتكبه باعتباره فعلًا دفاعيًا للحفاظ على حقها في الحياة وتحقيق الاستقرار.

ترامب في خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي 
ترامب في خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي 

تحقيق السلام بالقوة.. واستدعاء النظرية الواقعية

أراد ترامب التأكيد على أن السلام لا يتحقق إلا بالقوة، وأن الوصول إلى هذه المرحلة "مرحلة السلام" لم يتم إلا باستخدام القوة، وهو توظيف لنظرية سياسية تتمثل في "النظرية الواقعية" التي تحيل كل شيء إلى القوة في العلاقات الدولية، حيث إن القوة وحدها هي القادرة على تحقيق السلام والأمن والتعايش في المجتمع الدولي دون أي اعتبارات أخرى، وهي القناعة التي يؤمن بها ترامب من التهديد إلى الفعل.

وقد سعى ترامب إلى ترسيخ هذه الفكرة بقوله: "يحترم العالم إسرائيل ليس فقط من أجل تاريخها، بل من أجل قوتها، لأن السلام — السلام الحقيقي — لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال القوة.. إن الضعف يدعو إلى الحرب، أما القوة فهي التي تضمن السلام.. يبارك الله الأقوياء الذين يدافعون عما هو حق."

رغم تأكيد ترامب على مبدأ "السلام بالقوة" واستدعائه لنظرية "الواقعية"، إلا أنه غلف كل ذلك بلغة أخلاقية دينية، باعتبار أن القوة من الممكن أن تكون أداة للخير وتحقيق الاستقرار، وأن استخدام القوة ضد الشر – "خصوم إسرائيل" – هو حق، وأن الله يبارك هذا الحق ومن يدافعون عنه.

المصير الواحد والقيم المشتركة بين واشنطن وتل أبيب

انتقل ترامب في خطابه إلى التأكيد على القيم المشتركة والمصير المشترك بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، ما يعني أن الممارسات الإسرائيلية تنطلق من قناعات مشتركة ودعم مطلق من واشنطن، انطلاقًا من قناعات تمثل الجانبين. ولذلك فإن مصير إسرائيل ووجودها واحتفاظها بقوتها مرتبط بوجود الولايات المتحدة الأمريكية، وتبرير للتحالف سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو العسكري أو حتى الأيديولوجي.

ويبدو ترسيخ ترامب لهذه الفكرة من خلال قوله:

"أمتانا مرتبطتان بالإيمان بالحرية، والإخلاص للديمقراطية، وبالاعتقاد أن الله خلق جميع الرجال والنساء ليعيشوا بكرامة.. إن أمريكا وإسرائيل تقفان كرمزين للأمل في عالم مظلم".

استحضار هذه القيم في العلاقة بين أمريكا وإسرائيل من خلال مفردات مثل: "الإيمان – الحرية – الإخلاص – الديمقراطية – الكرامة – رموز الأمل".. يعني أن القيم المشتركة بينهما تنطلق من الخير ورفض الشر، وأنهما وحدهما تمثلان هذه المبادئ، وما سواهما هو "عالم مظلم" بحسب وصفه.

وختامًا:

سياسيًا.. جاء خطاب ترامب منحازًا بشكل كامل إلى جانب إسرائيل، وربط مصيرها بمصير الولايات المتحدة الأمريكية، مؤكدًا الدعم المطلق لتل أبيب في مواجهة خصومها، ومتجاهلًا أي أضرار تُلحقها إسرائيل بأي أطراف أخرى، ومصورًا هذه الممارسات على أنها "حق" يباركه الله.

فنيًا.. جاء خطاب ترامب محمّلًا بلغة بلاغية واستراتيجيات إقناعية واستمالات عاطفية، لتمرير رسائل سياسية مغلفة بلغة دينية، وصولًا إلى توظيف المظلومية واستدعاء المعاناة التاريخية لليهود، وتجاهل الدمار الذي ألحقته إسرائيل بمحيطها والتبرير له.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء