صفقة الميناء الغامض.. لماذا تستدعي باكستان واشنطن إلى بحر العرب ؟
قدمت باكستان عرضًا للولايات المتحدة الأمريكية لبناء وإدارة ميناء على بحر العرب، من خلال تطوير مدينة "باسني" الساحلية لصيد الأسماك وتحويلها كمحطة لشحن المعادن الباكستانية الأساسية، بتكلفة متوقعة إلى 1.2 مليار دولار، مع نموذج تمويل مقترح يجمع بين التمويل الفيدرالي الباكستاني وتمويل التنمية المدعوم من الولايات المتحدة، وهو ما يمنح واشنطن موطئ قدم في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
وتشير التفاصيل التي اطلعت عليها صحيفة "فاينانشال تايمز" إلى أن مستشارين للقائد العسكري عاصم منير، رئيس أركان الجيش الباكستاني، اتصلوا بمسؤولين أمريكيين وعرضوا عليهم الخطة التي تتضمن قيام مستثمرين أمريكيين بتطوير المدينة التي تقع على بُعد 160 كيلومترًا فقط من إيران و110 كيلومترات من مدينة جوادر الباكستانية، التي تضم ميناءً تدعمه الصين.
ونقلت الصحيفة عن اثنين من مستشاري "منير" قولهما: إن العرض طُرح بالفعل أمام بعض المسؤولين الأمريكيين، وتمت مشاركته مع رئيس أركان الجيش الباكستاني قبل لقائه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، أواخر الشهر الماضي، غير أن مسؤولاً رفيعاً في إدارة ترامب أكد أن الرئيس وفريقه لم يناقشوا مثل هذا المقترح.

ميناء باسني.. موقع استراتيجي
تكمن أهمية الميناء في موقعه الاستراتيجي، حيث إنه يقع على طول بحر العرب، ويبعد 113 كيلومترًا فقط من ميناء جوادر الذي تديره الصين، و161 كيلومترًا من إيران، وحوالي 286.5 كيلومترًا من ميناء تشابهار الهندي، ووقوعه عند تقاطع المنافسات الإقليمية الكبرى التي تشمل الصين والهند وإيران والولايات المتحدة.
كما أن تأثير موقع الميناء يمتد إلى أفغانستان وآسيا الوسطى والأمن البحري الأوسع في بحر العرب والمحيط الهندي، فوقوعه بين ميناء "جوادر" و"مضيق هرمز" يمنحه أهمية في مراقبة وتأمين خطوط الملاحة والطاقة الدولية، ما يعني أن الميناء لن يكون مجرد مشروع اقتصادي بل سيلعب دورًا استراتيجيا في إدارة موازين القوى الإقليمية والدولية والتي تمتد آثارها من افغانستان إلى المحيط الهندي.
ما وراء الاستدعاء الباكستاني لأمريكا
بحسب التفاصيل التي ذكرتها "فاينانشال تايمز"، فإن المشروع لم يكن عرضًا أمريكيا، ولكن العرض جاء من جانب باكستان، ما يشير إلى أن الأمر لا يتعلق بمحاولة أمريكية لإعادة التموضع في المنطقة، لكنه يشير إلى أن هناك أهداف باكستانية وراء استدعاء واشنطن في هذا المكان الاستراتيجي، وقد يكون من بينها:
أولًا: هدف اقتصادي وتنموي
وفق الخطة التي نشرتها "فاينانشال تايمز"، فإن مشروع ميناء "باسني" يتم تصديره باعتباره ممر جديد للمعادن الحيوية داخل باكستان، ومحاولة ربطها بالسوق العالمي بمسار أقل بدلًا من الاعتماد التام على ميناء "جوادر" الذي يرتبط ارتباطًا كبيرًا بالاستثمارات الصينية، وسط تكهنات بأن الميناء المقترح سيربط "باسني" بطرق أو سكك حديدية تصل إلى مناطق التعدين في بلوشستان.
يعزز هذه الفرضية، ما ذكرته تقارير بأن باكستان شحنت مؤخرًا شحنة أولى متواضعة من المعادن الأرضية الأساسية والنادرة إلى شركة "USSM" وهي شركة المعادن الاستراتيجية الأمريكية، والتي تعمل في مجال المعادن الأرضية النادرة والمعادن الحيوية التي تُعد ضرورية للصناعات الدفاعية والتكنولوجية والطاقة النظيفة في الولايات المتحدة، كما أن الشركة وقعت مذكرة تفاهم مؤخرًا مع الذراع الهندسية العسكرية الباكستانية لتعزيز التعاون، وتخطط الشركة أيضًا لإنشاء مصفاة.
وقد وُصفت هذه الشحنة الأولى من المعادن الأرضية النادرة بأنها "علامة فارقة في الشراكة الاستراتيجية بين باكستان والولايات المتحدة"، والتي تُبشّر بوضع خارطة طريق للتعاون في جميع مراحل سلسلة القيمة المعدنية، وقد تمثل هذه الخطوة مؤشرًا إيجابيًا للغاية لباكستان لجذب الاستثمارات الأجنبية التي تشتد الحاجة إليها، لا سيما في قطاع المعادن برواسبه الضخمة.
ثانيًا: هدف أمني وسياسي
تعزز المشاريع الاستثمارية الكبرى الحضور الحكومي وتُفعّل مبدأ "تحقيق الأمن بالتنمية"، خاصة في الأماكن التي تشهد نزاعات عرقية وقبلية وعمليات إرهابية وجماعات متمردة، وتتوفر كل هذه المشاكل في إقليم بلوشستان الذي يعد بؤرة توتر ساخنة وساحة للجماعات المسلحة والتي تعتبرها الحكومة الباكستانية ممولة من الهند.
وتسعى الحكومة الباكستانية إلى التنمية في المناطق المهمشة والمضطربة باعتبار تحقيق الأمن القومي بالمسار التنموي، خاصة في إقليم بلوشستان الذي قد يكون خاصرة رخوة بالنسبة لباكستان، في ظل سيطرة قوى مسلحة ذات نزعة انفصالية على الإقليم، والمخاوف من استغلال قوى مناوئة لهذه الحالة وتقديم الدعم للجماعات المتمردة.
وقد يكون المشروع مكملًا لما بدأته باكستان في عام 2015، حيث تم إطلاق الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني (cpec) في إطار مبادرة الحزام والطريق الصينية (BRI)، والذي تضمن مشاريع للبنية التحتية وسكك حديد وموانئ وطاقة، ورغم أهمية المشروع، إلا أنه لم يحقق أهدافه بشكل كامل، في ظل استمرار الضعف التنموي في الإقليم، والاضطراب الأمني نتيجة نشاط الحركات المسلحة وعلى رأسها جبش تحرير بلوشستان (BLA).
ثالثًا: تحقيق التوازن الاستراتيجي
من أهداف الحكومة الباكستانية من استدعاء الولايات المتحدة الأمريكية إلى بحر العرب، تحقيق التوازن أيضًا بين الحضور الصيني والأمريكي، خاصة في ظل تنامي النفوذ الصيني في مجال البنية التحتية، واتجاه إسلام آباد وبكين إلى تحديث وإعادة بناء شبكة السكك الحديدية الباكستانية وتطوير ميناء جوادر بشكل أكبر في حين يمكن للشركات الصينية الاستثمار في تطوير النفط والغاز البحري في البلاد، حسبما ذكرت وكالة أنباء الصين الجديدة "شينخوا" في فبراير الماضي.
وتأتي هذه الخطة من جانب باكستان في ظل محاولات تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، وإعادة الزخم مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خاصة في ظل علاقة الصداقة التي نشأت بين رئيس الأركان الباكستاني والرئيس الأمريكي بحسب وصف دبلوماسيين أمريكيين وباكستانيين، وإشادة ترامب بقائد الجيش الباكستاني بعد لقائهما الأخير.
وفي حال تنفيذ المشروع، فإن باكستان ستكون اتخذت خطوة في تقليل الاعتماد على الصين ليس فقط في مشاريع البنية التحتية وعمليات التسليح، ولكن في إدارة سلاسل توريد المعادن، وذلك بسبب قرب ميناء "باسني" من ميناء "جوادر"، والذي يُوصف بأنه الميناء الرائد في الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني (CPEC) التابع لبكين، وهو يحقق التوازن بين أمريكا والصين في هذه المنطقة الهامة.

عقبات أمام المشروع
رغم أهمية المشروع بالنسبة للحكومة الباكستانية، إلا أنه من المتوقع أن تواجهه العديد من العقبات والتي تتمثل في ردود الأفعال الداخلية والخارجية والتي تتمثل في:
•رفض القوى السياسية للمساعي الحكومية لتعزيز الحضور الأمريكي في باكستان، والمطالبة بعرض الاتفاقية على البرلمان لضمان الشفافية، وإمكانية رفض البرلمان لها حال تصاعد الضغوط الداخلية.
•مقاومة الفصائل و الحركات المسلحة في إقليم بلوشستان لهذه الخطوة، واعتبارها استعمارا اقتصاديا مثلما حدث مع الصين، حيث نفذت هذه الحركات العديد من العمليات ضد المصالح الصينية في الإقليم.
•ردود الفعل الصينية، والتي قد تتمثل في الضغط على الحكومة الباكستانية في ملفات أخرى في محاولة للاحتفاظ بنفوذها، خاصة وأن المشروع يمثل تهديدا لأهداف الصين الاستراتيجية في المنطقة.

ختامًا:
رغم أن المشروع جاء بعرض من جانب الحكومة الباكستانية، فإنه يتلاقى بشكل كبير مع اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية بقطاع المعادن الاستراتيجية، والذي أصبح محورًا رئيسيا في سياسات الأمن القومي الأمريكي، ومساعي واشنطن لتقليل الاعتماد على الصين في توريد المعادن الاستراتيجية، وهو ما يعتبر فرصة لتلاقي المصالح بين الجانبين.
وتمثل الخطوة اهتمام من جانب باكستان بالتوازنات الإقليمية في المنطقة، وإمكانية تحقيق مصالحها من خلال توازن علاقتها بالولايات المتحدة والصين، خاصة في ظل صراع النفوذ بين وواشنطن وبكين في المنطقة، على الرغم من احتمالية ردود الفعل السلبية من جانب بكين، وهو ما يتطلب إدارة دقيقة للتوازن من جانب اسلام آباد.
رغم العقبات التي يواجها المشروع على المستوى المحلي، فإن الحكومة الباكستانية بدأت بامتصاص ردود الأفعال، وتصدير الخطوة باعتبارها "جولة استكشافية" في اختبار لرد الفعل المحلي، وقد تصعد خطابها بضرورة التنمية في إقليم بلوشستان بدلًا من استغلاله من جانب الهند التي تتهمها اسلام آباد بدعم الحركات المتمردة في الإقليم.



