الإمارة المتصدعة: هل تنفجر الخلافات داخل طالبان ؟
جاء وصول حركة طالبان إلى السلطة في افغانستان أغسطس 2021 بعد الانسحاب الأمريكي، لتتحول الدولة إلى شكل الإمارة التي تحكمها قيادة دينية وسلطة شرعية واحدة والتي تتمثل في زعيم الحركة الملا "هبة الله آخوند زاده" ، والذي تم مبايعته على الطاعة المطلقة في أي قرارات يتخذها تتعلق بمصير الدولة الأفغانية فيما يتعلق بالشأن الداخلي، وأيضًا فيما يتعلق بالتفاعلات مع المجتمع الدولي.
وبعد السنوات الأربع على وصول الحركة للحكم، ظهر الصدام ظهر بين مبادئ الإمارة ومبادئ المجتمع الدولي، وبدا أن الحركة غير قادرة على التماهي في كثير من القضايا، على الرغم من أنها لازالت تبحث عن شرعية الاعتراف الدولي، وهو الأمر الذي أدى إلى حالة من التناقض بين عقيدة قيادة الحركة وبين ما يتطلبه الاندماج مع المجتمع الدولي وانتزاع الشرعية الدولية.
هذه التناقضات كانت لها ارتدادات على بنية الحركة، والتي أصبحت منقسمة إلى جناحين، جناح يمثله زعيم الحركة في قندهار، وجناح يمثله وزير الدفاع الملا محمد يعقوب عمر "نجل مؤسس الحركة"، ووزير الداخلية "سراج الدين حقاني"، حيث بدأ الخلاف بينهما حول بعض القضايا في الظهور، لكن يبدو أن هذا الخلاف يتطور مع الوقت، وقد ينتقل من الخلاف في الرؤى إلى تنازع السلطة بين جناح قندهار "الشرعي" وجناح كابول" البراجماتي".

جناح "قندهار"
جناح "قندهار" يمثل مركز السلطة الدينية في أفغانستان، ويعود اختيار زعيم الحركة للإقامة فيها لما للمكان من رمزية روحية لدى الحركة، حيث إن المدينة التي تقع (جنوب غرب أفغانستان) على الحدود مع باكستان التي شهدت ظهور الحركة عام 1994، وتأسست على يد الملا محمد عمر مجاهد، وكانت أيضًا مقرا لحكم الحركة أثناء فترتها الأولى ما بين عامي (1994 - 2001) .
ويسعى جناح "قندهار" إلى تطبيق الشريعة الإسلامية – وفق فهمه - بشكل صارم، وقد اتخذ عدة قرارات بعد وصول طالبان إلى السلطة تسببت في جدل على المستويين المحلي والعالمي، واعتبرتها المؤسسات والمنظمات الدولية انتهاك صارخ لحقوق الإنسان بشكل عام وحقوق المرأة بشكل خاص، بعدما تسببت هذه القرارات في قهرها.
ويمثل هذه الجناح، زعيم الحركة "هبة الله أخوند زاده" والدائرة المقربة والتي يأتي على رأسها عبد الحكيم حقاني رئيس (المحكمة العليا) في أفغانستان، وقد ظهر اسمه إلى جانب اسم رئيس الحركة في طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان بإصدار مذكرة اعتقال بحق الزعيم الأعلى لطالبان ورئيس قضاة الإمارة الإسلامية، لاضطهاد الفتيات والنساء الأفغانيات، حيث أكد الطلب أن أخوندزاده وحقاني يتحملان المسؤولية الجنائية عن الجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في الاضطهاد على أساس الجنس.
وكان جناح "قندهار" وراء إصدار العديد من القرارات التي أثارت الجدل، والتي جاء على رأسها منع تعليم الفتيات بعد الصف السادس وهو الأمر الذي تسبب في ردود أفعال غاضبة على المستويين المحلي والدولي، إضافة إلى منع المرأة من الدخول إلى النوادي الرياضية وإغلاق مراكز التجميل، ومؤخرًا إصدار قرار يقضي بتقييد وصول الملايين إلى شبكة الإنترنت.
جناح "كابول"
يضم جناح "كابول" عدد من القيادات التي تتمتع بنفوذ كبير، وعلى رأسهم ، الملا محمد يعقوب، وزير الدفاع وهو نجل مؤسس الحركة الملا محمد عمر، ويتمتع بنفوذ كبير بصفته نجل مؤسس الحركة، فضلًا عن كونه وزيرًا للدفاع ويملك سلطة على جميع القادة العسكريين، أما القيادة الثانية فهو سراج الدين حقاني، وزير الداخلية، ويستمد نفوذه من شبكة حقاني النرتبطة تاريخيا بتنظيم القاعدة، وتعد شبكة حقا الجهاز الأمني الأكثر احترافا داخل طالبان، أما القيادة الثالثة فهو الملا عبد الغني برادر، نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، والذي يعد أحد مهندسي اتفاق الدوحة، ويملك شبكة علاقات دولية واسعة.
يفكر جناح "كابول" بشكل أكثر براجماتية، حيث يسعى إلى مزيد من الانفتاح على المجتمع الدولي والإدارة بمنطق الدولة وليس منطق الإمارة، وذلك في محاولة للاندماج مع المجتمع الدولي وعدم تكرار تجربة 2001، ولذلك يرى أن الانفتاح الدبلوماسي والحوار مع الغرب من الممكن أن يكون الأسلوب الأمثل على المكسب الذي حققته الحركة بدلًا من حالة العزلة التي قد تصل إليها بسبب سياسات زعيم الحركة.
ويبدو أن جناح قندهار أيضًا لديه تحفظات كثيرة على أسلوب إدارة زعيم الحركة، والذي يعتمد في الغالب على المشايخ المحليين أو المجالس الدينية، ويرى أن الأسلوب الأمثل في إدارة الدولة يتمثل في تفعيل مؤسسات الدولة وتنشيط العمل الحكومي، فضلًا عن الانفتاح الدبلوماسي ومعالجة القرارات التي قد تُفشل مساعي الحركة للحصول على الشرعية الدولية وتزيد الانتقادات الدولية لسلوك الحركة، ولا يعني ذلك أنه يتحرر بشكل كامل من عقيدة الحركة ومبادئها، لكنه يسعى للتعامل بشكل أكثر مرونة والتخلي عن الجمود الذي يمثله "جناح قندهار".

صراع متصاعد
بدأت بوادر الانقسام داخل الحركة مع إصدار زعيم الحركة "هبة الله اخوند زادة" قرارًا يقضي بمنع تعليم الفتيات فوق الصف السادس، وهو الأمر الذي حاول جناح "كابول" احتواءه وإقناع زعيم الحركة بالتراجع عنه منعا للانتقادات الدولية التي ستطال الحركة نتيجة هذا القرار، وفي هذه الأثناء حاولت حكمة طالبان تصدير الأمر باعتباره مجرد إجراءات تتخذها الحكومة لتهيئة عودة الفتيات للتعليم بشكل مختلف، وربما كان تصدير ذلك الخطاب في محاولة لإثناء زعيم الحركة عن القرار.
ورغم الوعود التي قدمتها الحركة بعودة الفتيات للتعليم تراجعت حركة طالبان عن تعهدها بإعادة فتح المدارس الثانوية للفتيات في أفغانستان، وإعلان فتح المدارس الثانوية أمام الفتيات تم التراجع عن القرار، وهو ما تم تفسيره بوجود صراع على السلطة داخل الحركة، وأن التراجع عن القرار يعني أن زعيم الحركة لم يستجب إلى الضغوط التي مورست عليه بالعدول عن منع تعليم الفتيات.
وقد تزايدت الخلافات داخل الحركة، حيث نقلت تقارير عن مقربين من وزير الداخلية الأفغاني سراج الدين حقاني استياءه من الأوضاع والقرارات التي يتخذها زعيم الحركة، وأنه طالب زعيم طالبان بالمرونة في بعض مواقفه وأن يفتح الطريق إلى التعامل مع المجتمع الدولي وإن العزلة التي استمرت أكثر من 3 سنوات تؤدي إلى تدمير الاقتصاد وهروب الأدمغة من أفغانستان.
وفي انتقاد علني لسياسات زعيم طالبان، دعا مسؤول كبير بالحكومة الأفغانية إلى فتح مدارس للفتيات، وذلك في واحد من أقوى الانتقادات العلنية لسياسة حركة طالبان التي تدير البلاد، وقال شير محمد عباس ستانيكزاي القائم بأعمال نائب وزير الخارجية، إن القيود المفروضة على تعليم الفتيات والنساء "لا تتفق مع الشريعة الإسلامية"، ما يعكس مدى الصراع داخل الحركة، وعدم القدرة على التوافق حول قرارات تمس سمة الحركة محليا ودوليا.

التحول الأخطر والذي ينذر بخروج الصراع المكتوم إلى العلن، ظهر بعد قرار زعيم الحركة بقطع الإنترنت على مستوى البلاد، مبررا قراره بأن الانترنت يساهم في نشر الفساد الأخلاقي، وهو الأمر الذي أغضب جناح كابول الذي أوفد وفدا إلى قندهار لإثناء "هبة الله" عن قراره، إلا انه فشل في تحقيق هذه المهمة، مادفع مجلس الوزراء إلى الاجتماع بشكل طارئ، وبناءً على أوامر من رئيس وزراء الحركة، صدر أمر بإعادة توصيل الإنترنت، وفق تقارير أفغانية.
ويعد قرار إعادة الإنترنت بمثابة أول خروج على مبدأ الطاعة المطلقة لزعيم الحركة، وهو ما قد يؤدي إلى إجراءات من جانبه للحفاظ على هيبة زعيم الحركة والرد على ما يمكن وصفه بـ"العصيان"، وهو ما قد يقابل بردود أفعال صدامية من جانب "جناح كابول"، خاصة وأن سراج الدين حقاني، والملا يعقوب، والملا برادار، وغيرهم من الوزراء وكبار مسؤولي طالبان يصرون على عودة الإنترنت، ومن جهة أخرى، يُصرّ الملا هيبة الله، إلى جانب بعض أنصاره، على موقفه، ما يجعل الخلاف مرشحا للتصاعد وخروجه إلى العلن.



