رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من طوفان الأقصى إلى سقوط دمشق.. تآكل نفوذ إيران في المنطقة

المرشد الأعلى للثورة
المرشد الأعلى للثورة الإيرانية

دشنت أحداث السابع من أكتوبر 2023 مرحلة جديدة على الساحة الإقليمية، كان لها ارتدادات مباشرة على محور إيران في المنطقة سواء على الصعيد العسكري أو السياسي أو الاقتصادي، ما أدى إلى تآكل النفوذ الإيراني بشكل متسارع في ظل الأحداث المتلاحقة التي شهدتها الفترة الماضية أو ما بعد "طوفان الأقصى"، حيث انهارت ركائز المشروع الإيراني بشكل مفاجئ.

ولم تنجح إيران في حماية شبكتها الواسعة التي اعتمدت عليها إيران لتحقيق الهيمنة على دول المنطقة وصدرتها كجبهة "دفاع متقدم" لحماية انتقال الصراع إلى أراضيها بشكل مباشر، كما فشلت كذلك في تفعيل مبدأ "وحدة الساحات" خلال هذه الحرب ما جعل إسرائيل تتعامل مع كل جبهة بشكل منفرد لتلحق بها اضرارًا بالغة، بداية من حزب الله في لبنان مرورًا بالفصائل الموالية لإيران في العراق وصولًا إلى الحوثيين في اليمن وسقوط نظام بشار الأسد في سوريا.

عناصر حزب الله
عناصر حزب الله

حزب الله.. من "الردع" إلى الاستنزاف

بعد أحداث السابع من أكتوبر، حاول حزب الله - الذراع الأقوى لإيران في المنطقة - فتح "جبهة إسناد محدودة" للظهور بالالتزام بمبدأ "وحدة الساحات" وعدم التخلي عن دوره في محور المقاومة وفي الوقت نفسه تجنب الدخول في حرب شاملة، وهو ما دفع إسرائيل لتحين الفرصة والإجهاز على الحزب في محاولة لإضعافه وتدمير مقدراته، واستهداف القيادات بهدف إرباك صفوف الحزب وشل عملياته.

وطالت عمليات الاستهداف قيادات الصف الأول وعلى رأسهم الأمين العام للحزب حسن نصر الله، مما أثر بشكل ملحوظ على القيادة العملياتية والمناورة الميدانية للحزب، إضافة إلى استهداف الكوادر والمهندسين العسكريين، وهو ما أثر بشكل كبير على القدرة وتراجع الكفاءة في إطلاق الصواريخ، والعجز عن تنفيذ عمليات هجومية كبيرة بعد تدمير مراكز الإطلاق في الجنوب والبقاع.

كما تعرض الحزب أيضًا لعملية استنزاف للذخائر، وذلك من خلال استهداف مخازن الأسلحة ومستودعات الصواريخ وإضعاف قدرات البنية التشغيلية، مما أثر على القدرات الصاروخية قصيرة ومتوسطة المدى، ووفق التقديرات فإن الحزب فقد نسبة كبيرة من قدراته الجاهزة للإطلاق، ونتيجة لذلك انهارت قدرة الحزب على تحقيق التوازن أو إجبار إسرائيل على الالتزام بـ"قواعد الاشتباك".

 عناصر من فصائل مسلحة في العراق
 عناصر من فصائل مسلحة في العراق

وبدا الحزب خلال المواجهة مخترقًا بشكل كبير سواء على المستوى الاستراتيجي من خلال الاستهداف الدقيقة للقيادات، أو المستوى التقني الذي ظهر في واقعة "البيجر" التي تم تنفيذها في منتصف سبتمبر 2024 ، والتي أظهرت مدى اختراق إسرائيل لسلاسل الإمداد الخاصة بالحزب، حيث ذهبت التقديرات إلى أن أجهزة البيجر تم تفخيخها لعدم تأمين سلسلة الشراء، وهو ما يعزز فرضية الاختراق أثناء الشراء أو التوريد.

الفصائل العراقية

سعت الفصائل العراقية المدعومة من إيران إلى أن تمثل "جبهة إسناد" في غزة، على الرغم من أنها لم تكن بنفس الفعالية التي تمثلها جبهات لبنان واليمن، إلى أنها شنت العديد من الهجمات بالطائرات المسيرة على إسرائيل، وأعلنت أكثر من مرة استهدافها لمواقع حيوية في الداخل الإسرائيلي، وكان من بين هذه المواقع قاعدة "حتسريم" في بئر السبع، فضلًا عن ميناء عسقلان النفطي، ومصافي النفط في إسرائيل، كما جاءت القواعد الأمريكية في العراق ضمن دائرة الاستهداف.

وفي رد على هذه الاستهداف، وجهت الولايات المتحدة الأمريكية ضربات للفصائل، كان أبرزها في يوليو 2024 ، حيث شنت 4 غارات جوية استهدفت قوات الحشد الشعبي، بسبب الهجمات على قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، وتزامنت هذه الضربات مع ضغوط حكومية عراقية على هذه الفصائل منعًا لجر العراق إلى الدخول في حرب واسعة.

ومع الضغوط الحكومية والضربات الأمريكية ورسائل التهديد التي حملها وزير الخارجية الأمريكي توني بلينكن أثناء زيارته للعراق في هذا التوقيت، تراجعت الفصائل في العراق عن تنفيذ عمليات ضد إسرائيل أو قوات التحالف، حيث أعلنت كتائب "سيد الشهداء" أحد ابرز الفصائل المسلحة في العراق، في ديسمبر 2024، الاستجابة إلى مطالب الحكومة العراقية المتكررة بوقف العمليات العسكرية من الداخل العراقي إلى الداخل الإسرائيلي، وجاءت تصريحات "سيد الشهداء" بالتزامن مع تصريحات المرشد الأعلى للثورة الإيرانية على خامنئي أن إيران ليس لديها وكلاء في الشرق الأوسط، وهو ما أدى إلى تعطيل الجبهة العراقية مبكرًا.

عناصر جماعة الحوثيين باليمن
عناصر جماعة الحوثيين باليمن

الحوثيون.. جبهة فقدت أنيابها

على الرغم من استمرار الحوثيين في المشهد واستمرار التهديدات للداخل الإسرائيلي والملاحة في البحر الأحمر، إلا أنها تعرضت لأضرار جسيمة في بنيتها العسكرية الخاصة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، وذلك بعدما شنت الولايات المتحدة وبريطانيا أكثر من 500 غارة على مواقع ومنصات إطلاق تابعة للجماع في صنعاء والحديدة وزمار، وهو ما كان له انعكاساته على الكفاء العملياتية وتراجع قدرات الجماعة على تنفيذ هجمات دقيقة أو بعيدة المدى.

اتبعت إسرائيل أيضًا في ضرباتها ضد الحوثيين استهداف القادة مثلما فعلت مع حزب الله خاصة في وحدات الدفاع الجوي والهندسة الصاروخية، وهو الأمر الذي أدى إلى تراجع القدرات التكتيكية على إدارة العمليات الميدانية، ورغم الحضور شبه الدائم للحوثيين في المشهد من خلال استهداف الداخل الإسرائيلي، إلا أن قدرتها العملياتية تراجعت بشكل كبير بعد الأضرار الهائلة التي تعرضت لها منظومات الرصد والرادار التابعة للجماعة، وهو ما أضعف قدراتها على رصد الأهداف البحرية والجوية.

تعرضت جماعة الحوثيين أيضا إلى ضغوط اقتصادية كبيرة، وذلك بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مطلع العام الجاري، إدراج جماعة "الحوثيين" على قائمة "المنظمات الإرهابية الأجنبية"، وقال إنه سيوجه الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لإنهاء علاقتها مع الكيانات التي قدمت مدفوعات للجماعة، وذلك بعد يومين فقط من تولي الرئيس الأمريكي مهامه الرئاسية، وتسبب القرار في تجميد قنوات مالية تمثل اهمية اقتصادية كبيرة ، وهو ما يتسبب قي انعكاسات سلبية على مقدرات الجماعة.

عائلة بشار الأسد
عائلة بشار الأسد

سوريا.. انهيار الدولة المركزية

مثّل نظام سقوط بشار الأسد في سوريا خسارة استراتيجية كبيرة لمحور إيران في المنطقة، وذلك لما كانت تمثله سوريا من ركيزة أساسية للمشروع الإيراني في المنطقة، ونقطة مركزية لشبكة النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، وتمثل ممر لوجيستي وسياسي لحزب الله، وذلك لما تملكه سوريا من حدود طويلة مع لبنان لعبت دورًا استراتيجيًا مكّن إيران من إمداد "حزب الله" بالأسلحة، وقد مثل سقوط بشار الأسد انهيار جسر حيوي وانقطاع خطوط الإمداد بين إيران ولبنان.

ولخص المرشد الإيراني على خامنئي أهمية سوريا بالنسبة لإيران بقوله "إن سوريا هي الخط الأمامي للمقاومة ضد إسرائيل، وهي ركيزة في هذه المعركة"، وذلك لما كانت تمثله سوريا من نفوذ ميداني لإيران يتمثل في وجود قوات الحرس الثوري وفيلق القدس والعديد من الميلشيات الشيعية التي كانت تديرها إيران على الأراضي السورية بحجة حماية المراقد والمقدسات، ويمثل فقدان كل هذه الأوراق ضربة كبيرة للنظام الإيراني، وعزل حزب الله "جغرافيا"، ما يعظم الخسارة الاستراتيجية لإيران.

وجاء سقوط نظام بشار الأسد بعد ضربات إسرائيلية مستمرة على مدار سنوات - تزايدت بعد السابع من أكتوبر-لاستنزاف القدرات الإيرانية في سوريا، من خلال استهداف لقيادات الحرس الثوري وفيلق القدس، والاستهداف الدقيق لمخازن الاسلحة ومواقع إنتاج الصواريخ، ومراكز القيادة والسيطرة الإيرانية، وقطع خطوط الإمداد، وهو ما أدى إلى إضعاف البنية العسكرية الإيرانية في سوريا وعرقلة ترسيخ الوجود العسكري الإيراني على الأراضي السورية.

إجمالًا، بعد أحداث السابع من أكتوبر تكبّد محور إيران في المنطقة خسائر فادحة متعددة المستويات اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا واستراتيجيًا، ما أدى إلى إلى تآكل النفوذ الإيراني في المنطقة، وأفقد إيران  أوراق ضغط مهمة في التعامل مع المجتمع الدولي وفي مفاوضات الملف النووي، وذلك بالتزامن مع ضغوط اقتصادية هائلة تتعرض لها إيران تجعلها عاجزة عن إعادة ترميم قدرات المحور بشكل سريع.

ستحاول إيران أن تتفاعل مع المشهد الجديد والبيئة الجيوستراتيجية التي تشكلت بعد السابع من أكتوبر، لكن لا يعني ذلك أن إيران مستعدة للتخلي عن وكلائها، فرغم محدودية قدرة إيران على استعادة المحور أو تعويض خسائره، إلا أنها ستتعامل بمرونة مع هذه المرحلة مع محاولة استعادة حضورها تدريجيا، ويبقى ذلك مرهونا في مدى نجاح إيران في التعامل مع الضغوط الغربية الحالية.

محمد شعت*

باحث في العلاقات الدولية والشؤون الإيرانية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء