الصراع بين التيارين الإصلاحي والمحافظ في إيران: بين سردية التهدئة وخطاب المقاومة
تعيش إيران لحظة فارقة بين سرديتين متعارضتين: الأولى تسعى إلى التهدئة والانفتاح على الغرب عبر المفاوضات النووية، والثانية تتمسك بخط المقاومة ورفض أي تنازل أمام الولايات المتحدة وحلفائها. هذا الانقسام تجسّد مؤخرًا في الصراع بين علي لاريجاني، الذي عاد إلى واجهة القرار بتوليه أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي، وبين سعيد جليلي، رمز التيار الأصولي الأكثر تشددًا.
الحرب الأخيرة في يونيو الماضي عمّقت الشرخ بين التيارين. فالإصلاحيون حمّلوا الحكومة مسؤولية الجمود وفشل المفاوضات، بينما رأى المحافظون أن خيار المقاومة هو الذي أجبر إسرائيل على وقف إطلاق النار. تعيين لاريجاني أعاد النقاش حول جدوى المفاوضات، في وقت يعتبر فيه الأصوليون أن أي مسار دبلوماسي مجرد وهم.
حرب الإثني عشر يومًا تضخم الهوة
مما لا شك فيه أن الخلافات بين المعسكرين السابقين زادت حدتها عقب الحرب الأخيرة التي شهدتها البلاد في يونيو الماضي، فبعد أن وضعت الحرب أوزارها وانقشع غبارها بات هناك حاجات ملحة أمام مُتخذ القرار الإيراني لتغييرها أبرزها الاستراتيجية الإيرانية في مواجهة التهديدات الخارجية خاصة السيبرانية والتكنولوجية التي نالت الكثير من البرنامج النووي.
إذ اتهمت التيارات الإصلاحية الحكومة في البلاد بحالة الجمود السياسي في مسألة البرنامج النووي وعدم قدرتها على دفع عجلة المفاوضات الأمر الذي يستوجب إعادة هيكلة مجلس الأمن القومي وهو ما تم بتعيين على لاريجاني المحسوب على التيار الإصلاحي.
وفي المقابل ازداد اشتياط التيار الأصولي المحافظ –ويقصد هنا التيار الأصولي المتمثل في الجماعات التي تصنف نفسها على أنها أقصى أقصي اليمين والذين سبق لهم أن تعاونوا مع الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد، ويتبنون مواقف رافضة تمامًا ونهائيًا لمسألة المفاوضات مع الجانب الغربي بشأن النووي الإيراني - من ذلك التعيين مُشبها ما حدث بسيرة بنى إسرائيل زمن التيه في سيناء حين نجاهم الله سبحانه وتعالي من بطش فرعون ولكنهم عبدوا عجل السامري حين غاب عنهم نبي الله موسى وهذا ما وصفه رئيس الأمين الأسبق للمجلس الأعلى للأمن القومي "سعيد جليلي" في سلسلة تغريدات له عل موقع " إكس".
يبرز حاليًا في إيران اسم سعيد جليلي كأحد أبرز قادة المعارضة في النظام الإيراني والمحسوب على التيار المحافظ الديني والأكثر تشددًا، ويقابله في ذلك الوقت "علي لاريجاني" أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وذلك في ظل حالة الضعف العام التي تنتاب قيادات المعسكرين الإصلاحي والمحافظ فالرئيس الإيراني الحالي مسعود بزشكيان يعد الأضعف في التاريخ الإيراني وذلك بشهادة العديد.

خلافات التيار المحافظ
مبدئيًا يجب التنبيه على أنه ليس كل التيار المحافظ معارضًا لقرارًا تعيين لاريجاني، فعلى سبيل المثال رحب رئيس مجلس الشورى الإسلامي والمحسوب على التيار المحافظ "محمد باقر قاليباف" بخطوة تعيين لاريجاني، ومنتقدًا في ذلك الوقت تصريحات "جليلي" حسبما ورد على لسان مستشاره الخاص "محمود رضوى".
وجدير بالذكر أن التيار المحافظ في إيران يواجه العديد من الانقسامات السياسية خلال الفترة الأخيرة خاصة بعد حادثة تحطم طائرة الرئيس الراحل "إبراهيم رئيسي" في مايو 2024، ففي خضم الانتخابات الرئاسية (يونيو 2024) ساهم تباري مرشحي التيار المحافظ، سعيد جليلي، ومحمد باقر قاليباف وعلي رضا زاكاني، في تفتيت أصوات المحافظين وإنجاح مرشح التيار الإصلاحي، مسعود بزشكيان، في الانتخابات الرئاسية.
ومن الواضح جليًا أن الأحداث الأخيرة منذ وفاة إبراهيم رئيسي والانتخابات الماضية، وكذلك الحرب وتعيين لاريجاني ستساهم بشدة في توسيع الهوة بين أنصار التيار المحافظ الأصولي ما بين محافظ أصولي قومي ينتمي إلى القومية الإيرانية الفارسية، وبين محافظ أصولي إسلامي مدافعًا عن قيم الثورة الإسلامية ورسالتها في الداخل والخارج.
فعلى سبيل المثال وجه وحيد جليلي، شقيق سعيد جليلي ورئيس هيئة الإذاعة والتليفزيون الإيراني انتقاداته عقب وقف إطلاق النار، لما سماه الأجواء القومية وسيطرة القومية على خطابات الكثير أثناء الحرب الأخيرة، مُستنكرًا اتجاه البعض للابتعاد عن القيم الإسلامية والدينية التي تتبناها الثورة الإيرانية.
دوافع المحافظين الرافضة للمفاوضات
يدافع أنصار سعيد جليلي، عن وجهة نظرهم الرافضة لقرار تعيين لاريجاني، ومشروعه السياسي القائم على التفاوض والحلول الدبلوماسية مع الغرب مستندين على النقاط الثلاث القادمة وهي:
•المفاوضات عبر السنوات الماضية لم تمنع الولايات المتحدة ولا إسرائيل من شن هجوم مشترك على إيران، رغم وجود حالة تفاوض بين الجانبين قبيل الحرب مباشرة، وهو ما يعكس نوايا العدو في هزيمة المشروع الإيراني.
•نجاح الأمة الإيرانية في ردع العدوان الصهيوالأمريكي وإيجاد حالة من الردع القوي كشفتها الهجمات الصاروخية الإيرانية على المواقع الإسرائيلية، وإيجاد تهديد حقيقي لتل أبيب مما دفعها لقبول وقف إطلاق النار بعد 12 يوم فقط من اندلاع العمليات العسكرية.
•ليس أمام طهران سوى المقاومة القوية كخيار وحيد في المفاوضات وهو ما يجبر العدو علي احترام التوجهات الإيرانية وحفظ كرامة وأمن الوطن.
انقسامات التيار المحافظ
نقطة أخرى وأخيرة لمحاولة تفسير خلاف لاريجان وجليلي، أنهما كانا كفرسي رهان في السياسة الداخلية والخارجية الإيرانية خلال الـ 25 سنة الماضية تقريبا، فـ"لاريجاني"، كان أسبق في الصعود إلى عالم السياسة الإيرانية، إذ سبق له رئاسة هيئة الإذاعة والتليفزيون الإيرانية، ووزارة الثقافة والإرشاد الديني في التسعينيات، والعمل مع الرؤساء السابقين هاشمي رافسجاني، ومحمد خاتمي، وذلك قبل ولايته الأولى للمجلس الأعلى للأمن القومي (2005 - 2007)، وكذلك لرئاسته مجلس الشورى الإسلامي، ومحاولات ترشحه للانتخابات الرئاسية الإيرانية الأخيرة.
أما سعيد جليلي، لم يكن له نفس الحظوظ الواسعة التي تلقاها لاريجاني إذ تدرج ببطء داخل أروقة وزارة الخارجية الإيرانية، إلا أن بدايته الحقيقية بزغت مع تولي الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد السلطة في عام 2005 والذي سمح لعناصر التيار الأصولي الأقصى يمينيًا، في تولي المناصب السياسية، إذ مكن جليلي من شغل وظيفة نائب وزير الخارجية لشئون أوروبا وأمريكا خلال الفترة من عامي 2005 و2007.
ومع تصاعد الخلافات بين الرئيس الأسبق أحمدي نجاد، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي حينها "على لاريجاني" حول آليات المفاوضات مع الغرب، دُفع لاريجاني للتنحي عن منصبه السياسي، وأُتى بـسعيد جليلي، خلفًا له الذي انتهج سياسات مغايرة لسياسات لاريجاني في المفاوضات النووية، إذ انتهج سياسات الخطابات الطويلة (40 دقيقة) على حد تعبير وكيل وزارة الخارجية الأمريكية ويليام بيرنز، ومتفاخرًا بالتراث والثقافة الإيرانية، وهو ما انتقدته أيضا وزير الخارجية الإيراني الأسبق على أكبر ولايتي.
ومع تولي الرئيس الأسبق حسن روحاني السلطة، استقال جليلي من رئاسة المجلس الأعلى للأمن القومي وتولى علي شمخاني، رغم ذلك ظل عضوًا في المجلس رفقة علي لاريجاني الذي احتفظ بعضويته في المجلس أيضا بالإضافة إلى رئاسته لمجلس الشورى الإسلامي، وكان لكل منهما مواقف متباينة إزاء الاتفاق النووي فـ"جليلي" أبدى اعتراضاته على الاتفاق، في حين دافع لاريجاني عنه وساهم بشكل كبير في تمريره والموافقة عليه في مجلس الشورى الإسلامي.
إذا نحن أمام فكرين مستقلين سيشكل التنافس بينهما خلال السنوات المقبلة مستقبل السياسة الإيرانية سواء داخليًا أو خارجيًا فمن المحتمل أن يلعب "لاريجاني" أدوارًا أبعد من كونه أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، من خلال دفع الحكومة الإيرانية في إقرار العديد من السياسات سواء الداخلية أو الخارجية التي يتبناها التيار المستقل والاصلاحي في البلاد وهو ما يخشي منه أنصار التيار اليميني المحافظ بقيادة سعيد جليلي ورفاقه، لذا تتزايد تخوفاتهم من احتمالية أحداث سياسات جذرية في السياسة الإيرانية مبتعدة كثير عن خط الولاء للثورة الإيرانية ومفاهيمها التي أرسيت في عام 1979.



