رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

قمة شرم الشيخ.. القاهرة تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط من بوابة غزة

الرئيس السيسي مع
الرئيس السيسي مع مبعوثي ترامب ويتكوف وكوشنر

تنطلق اليوم في شرم الشيخ "قمة السلام" بمشاركة أكثر من 20 دولة، لبحث مستقبل اليوم التالي للحرب ومناقشة قضايا ضمانات وقف الحرب وإعادة الإعمار، يرأس القمة الرئيس عبد الفتاح السيسي، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وذلك بالتزامن مع إفراج حركة حماس عن آخر الرهائن الإسرائيليين الأحياء وعددهم 20 أسيرًا، وبالمقابل ستفرج إسرائيل عن أسير فلسطيني، وتسعى القمة إلى رسم خارطة طريق لما سوف تسير عليه الأمور بعد ضمان إتمام المرحلة الأولى من خطة ترامب للسلام.

وتأتي القمة في ظل أجواء وضغوط دولية وإقليمية لوقف حرب الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني، والمطالبة بتسليم الرهائن الإسرائيليين، وتحاول القاهرة ترسيخ دورها كوسيط إقليمي قادر على تنفيذ خطة ترامب للسلام، في وقت تتجدد فيه التساؤلات حول الجهة التي ستتولى حكم القطاع، وكيف يمكن ضمان عدم تجدد العنف. يستعرض هذا التقرير الدور المصري في مفاوضات.

مفاوضات شرم الشيخ -
مفاوضات شرم الشيخ -

القاهرة.. تقود النضال العربي ضد إسرائيل

منذ اندلاع الصراع العربي–الإسرائيلي، لعبت مصر دورًا محوريًا وتاريخيًا في القضية الفلسطينية، جمع بين البعد القومي والمسؤولية الإقليمية. فقد كانت القاهرة أول من خاض الحرب دفاعًا عن فلسطين عام 1948، ودفعت ثمنًا باهظًا في الأرواح والموارد خلال حروب 1956 و1967 و1973.

ومع توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1978، أصبحت مصر أول دولة عربية توقع اتفاق سلام مع إسرائيل، لكنها لم تتخلّ عن التزامها تجاه الحقوق الفلسطينية، بل سعت إلى تحويل أدواتها من المواجهة العسكرية إلى الوساطة السياسية والدبلوماسية. ومنذ تسعينيات القرن العشرين، تصدرت مصر جهود رعاية المفاوضات الفلسطينية–الإسرائيلية، واستضافت حوارات الفصائل الفلسطينية في القاهرة لتقريب وجهات النظر وتحقيق المصالحة الوطنية.

الدور المصري ومنع مشروع التهجير القسري

بعد انطلاق عملية "طوفان الأقصى"، وتصعيد الاحتلال الإسرائيلي عدوانه على الشعب الفلسطيني، رسمت القاهرة خطوطًا حمراء تُحجم الطموح الإسرائيلي، وتمنع مشروع التهجير القسري للفلسطينيين، وذلك عبر تصريحات الرئيس السيسي، المتكررة حول رفض التهجير واعتباره ضمن المحظورات.

هذه التصريحات فسّرتها بعض مراكز الأبحاث بأنها ربما تعني إمكانية تعليق اتفاقية السلام لعام 1979، إذ إن هذه الخطوة تعني فعليًا القضاء على القضية الفلسطينية ودفن مشروع إقامة الدولة الفلسطينية، هذا فضلًا عن تحمل عبء إدارة وحكم القطاع، وهو ما تم استنباطه من بعض التصريحات على لسان المسؤولين الإسرائيليين.

ومن شأن فكرة تفريغ الفلسطينيين في سيناء (زيادة التمرد المسلح الإسلامي "داعش- ولاية سيناء")، أو حتى اتخاذ سيناء كقاعدة لانطلاق عمليات المقاومة ضد إسرائيل، أن تُفاقم التحديات. أضف إلى ذلك أن القاهرة لا تريد أن يُنظر إليها على أنها تُساهم في تدمير الحركة الوطنية الفلسطينية وتطلعاتها السياسية.

هذا الموقف جاء وسط ضغوط دولية وإقليمية سواء بتقديم الدعم أو بالتصعيد على القاهرة للقبول بالمشروع الإسرائيلي.

وعلى جانب آخر، صرحت القاهرة بنيتها الانضمام إلى جنوب إفريقيا في قضيتها المرفوعة أمام محكمة العدل الدولية، وقد ترافق ذلك مع التوغلات الإسرائيلية منذ 7 مايو 2024 في مدينة رفح والسيطرة على المعبر.

وفد حماس في مفاوضات غزة
وفد حماس في مفاوضات غزة

الجهود الدبلوماسية والوساطة

تحتفظ مصر بالدور المحوري في الشؤون المتعلقة بالقضية الفلسطينية وقطاع غزة بفضل موقعها الجغرافي وصلاتها التاريخية، وعلى الرغم من العلاقات المتوترة بينها وبين حماس، فإن التعاون عاد مرة أخرى منذ عام 2016.

وقد تجلّت جهود القاهرة هذه المرة بشكل أوضح منذ ديسمبر 2023، عندما طرحت مبادرة لوقف إطلاق النار، اقترحت فيها على حماس والجهاد الإسلامي تسليم السيطرة على القطاع لمجموعة من التكنوقراط الفلسطينيين المنفصلين عن الفصائل السياسية الرئيسية، مقابل وقف دائم للأعمال العدائية وتسليم الرهائن والأسرى من الجانبين وعودة النازحين الفلسطينيين.

ولطالما حاولت القاهرة أن تؤكد على وقف الحرب وعدم ربط هذا الاقتراح بإجراء ترتيبات "اليوم التالي في غزة"، ويبدو أن القاهرة قد حققت مرادها الآن، وتم إيقاف الحرب وتسليم الرهائن، وهو جوهر المرحلة الأولى من خطة الرئيس "ترامب للسلام".

أما الترتيبات طويلة الأجل فستحتاج إلى مفاوضات وآليات طويلة، وستكون القاهرة جزءًا من هذه المفاوضات، خاصة أنه لا بد من توافق فلسطيني/فلسطيني لتوحيد الصف وإقرار مسار واضح لما سوف تؤول إليه الأمور، قبل استئناف المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي.

خطة القاهرة لإعادة الإعمار

قدمت القاهرة في مارس الماضي خطة لإعادة الإعمار في قطاع غزة، وفقًا لوثيقة رسمية صادرة عن وزارة الخارجية، تتضمن الخطة خمس مراحل، وبتكلفة 35 مليار دولار.

تتضمن الخطة التأكيد على أن قطاع غزة جزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية، وترفض أي تهجير قسري، وتؤكد على وجود لجنة انتقالية تتولى الحكم من شخصيات فلسطينية تكنوقراط لمرحلة انتقالية لمدة 6 شهور.

وستتولى الأردن ومصر تدريب عناصر من الشرطة الفلسطينية على الترتيبات الأمنية الجديدة، وتدعو الخطة إلى وجود قوات حفظ سلام دولية تحت رعاية الأمم المتحدة لدعم الاستقرار.

وتتضمن المرحلة الأولى (لمدة 6 شهور وبتكلفة 3 مليارات دولار): إزالة الأنقاض والذخائر غير المنفجرة من الطرق ومواقع البنية التحتية، وإنشاء مساكن مؤقتة لـ 1.2 مليون شخص في ثمانية مواقع محددة، وإجراء إصلاحات طارئة للمنازل المتضررة جزئيًا لاستيعاب 360 ألف شخص، وإعادة الخدمات الأساسية بما في ذلك إمدادات المياه والكهرباء ومرافق الرعاية الصحية، وتطهير وإعادة تأهيل طرق النقل الرئيسية، بما في ذلك طريق صلاح الدين لتسهيل إعادة الإعمار.

أما المرحلة الثانية (سنتان وبتكلفة 30 مليار دولار) فتشمل تطوير منطقة صناعية بمساحة 600 فدان لتحفيز النمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل، وتنفيذ المرحلة الأولى من التنمية الساحلية بما في ذلك طريق الكورنيش بطول 10 كيلومترات، وبناء 200,000 وحدة سكنية دائمة إضافية، ليصل إجمالي الوحدات السكنية إلى 460,000 وحدة سكنية لـ 2.75 مليون نسمة، وإنشاء ميناء صيد، وميناء بحري تجاري، ومطار غزة الدولي لتعزيز التجارة والترابط الاقتصادي.

وأخيرًا، تؤكد تجربة مصر في حرب غزة أن دورها الإقليمي لم يعد يُقاس فقط بقدرتها على الوساطة السياسية، بل أيضًا بمدى قدرتها على الموازنة بين الأمن القومي والمسؤولية العربية.

فبينما وقفت القاهرة بحزم ضد أي محاولات لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء، حافظت في الوقت نفسه على قنواتها الدبلوماسية المفتوحة مع جميع الأطراف، سعيًا لوقف إطلاق النار ومنع توسّع دائرة الصراع.

وقد أعادت هذه الحرب التذكير بمكانة مصر التاريخية كوسيط محوري في القضية الفلسطينية ومركز ثقل سياسي في الشرق الأوسط، رغم ما تواجهه من تحديات اقتصادية، ورغم نجاح القاهرة في تأمين دعم دولي وإقليمي لتخفيف أعباء الأزمة، فإن استمرار هشاشة الوضع الاقتصادي وضعف الإصلاحات الهيكلية يهددان بتقويض هذا الدور على المدى الطويل.

شيماء حسن*  

 باحث دكتوراة متخصصة في الشأن الإفريقي 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء