رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الهزيمة غير المعلنة.. كيف فقدت إسرائيل هيبتها العسكرية والسياسية؟

نتنياهو
نتنياهو

في خطاب له ألقاه قبل نحو 3 أسابيع، سعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتبرير العزلة الإقليمية والدولية التي فرضها الانخراط الإسرائيلي في حرب غزة الأخيرة بالقول إنه يعمل على تحويل دولته إلى "سوبر إسبرطة"، مستعيرًا اسم المدينة اليونانية القديمة الشهيرة بتاريخها العسكري وعزلتها عن محيطها لوصف إسرائيل.

مظاهرات داخل إسرائيل ضد نتنياهو - أرشيفية
مظاهرات داخل إسرائيل ضد نتنياهو - أرشيفية

وهذه الاستعارة، التي حظيت بانتقادات كثيرة داخل إسرائيل وخارجها، عكست جزءًا من الرؤية الاستراتيجية التي تتشكل في تل أبيب منذ الـ7 من أكتوبر، فعملية طوفان الأقصى التي أطلقتها حركة المقاومة الإسلامية حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى، أدت لتغيرات جوهرية في بنية المنظومة الأمنية الإسرائيلية، وأثرت على وتر الخوف العميق في الشخصية الإسرائيلية، وهذا كله له أثر على المستوى الاستراتيجي على كينونة المجتمع والدولة الإسرائيلية وعلى مستقبلها بالتأكيد.

وهذه الرؤية الجديدة لم تتبلور بشكل كامل إلى الآن وستأخذ وقتًا بكل تأكيد حتى تتشكل صورتها النهائية، ولعل النقاشات الجارية في إطار الدوائر المعنية بالأمن والدفاع في إسرائيل بما فيها مجتمع الاستخبارات وهي نقاشات مكثفة حول الإخفاق والفشل الأمني الإسرائيلي والمستقبل في ضوء نتائج حرب غزة والجبهات الأخرى كإيران ولبنان واليمن، هي جزء من العملية التي تقود لصياغة هذه الاستراتيجية.

وبطبيعة الحال، عكست التحركات والنهج الإسرائيلي منذ الـ7 من أكتوبر 2023 وحتى الآن، رغبة إسرائيلية طموحة في التوسع الإقليمي ليس بصورة الهيمنة التي روجت لها بعض الأطراف، وإنما بصورة أقل منها تقوم على محوري القوة العسكرية وتوظيفها بصورة تتجاوز الخطوط التقليدية القديمة لإحراز الأهداف الإسرائيلية، وفي نفس الوقت الاستمرار في محاولات الاندماج الاقتصادي الإقليمي بمساعدة أطراف أخرى منها الولايات المتحدة وقوى إقليمية وهي محاولات أضر بها النهج العسكري الإسرائيلي بكل تأكيد، لكنها لم تتوقف رغم مبالغة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بحديثه عن التحول لـ"الأوتاركية"، وهو نهج قائم على الانغلاق والتقوقع حول الذات، وحتما لا تستطيع إسرائيل اتباعه لأن هذا النهج، بجانب الإسبرطية، يحمل في طياته عوامل فناء هذا الكيان المزروع بالقوة في المنطقة العربية.

مظاهرات داخل إسرائيل ضد حكومة نتنياهو - أرشيفية
مظاهرات داخل إسرائيل ضد حكومة نتنياهو - أرشيفية

نظرية الأمن القومي الإسرائيلي.. التوحش لا يخفي الانكسار

وفي نفس السياق، شكل الـ7 من أكتوبر 2023 لحظة انكسار لنظرية الأمن القومي الصهيوني التقليدية التي اعتمدت عليها إسرائيل منذ نشأتها واستمدتها من أطروحات فلاديمير جابوتنسكي (1880: 1940)، التي نشرها في مقاله "الجدار الحديدي" عام 1923، أي قبل قيام إسرائيل بـ15 عامًا، وهذه الأطروحات قائمة على حتمية الصراع مع العرب وضرورة إقامة جدار حديدي وهذه كناية عن القوة العسكرية الرادعة التي ستعمل على قهر أعداء إسرائيل وإثنائهم عنن التفكير في الصراع معها.

وتقوم نظرية الأمن القومي الصهيوني على رؤية استراتيجية تقوم على  أساس الاستغلال الأمثل لعناصر القوة الإسرائيلية في مقابل نقاط ضعف الخصوم، ويقصد بالنظرية المفاهيم والمبادئ/ القواعد والأدوات التي تُحدد بها تل أبيب التهديد وطريقة التعامل معه على المستويات المختلفة.

وترتكز هذه النظرية على محددات، الردع، والتفوق الاستخباراتي، والقدرة على الحسم السريع، وهذه القدرة يرتبط بها محدد رابع هو النصر، الذي تناولانه بتفصيل في التحليل السابق لحرب غزة، المعنون بـ: "مَن انتصر في غزة؟ حماس وإسرائيل بين النصر العسكري والهزيمة المعنوية".

والمحدد الأول في نظرية الأمن القومي الإسرائيلي هو الردع الذي يعني امتلاك إسرائيل قوة عسكرية تتفوق على خصومها وتكون قادرة على تحييد أي تهديد لها، أما المحدد الثاني وهو التفوق الاستخباراتي فيعني امتلاك إسرائيل جهاز معلومات (استخبارات) فعال ونشط يوفر لها الإنذار المبكر بما يمكنها من توجيه ضربات استباقية لخصوم إسرائيل ويتيح كذلك الإنذار المبكر لإسرائيل حشد قوات الاحتياط إذ أنها تملك واحد من أفضل أنظمة حشد الاحتياط على مستوى العالم فالقوات النظامية الإسرائيلية هي قوة صغيرة واحترافية لكنها كل الجيش، ونظام التجنيد في إسرائيل يجعل الشعب كله جيشًا في واقع الأمر، وبالتالي ففي حال رصد تهديد يتم تحديده تفصيليا وتقييمه والتعامل معه بالوسائل المناسبة، وهذا التعامل يقتضي الحسم السريع.

وهذا الحسم يكون متأتيًا عبر وجود قوة قادرة على تحييد التهديدات وفي مقدمتها: القوات الجوية وهي الذراع الطولى لإسرائيل، وقوات المدرعات، ووحدات النخبة ثم بقية التشكيلات العسكرية، وتتيح هذه القوة لتل أبيب شن هجمات استباقية للتعامل مع التهديد.

 واعتمدت إسرائيل على مدار تاريخها القصير على الضربات الاستباقية والوقائية، وكلاهما له هدف واحد ويفرق بينهما عنصر الوقت، فالوقت في حالة الحرب الوقائية يكون أطول مما يتيح لها إعداد نفسها لتوجيه ضربات حاسمة للعدو، أما حالة الحرب الاستباقية فعنصر الوقت فيها أقصر، والعدو في هذه الحالة، يكون بدأ بالفعل إعداده لتوجيهات ضربات لإسرائيل ومن ثم تستبق الأخيرة تحركه ضدها بضربة استباقية إجهاضية، والاعتماد على الحرب أو الضربات الاستباقية أو الوقائية يضمن لإسرائيل الاحتفاظ بالمبادأة ويتيح لها تحديد زمان ومكان المعركة وهو ما حرمت منه في الـ7 من أكتوبر 2023.

فعملية طوفان الأقصى هي المرة الأولى منذ العام 1948 التي تضطر فيها إسرائيل لخوض حرب داخل مستوطناتها ومدنها، وهذا مثل ضربة لجوهر نظرية الأمن القومي، ومن ثم جاء الرد الإسرائيلي مبالغًا فيه كي يتيح لتل أبيب تعويض قدر من الردع الاستباقي الذي اتسمت به من قبل.

مظاهرات داخل إسرائيل ضد حكومة نتنياهو - أرشيفية
مظاهرات داخل إسرائيل ضد حكومة نتنياهو - أرشيفية

واقع جديد واستراتيجية لما بعد الـ7 من أكتوبر

وأكدت عملية طوفان الأقصى أن نظرية الأمن القومي الصهيوني التقليدية ليست كافية للحفاظ على الأمن الإسرائيلي وأن الاستراتيجيات الإسرائيلية التي طورتها تل أبيب ومؤسساتها الأمنية، بما فيها الجيش والاستخبارات، فشلت في ردع الخصوم أو إثنائهم عن خوض مواجهة معها.

وعلى مدار العامين التاليين لـ7 من أكتوبر 2023، عملت المؤسسة الأمنية، ومراكز الفكر والأبحاث، وجهات أخرى على التفكير في استراتيجية أمنية جديدة لإسرائيل، وهذه الاستراتيجيات صيغت متأثرة بلحظة انكسار الردع الإسرائيلي في الـ7 من أكتوبر، ولذا فإن قواعد الاشتباك التي صكتها توسعت في تصنيف التهديدات، وأصبح مفهوم قواعد الاشتباك التقليدية أو الضمنية التي صاغت إطار المواجهة بين إسرائيل ومحور المقاومة الإيراني على سبيل المثال، منهارة وهذا من لحظة طوفان الأقصى،  فالعملية كانت استثنائية وارتداداتها تخطت إلى الإقليم ككل، وبالتالي فإن تل أبيب في المرحلة التالية تصرفت بشراسة وخرقت القواعد التقليدية القديمة وسعت للوصول إلى الحد الأقصى وما بعد الحد الأقصى مستفيدةً من قدراتها الذاتية وتحالفاتها الدولية، وفي مقدمتها العلاقة العضوية مع الولايات المتحدة، التي لعبت دورًا محوريا في هذا الأمر.

وبتحليل النهج الإسرائيلي الاستراتيجي، طوال العامين، يتضح أنه انطلق من خيارات صفرية بمعنى أن الحرب الأخيرة كانت حربًا وجودية لإسرائيل فلا مجال للتراجع فيها، ولذا فإن تعاملها مع خصومها أو أعدائها ارتكز على فكرة تحييدهم تمامًا، بغض النظر عن تحقق ذلك في نهاية المطاف من عدم، فمع حزب الله وحركة حماس قامت المقاربة الإسرائيلية على أساس هزيمتهم عسكريًا والانطلاق نحو نزع سلاح كلا الفصيلين وتغيير الوضع الجغرافي عن طريقين أولهما الاحتفاظ بمواقع استراتيجية تتيح للجيش الإسرائيلي السيطرة النيرانية على هذه المناطق، وعدم السماح بعودة السكان إلى الأراضي التي هجروا منها، وفي حالة غزة كان مشروع التهجير هدفا استراتيجيا لإسرائيل لولا أفشله صمود الشعب الفلسطيني على أرضه والتحركات المصرية والعربية والدولية لإجهاضه بما في ذلك مقترح التهجير المسمى بالتهجير الطوعي.

وعلى نفس المنوال، تمارس إسرائيل الضغط على السلطة الفلسطينية وتسعى لتقويضها وإنشاء إدارات محلية كما هو الحال في مقترح إمارة الخليل الذي طُرح، خلال فترة الحرب، توسيع الاستيطان، وهذا تم جزئيًا واستجلب ردود فعل كبيرة من دول عدة، منها دولة الإمارات التي لوحت بالنظر في الاتفاقيات الإبراهيمية إذا ما واصلت إسرائيل استيطانها في الضفة الغربية.

أما مع إيران، فرأت إسرائيل أن تضعف إيران عبر الحرب التي خاضتها ثم تستفيد من حلفائها الدوليين للحفاظ على هذا الوضع والضغط على طهران للحد الأقصى عن طريق إفشال المحادثات النووية وتحفيز إعادة فرض العقوبات عليها، وهو ما تم بالفعل مؤخرا.

إطار أمني قائم على الخوف

والحقيقة أن النهج الإسرائيلي لإدراك الأمن يعكس في جوهره وجود الخوف وحالة الفزع التي تنطلق منها إسرائيل وتصوغ تحركاتها بلا شك، ولذا فإن إسرائيل تواصل البحث عن استراتيجية أو مقاربة أمنية جديدة تقوم على أساس ما تحقق بالفعل منذ الـ7 من أكتوبر، وترى ضرورة تعديل الحدود القديمة- بغض النظر عن أن إسرائيل لم ترسم حدودها رسميا إلى الآن- والاحتفاظ بمناطق أمنية عازلة في جنوب سوريا، وجنوب لبنان، وشمال غزة، والاحتفاظ بالسيطرة على هذه المناطق وعدم الانسحاب منها.

وبما أن الدافع الأساسي لصياغة الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية هو الخوف فإن إسرائيل تقدم الاعتبارات الأمنية على المصالح السياسية، فحتى الاتفاقيات الإبراهيمية التي وقعتها تل أبيب ودول الإمارات والبحرين والمغرب، والتي كانت تحركًا مخططًا من أجل العمل على مزيد من دمج إسرائيل إقليميا وزيادة تعاونها مع الدول العربية والإسلامية، غير أن النهج الإسرائيلي كان يرى تجاوز كل هذا وعدم تقديم أي تنازلات لهذه الدول، ولذا فلم يبالِ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو باتخاذ قرار الهجوم على مكتب حركة حماس في العاصمة القطرية الدوحة، في 9 سبتمبر الماضي، وهو هجوم خصم كثيرًا من رصيد جهود دمج تل أبيب إقليميا وآثار مخاوف حقيقية من الجموح الإسرائيلي وتبعاته على المنطقة.

ومن المؤكد أن هذا الهجوم كانت له تأثيراته ليس على إسرائيل فحسب، بل على الولايات المتحدة الأمريكية أيضًا التي سعت، بعده، لاحتواء آثاره عن طريق إقناع "نتنياهو" بالاعتذار لقطر وإصدار الرئيس دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًا يتعهد فيه بالدفاع عن قطر.

 وبالطبع لم تكن هذه التأثيرات لتغيب عن صانع القرار في تل أبيب قبل اتخاذ قرار الهجوم، لكن الواضح أن إسرائيل أحست في لحظة غرور القوة التي تعيشها أن علاقتها بواشنطن تحجمها بعض الشيء وهي تريد أن لا يكون لها سقف، ولذا نفذت عملية الدوحة، وهذا يعني أن إسرائيل قد تكون بصدد التفكير في إعادة صياغة بعض جوانب العلاقة مع الولايات المتحدة دون الإخلال بالتحالف الاستراتيجي والعلاقة العضوية بينهما، لكن هذا النهج والسعي لصياغة استراتيجية جديدة للأمن القومي الإسرائيلي يعكس في الحقيقة أن تل أبيب تعيش معضلة الأمن وتبالغ في تقدير قدرتها الذاتية على حماية نفسها ولذا لا تبالي بالآخر وكأنها "إسبرطة" القديمة، كما قال نتنياهو، ومع هذا فالتحول لنموذج إسبرطة لا يضمن لإسرائيل البقاء على المدى الطويل، وهو ما تدركه واشنطن وتحاول تجنبه عن طريق الضغط لتعديل السلوك الإسرائيلي، فنهاية إسبرطة كانت الفناء، وهو ما تناسه رئيس الوزراء الإسرائيلي، وهو يواجه المعضلة الأمنية بعد طوفان الأقصى في الـ7 من أكتوبر 2023.

أحمد سلطان*

باحث في الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء