من شرم الشيخ إلى غزة.. اختبار أمريكي لفرض "السلام الاقتصادي" في الشرق الأوسط
تشهد منطقة الشرق الأوسط زخمًا سياسيًا غير مسبوق. اسم مدينة شرم الشيخ يتردد بقوة كمدينة للسلام. يُمثل اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، الذي تم التوصل إليه في 9 أكتوبر 2025، لحظةً محورية، إذ تتميز عن فترات التوقف المؤقتة السابقة في الصراع، من خلال تحوّل مدروس نحو إنهاء الحرب وإرساء سلام مستدام.
يبدو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رجلًا قويًا. أقوى من رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو. وخلافًا لمحاولات السلام السابقة التي غالبًا ما تعثرت، بسبب غياب رؤية شاملة أو التزام راسخ، فإن هذا الهيكل الدبلوماسي الحالي، بقيادة شخصيات مثل ترامب، يُقدّم نهجًا جديدًا.
تُشير خطة ترامب إلى ابتعاد عن الدبلوماسية التقليدية التي تُركّز على الدولة، مستفيدةً من خبرة القطاع الخاص والتركيز على الحوافز الاقتصادية لبناء سلام أكثر مرونة في المنطقة. يهدف هذا الإطار إلى تجاوز الطبيعة الدورية للصراع من خلال ترسيخ الازدهار الاقتصادي كركيزة أساسية للاستقرار، والانتقال من مجرد وقف الأعمال العدائية إلى إنهاء حقيقي للحرب. فهل هذا ممكن؟ بل هل في الاستطاعة تصدير نموذج غزة إلى مناطق صراع أخرى، حول العالم؟!

وجه فلسطيني جديد
إنه تحالف إقليمي جديد. لكل دولة من الدول المشاركة في مؤتمر السلام بشرم الشيخ، أسبابها الاستراتيجية والاقتصادية الفريدة للحفاظ على السلام. لأول مرة في تاريخ المنطقة المضطرب، تميل الحسابات الاقتصادية بشكل قاطع نحو جهود إنهاء الصراع الطويل. الحجم الهائل لإعادة الإعمار المطلوبة في غزة، والمقدر بعشرات المليارات من الدولارات، على مدى العقد المقبل، يُمثل فرصة اقتصادية غير مسبوقة. تحتاج مثل هذه الخطوة الكبيرة لرجل سياسة فلسطيني يؤمن بحل الدولتين، ولديه القدرة على توحيد غزة والضفة الغربية في بلد موحد.
يتردد بقوة، في أوساط فلسطينية وإسرائيلية، إن هذا الرجل هو السجين لدى إسرائيل، مروان البرغوثي، كما يقول غرشون باسكين، مديرٌ شؤون الشرق الأوسط في منظمة المجتمعات الدولية. البرغوثي قد يكون المفتاح للاستقرار والأمن بين إسرائيل والفلسطينيين. لكن باسكين يضيف أنه من الواضح أن إسرائيل لن تطلق سراح البرغوثي، في صفقة تبادل الأسرى، كما تريد حماس!
التقاء مصالح
يرتكز وقف إطلاق النار الحالي على توافق إقليمي واسع وغير مسبوق، يجمع جهات فاعلة متنوعة مثل مصر وقطر وتركيا والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
يشكل التقاء المصالح هذا، أساسًا قويًا لاستمرار وقف إطلاق النار، مدفوعًا بالاعتراف الجماعي بأن غزة المستقرة والمزدهرة تخدم المصالح الاستراتيجية والاقتصادية للمنطقة بأكملها. هذا يحتاج لظهير سياسي بطبيعة الحال. وأغلب الظن أن خطوة كهذه لم تغب عن أذهان المشاركين في المؤتمر الدولي بشرم الشيخ. ومرة أخرى، وفقاً لرؤية باسكين - التي سبق وطرحها على رئيس الشاباك الإسرائيلي، رونين بار – يمكن التفكير في البرغوثي!
إذا تحقق السلام، وفقًا لأي رؤية، فمن المتوقع أن تُصبح إعادة إعمار غزة محفزًا اقتصاديًا عالميًا هامًا، دافعةً الطلب في مختلف القطاعات. وسيتطلب حجم إعادة الإعمار الهائل سلاسل توريد واسعة النطاق للصلب والإسمنت والخدمات الهندسية والبنية التحتية للطاقة والخدمات اللوجستية.
إلى جانب إعادة الإعمار الفوري، تشمل الرؤية الخاصة بغزة تأهيل بنية تحتية متطورة، وتعزيز المدن الذكية، والموانئ الجديدة، ومحطات تحلية المياه المتطورة، وتقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في مجال الأمن والطائرات بدون طيار.

ويهدف هذا التحول الطموح إلى جعل غزة بمثابة دبي أو سنغافورة في شرق البحر الأبيض المتوسط، مركزًا حيويًا للتجارة والابتكار والنشاط الاقتصادي في بلاد الشام، يجذب الاستثمارات الأجنبية والمواهب.
ضمان السلام
يعتمد استمرار وقف إطلاق النار هذا على إطار إداري مُهيكل بدقة، مُصمم للحد من المخاطر وتعزيز الاستقرار. ومن أهم مكوناته قوة الاستقرار الدولية المقترحة، التي تضم مساهمات من مصر وقطر وتركيا والإمارات العربية المتحدة.
تُكلَّف هذه القوة بضمان استقرار الوضع الأمني في غزة، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، والإشراف على عملية إعادة الإعمار. داخليًا، ستتولى الشرطة الفلسطينية مسؤولية الحفاظ على الأمن والنظام في المناطق التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي، مما يُمهد الطريق لعودة السلطة الفلسطينية وتعزيز سيادة القانون.
ويتعزز الدور الاستشاري الأمريكي بشكل أكبر من خلال إنشاء مركز تنسيق مدني-عسكري. سيُنسِّق هذا المركز الجهود بين مختلف الأطراف، ويُقدِّم المشورة الفنية، ويضمن فعالية العمليات الإنسانية والإغاثية، حيث يُقدِّم الجنود الأمريكيون الدعم دون مشاركة قتالية مباشرة في قطاع غزة.
هذا الوجود الأمني الدولي والمحلي القوي، إلى جانب نشر 200 جندي أمريكي لضمان تنفيذ الخطة، يوفر نفوذًا أمريكيًا قويًا لمنع أي انهيار محتمل للاتفاق. إن المجتمعين في شرم الشيخ، سيبحثون عن رجل فلسطيني قوي، قادر على جمع شمل كل الفلسطينيين، وفي الوقت نفسه يحظى بالرضا، ولديه الاستطاعة على كسب ود الإسرائيليين والأمريكيين، فيما يتعلق بحل الدولتين.
لاحظ أن المتطرفين الإسرائيليين - مثل الوزيرين بن غفير وسموتريتش - لا يؤمنون بأي وجود فلسطيني. ولا يقبلون إلا بدولة واحدة، على كامل الأراضي المحتلة، هي إسرائيل، ويخشون من خروج مروان البرغوثي في أي صفقة تبادل. هنا يسود الاعتقاد بأنه سيكون على الأمريكيين الاستمرار في الضغط على حكومة إسرائيل، من أجل الموافقة على السلام، وفي القلب منه حل الدولتين!
مع ذلك يظل العنصر الأكثر فعالية لاستدامة السلام، والذي يعمل كقاطرة، مرهوناً بالمشاريع الاقتصادية نفسها، التي تُعدّ بمثابة آلية ضمان فعّالة للخروج من المأزق. ومع تزايد استثمار أصحاب المصلحة في إنعاش غزة الاقتصادي، يتنامى الاهتمام الجماعي بالحفاظ على السلام، مما يخلق دورةً مترابطةً من الاستقرار والازدهار.

مخاطر جسيمة
على الرغم من الإطار الواعد، إلا أن هناك عدة مخاطر جسيمة تُهدد الاستقرار طويل الأمد لوقف إطلاق النار في غزة، خاصة إذا لم يوجد بديل لكل من السلطة الفلسطينية الضعيفة في الضفة الغربية، وإذا استمرت حماس في إدارة القطاع. يكمن الحل في تشكيل قيادة فلسطينية تكنوقراطية، خالية من الفساد المرتبط بالإدارات السابقة، ومستقلة عن السيطرة الأجنبية.
يجب أن تكون هذه القيادة الفلسطينية الجديدة قادرة على إدارة جهود إعادة الإعمار بشفافية، وتعزيز النمو الاقتصادي، وبناء الثقة بين السكان، مما يضمن توزيع ثمار السلام على نطاق واسع والشعور الحقيقي بها لدى سكان غزة.
تتمثل الفرضية الأساسية لنموذج "هيكل السلام الاقتصادي". صُمّم هذا الهيكل لربط المصالح الاقتصادية لجميع الأطراف، مما يجعل الصراع غير قابل للاستمرار اقتصاديًا. تشمل المكونات الرئيسية التخصيص الاستراتيجي لعائدات الغاز من حقل غزة البحري، وعقود إعادة إعمار ضخمة تُفيد الشركات الإقليمية والدولية، وإنشاء مراكز تجارية تُدمج غزة في اقتصاد شرق البحر الأبيض المتوسط الأوسع.
لا يقتصر السلام، في هذا النموذج، على غياب الحرب فحسب، بل يُستدام بفعالية من خلال آليات تقاسم الأرباح، وتعزيز أمن الطاقة في المنطقة، وتكامل عميق للبنية التحتية. كلما استثمر العالم في النهوض الاقتصادي في غزة، أصبح احتمال الحرب أقل، لأن المصلحة الجماعية في ازدهارها تخلق رادعًا قويًا ضد الصراع.
تطبيق النموذج
نجاح نموذج السلام الاقتصادي في غزة يحمل في طياته إمكانية إحداث تأثير تموج عالمي عميق. وإذا أثبت هذا النموذج فعاليته، فقد يُشكل نموذجًا يُحتذى به لبناء السلام في مناطق نزاع أخرى طال أمدها، مثل أوكرانيا واليمن والسودان وليبيا. كما سيُثبت بشكل قاطع أن الاستثمار في مرحلة ما بعد الحرب، إذا ما وُظّف بشكل استراتيجي، يُمثل أداة فعّالة للاستقرار الجيوسياسي، قادرة على تحويل المناطق المدمرة إلى محركات للنمو.
غزة ليست مجرد التزام إنساني؛ بل تُمثل اختبارًا حاسمًا لبناء السلام في القرن الحادي والعشرين من خلال القوة الاقتصادية. ولا يُمكن للعالم أن يتحمل فشل نموذج السلام الاقتصادي. إن نجاحها سيُثبت صحة نهجٍ عملي جديد لحل النزاعات المستعصية، مُثبتًا أن السلام المستدام يُمكن أن يُبنى على أساسٍ من الرخاء الاقتصادي المشترك والمصالح المشتركة.
يعد مؤتمر شرم الشيخ للسلام، حالة اختبار لبناء السلام في القرن الحادي والعشرين، من خلال القوة الاقتصادية. إن المخاطر كبيرة، لكن المكافآت المُحتملة - غزة مستقرة ومزدهرة، ونموذجٌ قابلٌ للتكرار للسلام العالمي - لا تُحصى.
شريف الحلوة، صحفي، يكتب في عدد من الصحف الدولية منها، ذا تايمز أوف إسرائيل، وجيروزاليم بوست ، وواشنطن تايمز، وغيرها.
عبد الستار حتيتة، صحفي مصري يكتب عن التحويلات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.



