بين العجز الداخلي والطموح الخارجي.. أوروبا تبحث عن دور في غزة
في لحظة إقليمية حرجة عنوانها السلام في الشرق الأوسط، تُعد قمة شرم الشيخ التي تستضيفها مصر بمشاركة عدد من القادة الأوروبيين، اختبارًا حقيقيًا لقدرة أوروبا على الفعل الجيوسياسي وسط أعباء داخلية متصاعدة، إذ تسعى أوروبا إلى تجاوز الضغوط الداخلية والأزمات الخارجية، والمشاركة في حدث لا يمكن حصره في مستقبل غزة فحسب، بل تتجاوز مضامينه لتطال الأمن، الهجرة، الطاقة، والشرعية الدولية.
ورغم أن السياسة الخارجية لا تبدو أولوية أوروبية، مع ذلك، فإن الشرق الأوسط يفرض نفسه كقضية لا يمكن تجاهلها، خاصة في ظل انفجار الوضع في غزة، والمخاوف من تداعيات أمنية وإنسانية مباشرة على السواحل الجنوبية لأوروبا.

أوروبا على مفترق طرق
الأزمات التي تعصف بالقارة العجوز تجعلها ليست في أفضل حالاتها على الإطلاق، فاقتصاداتها تتباطأ، التضخم لا يزال يؤرق المواطن، وحرب أوكرانيا تستنزف الموارد والاهتمام السياسي، إلى جانب ذلك، يقف اليمين المتطرف على أعتاب الحكم في أكثر من عاصمة، حاملًا خطابًا منغلقًا يناهض الانخراط الخارجي، ويدعو للتركيز على الداخل، خصوصًا في ملفي الهجرة والهوية.
على الصعيد الاقتصادي، يشهد الاتحاد الأوروبي تباطؤًا في النمو، حيث سجل معدل النمو 0.7% فقط في الربع الثاني من 2025، وسط تضخم بلغ 6.1%، ما يُثقل كاهل الأسر والشركات خصوصًا مع ارتفاع أسعار الطاقة بعد تقلص واردات الغاز الروسي بنسبة تجاوزت 40% خلال العامين الماضيين.
من جهة أخرى، تصاعد موجات اليمين المتطرف في دول مثل فرنسا وإيطاليا وألمانيا، حيث حصلت أحزاب يمينية على نسب مقاعد قياسية في البرلمانات، مستفيدة من موجات الغضب الشعبي تجاه قضايا الهجرة وتراجع الخدمات الاجتماعية.
كما أن الحرب في أوكرانيا استنزفت جزءًا كبيرًا من الميزانيات الأوروبية، مع تخصيص حوالي 40 مليار يورو للمساعدات العسكرية والإنسانية، مما قلّص الموارد المتاحة للتدخلات الخارجية في مناطق أخرى كشرق المتوسط والشرق الأوسط.
هذا المزيج من التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية يشكل جدارًا حاجزًا أمام أوروبا، ويجعل أي دور فعال في الشرق الأوسط مرهونًا بمدى نجاحها في معالجة أزماتها الداخلية أولًا.

قارة منشطرة.. مصالح مشتركة، أولويات متباينة
يبدو أن أوروبا ليست لاعبًا موحدًا في الشرق الأوسط، بل مجموعة من الدول التي تحاول إدارة توازناتها الخاصة تحت مظلة موقف أوروبي مشترك هشّ، فمثلًا يرغب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في تكريس دور باريس كوسيط دولي، متسلحًا بثقل تاريخي في لبنان وسوريا، ودعوات متكررة لحل الدولتين، فيما تركز ألمانيا على الحلول الإنسانية، لكن دون انخراط ميداني واسع، بحكم حساسية الداخل الألماني تجاه الالتزامات العسكرية الخارجية.
في السياق ذاته، تشارك رئيسة وزراء إيطاليا، لتلاشي ملف الهجرة قبل أي شيء آخر، إذ تبحث روما عن ضمانات تعاون مع دول الجنوب لوقف تدفقات المهاجرين، كذلك يظهر كير ستارمر، رئيس وزراء المملكة المتحدة في أول اختبار دولي له بعد فوزه، ويرغب في تقديم لندن كداعم للسلام، مع تجنب الانزلاق في تناقضات الشرق الأوسط.
فيما يمثل بيدرو سانشيز، رئيس وزراء إسبانيا، وأنطونيو كوستا رئيس المجلس الأوروبي، الخط الأوروبي الذي يدعو لحل شامل قائم على القانون الدولي، مع التركيز على المساعدات والتنمية.
الدور الأوروبي في دعم غزة: رؤية شاملة للتنمية والسلام
يمكن لأوروبا أن تلعب دورًا حيويًا في غزة، كشريك محوري في تقديم تمويلات وبرامج تنموية تستهدف بناء بنية تحتية متينة، وتعزيز القطاعات الإنتاجية مثل الزراعة والصناعة الصغيرة، وتشجيع روح ريادة الأعمال بين الشباب، مما يسهم في تخفيف البطالة ورفع مستوى المعيشة بشكل مستدام.
في الوقت ذاته، تبقى المساعدات الإنسانية والطبية من أولويات التدخل الأوروبي، حيث تقدم أوروبا دعماً مباشراً للمستشفيات والمؤسسات الصحية، بالإضافة إلى توفير الأدوية والمعدات الطبية، ودعم برامج التدريب الطبي. هذه الجهود تساعد في التخفيف من المعاناة اليومية للسكان، وتحسين قدرة النظام الصحي على التعامل مع الأزمات المتكررة.

على الصعيد السياسي، يمكن لأوروبا أن تعمل كوسيط دبلوماسي محايد يدعم مبادرات السلام والحوار بين الأطراف المختلفة في النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي. بفضل ثقلها الدولي وعلاقاتها المتعددة، تستطيع أوروبا دفع عملية التفاوض نحو حلول سياسية تركز على تحقيق حقوق الفلسطينيين ورفع الحصار عن غزة، مما يساهم في خلق بيئة أكثر استقراراً وأملاً للمستقبل.
كما يمثل دعم المجتمع المدني وحقوق الإنسان محوراً آخر يمكن لأوروبا تطويره عبر تمويل المشاريع التي تعزز الوعي الحقوقي، والتعليم المدني، وتمكين الشباب والمجتمعات المحلية. هذا الدعم يسهم في بناء قاعدة مجتمعية قوية قادرة على المساهمة الفاعلة في عملية السلام والتنمية، ويعزز قيم التعايش والاحترام المتبادل.
المخاوف الأوروبية من دعم غزة: توازن دقيق بين التنمية والأمن
تواجه أوروبا تحديات كبيرة ومخاوف متعددة عند تقديم الدعم لغزة، بسبب تعقيدات الواقع السياسي والأمني في المنطقة. من أبرز هذه المخاوف هو احتمال وصول المساعدات إلى أيدي جماعات مسلحة مما قد يؤدي إلى تعزيز أنشطة مسلحة أو إرهابية تزيد من حدة النزاع وتزعزع الأمن الإقليمي والدولي. هذا الأمر يجعل أوروبا حذرة في كيفية إدارة الدعم لضمان عدم استغلاله لأهداف سياسية أو أيديولوجية تعرقل التنمية الحقيقية.
بالإضافة إلى ذلك، هناك قلق من أن أي دعم غير محسوب قد يُفسر كتحيز لطرف على حساب آخر، مما قد يؤدي إلى تفاقم التوترات في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، ويقوض جهود السلام والاستقرار التي تسعى أوروبا لتحقيقها.
كما أن استمرار النزاعات يثير مخاوف مرتبطة بالأمن الداخلي الأوروبي، خاصة مع احتمال زيادة أعداد اللاجئين والمهجرين، الذين قد يسعون للوصول إلى أوروبا، ما يضيف أعباءً على أنظمة الهجرة والأمن.
تُضاف إلى ذلك تحديات لوجستية كبيرة تتمثل في صعوبة ضمان وصول الدعم مباشرة وبشفافية إلى المستفيدين هذه العوامل تجعل أوروبا تتعامل بحذر مع دعم غزة، في محاولة للحفاظ على توازن دقيق بين تحقيق أهداف التنمية وتحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي، مع الحفاظ على علاقاتها مع إسرائيل وحلفائها في المنطقة داخل غزة.



