رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مَن انتصر في غزة؟ حماس وإسرائيل بين النصر العسكري والهزيمة المعنوية

عناصر حركة حماس-
عناصر حركة حماس- أرشيفية

عامين كاملين من الحرب المتواصلة على جبهات متعددة، هكذا كانت حرب غزة الأخيرة التي اندلعت إثر الهجوم المفاجئ الذي شنته كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، على المستوطنات الإسرائيلية المحيطة بقطاع غزة (غلاف غزة) في الـ7 من أكتوبر 2023، وهي العملية التي سمتها الفصائل الفلسطينية بطوفان الأقصى وقادت لتغيير موازين القوى الإقليمية قبل أن تتوقف أخيرًا بعد الاتفاق الذي وقعته الفصائل والحكومة الإسرائيلية في مدينة شرم الشيخ برعاية مصر قطرية أمريكية تركية.

وضعت الحرب أوزارها إذًا، على الأقل في اللحظة الحالية، مانحةً كل طرف من الأطراف المنخرطة فيها فرصة لادعاء الانتصار، فالجانب الإسرائيلي المتفوق عسكريًا على أرض الواقع يرى أنه حقق انتصارًا كبيرًا، وحماس والفصائل الفلسطينية ترى أنها حققت نصرًا من زاوية أخرى هي إفشال المخطط الإسرائيلي الرامي لتصفية القضية الفلسطينية، وبين هذا وذاك تباين في الرؤى والقناعات والادعاءات بشأن النتيجة التي أفضت إليها الحرب الإسرائيلية الأطول ضد الفلسطينيين منذ الاحتلال في عام 1948.

المقاومة الفلسطينية - أرشيفية
المقاومة الفلسطينية - أرشيفية

وفي الواقع فإن مفهومي النصر أو الهزيمة من الناحية العملية كلاهما نسبيان قد يكثر النقاش والمحاججة بشأنهما لا سيما  في الحروب اللاتناظرية التي يتواجه فيه جيش مع فاعل من غير الدولة كحالة التنظيمات المسلحة ومنها الفصائل الفلسطينية، وبشكل عام أدت تعقيدات الحرب الحديثة، التي تتداخل فيها العديد من الجوانب، إلى عدم تحديد مفهوم نهائي للنصر أو الهزيمة وغالبًا ما تنتهي الحروب النظامية بين دولتين أو جيشين بانتصار أحدهما واستسلام الآخر، وهذه الحالة هي حالة نصر لا جدال فيها يستطيع فيها المنتصر فرض إرادته وشروطه على خصمه المنهزم، أما الحالة الثانية فتنتهي الحرب فيها باتفاقية وقف إطلاق نار بوساطة طرف ثالث، وقد تتدخل منظمة دولية كمجلس الأمن أو منظمة إقليمية، على حسب الإقليم ومدى فاعلية هذه المنظمة، وتفرض وقف إطلاق النار، وفي حالة وقف الحرب بصفقة أو بقرار أممي أو من منظمة دولية أو إقليمية أخرى، فيُمكن لأي طرف من المتحاربين أن يصوغ سرديته الخاصة لنصره أو لهزيمة الطرف الآخر وقد تكون تلك السردية مبنية على أساس فكرة منع خصمه من إدراك أهدافه.

مفهوم النصر والفوز

وبهذا فإن النصر يبقى مفهومًا قلقًا أو إشكاليًا لا يمكن حسمه بصورة واضحة في كل الأحوال، فقد  تعتبر دولة أو طرف معين أنها انتصرت ويعتبر خصمها نفسه كذلك أيضًا، وأقرب مثال لهذه الحالة، وهو مرتبط أيضًا بتقييم حرب غزة، حالة حزب الله وإسرائيل بعد الحرب الأخيرة التي انتهت باتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، فالحزب الذي تلقى ضربات قوية للغاية قوضت قيادته العليا وأطاحت بأهم رمز كاريزمي له وهو أمينه العام حسن نصر الله يدعي النصر في المعركة المسماة من طرفه بـ"أولي البأس"، والإسرائيليين يقولون إنهم انتصروا وحققوا إنجازات غير مسبوقة وأضعفوا حزب الله بعد أن شكل تهديدًا وصداعًا مزمنًا لإسرائيل.

جيش الاحتلال الإسرائيلي- أرشيفية
جيش الاحتلال الإسرائيلي- أرشيفية

وبغض النظر عن تقييم الحرب الأخيرة بين الحزب وإسرائيل، فإن هذا المثال يدلل على مشكلة الحسم بنتيجة النصر أو الهزيمة، وهناك أمثلة أخرى كثيرة ففي فيتنام حققت الولايات المتحدة الأمريكية نصرًا تكتيكيا وهُزمت استراتيجيًا، وكانت النتيجة لصالح الفيت كونغ في نهاية المطاف، وكذلك في أفغانستان التي شهدت الحرب الأمريكية الأطول والتي استمرت 20 عامًا وبدأت بهدف الإطاحة بتنظيم القاعدة، لتنفيذه هجمات 11 سبتمبر 2001، ثم تحولت لإسقاط نظام إمارة طالبان وإنشاء نظام بديل حليف للولايات المتحدة واستثمرت واشنطن في هذا الهدف الأخير طويلًا، وأخيرًا اضطرت للانسحاب في 2021، وانهار النظام الحليف لها في كابل في سويعات معدودة وبالتالي فإن النصر الأمريكي التكتيكي في بداية الحرب انتهى بهزيمة استراتيجية ثقيلة بعد عقدين من الزمان.

ولعل هذا الأمر، يدفعنا للتمييز بين الفوز والنصر، فقد تُحرز الدولة أو الفاعل من غير الدولة فوزًا عسكريًا لكن إدراك النصر فضلًا عن النصر الكامل يبقى أمرًا آخر، وخاصةً إذا كانت الحرب لا تناظرية أو حرب عصابات يستطيع الطرف الأضعف فيها أن يجادل بأنه بقيّ ولم ينتهي ولم يفقد إرادة القتال.

والحرب في جوهرها إرادة القتال، فبفقدها ينهزم الخصم، لأن الحرب، كما تُفهم استراتيجيا باعتبارها امتدادًا من للسياسة  بوسائل أخرى، هي صراع إرادات ينتصر فيها من يفرض إرادته على الآخر ويحقق فيها أهدافه كاملة، ولعل مراجعة الحروب التي شهدها الربع الأول من القرن الواحد والعشرين بدءً من حرب أفغانستان 2001، وحرب العراق 2003، وحرب لبنان 2006، وحروب غزة السابقة 2008، و2012، و2021، وحرب إيران 2025 وغيرها، يبرهن أن أي طرف من الأطراف المنخرطة في هذه الحروب لم يحقق النصر الكامل بمعنى فرض إرادته المطلقة وتحقيق كامل أهدافه بما يؤدي لانهيار خصمه واستسلامه، ولذا فحسابات المعارك الصفرية إما نصر كامل أو هزيمة كاملة، لا يمكن تطبيقها على هذه الصراعات.

جيش الاحتلال الإسرائيلي- أرشيفية
جيش الاحتلال الإسرائيلي- أرشيفية

لأن النصر، بمفهومه الأوسع، لا يعني هزيمة قوات العدو أو جيشه فقط، بل يشمل تحقيق الهدف المرسوم للحرب من البداية وهذا الهدف يكون هدفًا سياسيًا بالأساس، وبالطبع هذا لا يعني نسيان أن للنصر مستويات تكتيكية وعملياتية واستراتيجية ولكل منها منظوره ومعاييره، لكن إذا نظرنا من منظور الاستراتيجية الكبرى فإن النصر الحاسم أو الكامل لا يتعلق فقط بالفوز بالحرب، بل بالفوز بالسلام أيضًا، والبناء على مخرجات هذه الحرب لعدم الإضرار بالسلام مستقبلًا، وبدون ذلك فلا يمكن احتساب أن الطرف دولةً كان أو فاعلًا من غير الدولة حاز نصرا كاملا دون ذلك، أما النصر النسبي فممكن، وهذا النصر النسبي يمكن تسويقه من قبل من حازه بأنه إدراك لأهداف الحرب التي شنها أو شُنت عليه.

حماس.. الأيديولوجيا تُعمي عن إدراك الاستراتيجية

وبالانتقال من العام إلى الخاص، وتحديدًا لحرب غزة الأخيرة التي بدأتها حركة حماس في 7 أكتوبر 2023، باعتبارها بدءً لمعركة التحرير، حسبما قالت الحركة في العديد من موادها الدعائية التي نشرتها منذ الساعات الأولى لبدء عملية طوفان الأقصى، نجد أن الحركة بنيت تحركها على أساس قراءة استراتيجية خاطئة للعدو، بغض النظر عن المبالغات الدعائية التي لم ترتقِ إلى حد بناء سردية متماسكة تحدد الأهداف النهائية للعملية.

ففي البداية، قالت الحركة إن هذه العملية تأتي لتعطيل مسار اتفاقية التطبيع المحتملة بين المملكة العربية السعودية، وردًا على التجاوزات في المسجد الأقصى، ورغبةً في تحرير الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، ومن فرط الثقة في اللحظات الأولى للعملية قالت إنها ستبيض السجون الإسرائيلية بمعنى أنه لن يبقى فيها أسير فلسطيني واحد.

ووفق ما تكشف لاحقًا فإن الحركة بنت تصورها للمعركة، على أساس مخرجات حرب العام 2021، وتطبيق مبدأ وحدة الساحات مع فصائل محور المقاومة الإيراني بحيث يشارك فيها حزب الله من جنوب لبنان، والفصائل العراقية الولائية من العراق، وجماعة الحوثي من اليمن، وتتحرك الخلايا المُجندة بالتنسيق مع الحركة في لبنان والأردن للانضمام لهذه المعركة، وتلعب إيران دور الدعم والمساندة بحيث تكون المعركة متعددة الجبهات مما سيؤدي إلى استنزاف العدو والقضاء عليه، ولهذا الغرض فإن قائد هيئة أركان كتائب القسام، محمد الضيف، قال في خطابه الذي بثه الإعلام العسكري للقسام: "من كانت عنده بندقية فليخرجها فاليوم قد جاء وقتها".

وافترضت حركة حماس أن الضفة الغربية وعرب الـ48 في داخل إسرائيل سيتحركون في هذه المعركة وبهذا فإن الجبهة الداخلية الإسرائيلية ستتشظى ولن تتمكن إسرائيل من خوض حرب طويلة لأن هذا سيعني استنزافها، ويبدو أن الحركة الفلسطينية لم تدرس الموقف الإقليمي والدولي بالصورة المناسبة كما أن تقديرها لقوة العدو الذاتية شابه الخطأ، وهذا نتيجة قراءة استراتيجية شائعة وخاطئة للعدو تفترض أنه لن يتمكن من خوض حرب طويلة، وهذه القراءة تتناسى القدرات الإسرائيلية الذاتية في الأمن والدفاع، وتقلل من شأن الدعم الأمريكي المتواصل لتل أبيب، وكما تقول دروس الاستراتيجية فإن القراءة الاستراتيجية الخاطئة للعدو لطالما قادت إلى كوارث على أرض الواقع.

وبناءً على تلك القراءة، بدأت الحركة عمليتها في أكتوبر 2023 مستلهمة النص القرآني "ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون"، سورة المائدة- 23، وهذا الإسقاط أرادت به الحركة الربط بين هدف العملية وواقعها على الأرض، إذ رأت أنها تبدأ معركة التحرير من منظورها.

واستطاعت الحركة تحقيق إنجازٍ استراتيجي في اليوم الأول للصراع وهو ضرب نظرية الأمن القومي الصهيونية القائمة على فكرة الردع الاستباقي المستقاة من أطروحات فلاديمير جابوتنسكي، ملهم الحركة الصهيونية عمومًا ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خصوصًا، وهذه  النظرية تعتمد على التفوق العسكري والأمني والاستخباراتي الإسرائيلي وقدرة تل أبيب على المبادأة وفرض الحرب على عدوها في الزمان والمكان الذي تريده وهذا المكان خارج أراضيها بما يعني قدرتها على الدفاع عن نفسها بشكل فعال، وجاءت عملية طوفان الأقصى لتضرب هذه النظرية في مقتل، وتصيب واحد من أهم أركانها وهو التفوق الاستخباراتي الذي تسوقه إسرائيل إقليميا وعالميا بأنه ليس له نظير وأيضًا قدرتها على الدفاع وفرض المعركة في الزمان والمكان المناسبين لها، وهذا أثر بشدة على المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ككل وعلى مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي، بشكل خاص، وهذا المجتمع الاستخباراتي يعتبر أن 7 أكتوبر 2023 مثل زلزالا في قلب المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ككل لأنه أعاد التأكيد على الفشل الاستخباراتي الإسرائيلي من جديد بعد أن عملت تل أبيب على مدار عقود لتمحو أثر الفشل الاستخباراتي الذي تعرضت له في 6 أكتوبر 1973 حين باغتتها مصر وسوريا في حرب أكتوبر وأنهت أسطورة الجيش الذي لا يقهر.

المقاومة الفلسطينية- أرشيفية
المقاومة الفلسطينية- أرشيفية

وربما كان هذا الفشل، مع ما أثاره من خوف عميق في قلب الشخصية الإسرائيلية المتوجسة بطبعها، سبب التوحش الإسرائيلي الكبير على مدار العامين التاليين، فإسرائيل سعت لـ"كي الوعي" الفلسطيني وهو المصطلح الذي صاغه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي (سابقا) موشيه يعلون ويعبر عن ضرورة دفع الفلسطينيين المدنيين ثمن العمليات ضد إسرائيل لمحاولة خلق نوع من الردع المعنوي في نفوسهم يحول دون شنهم هجمات أخرى ضد إسرائيل، وهذا يتشبه جزئيًا مع "عقيدة الضاحية "التي استخدمها الجيش الإسرائيلي في حرب لبنان 2006 حين عمد لاستهداف المدنيين للضغط على حزب الله وقيادته العسكرية ورفع تكلفة أي عمل ضد تل أبيب. 

على المستوى العسكري

في المقابل، تعرضت حركة حماس، على مدار نحو عامين،  إلى استنزاف على جميع المستويات بدءً من النزيف القيادي ومقتل أبرز قادتها العسكريين كمحمد الضيف ونائبه مروان عيسى وخليفته محمد السنوار، ومقتل قادتها السياسيين على رأسهم رئيس المكتب السياسي لها إسماعيل هنية ونائبه صالح العاروري، والرئيس التالي للمكتب السياسي يحيى السنوار، والمسؤول عن الإدارة المدنية في الحركة خلال فترة الحرب المعدود كرئيس وزراء حماس روحي مشتهي وقائمة كبيرة تطول من قيادات الصفين الأول والثاني والثالث، فضلا عن آلاف المقاتلين من وحداتها وكتائبها المختلفة، وتدمير قدراتها العسكرية الهجومية إلى حد كبير للغاية بما في ذلك الصواريخ الهجومية القادرة على الوصول إلى تل أبيب والقدس، وخسارتها العديد من معامل ومنشآت إنتاج الأسلحة وتدمير واسع في شبكة الأنفاق الخاصة بها داخل قطاع غزة، وتدمير القطاع نفسه ولا سيما الشمال ومدينة غزة.

وكمحصلة للحرب، خرجت حماس من السلطة المسؤولة عن إدارة القطاع في المرحلة التالية للحرب بناءً على الاتفاق المبرم أخيرًا لوقف إطلاق النار، ولم تتمكن من إطلاق سراح كل الأسرى في السجون بل زاد عليهم آلاف آخرين من بينهم كوادر قيادية وتنظيمية بارزة منهم مقاتلين في وحدة النخبة القسامية، وهذا وغيره يعني أن الحركة لن تكون قادرة على الانخراط في حرب جديدة لسنوات طويلة، فالعودة بالحركة إلى نفس جاهزيتها التي كانت عليها في الـ6 من أكتوبر 2023، أي في اليوم السابق للحرب سيحتاج إلى سنوات طويلة قد تصل إلى 20 عامًا بفرض توافر الإرادة والموارد وجود تسهيلات لوجستية تضمن وصول السلاح المهرب للحركة وهذا أمر عسير بعد تشديد الخناق عليها وتعطيل كثير من الشبكات المسؤولة عن التهريب لها.

على المستوى الشعبي

وعلى المستوى الشعبي، يظهر وجود حالة غضب كبيرة ضد الحركة بعد عامين من حرب إبادة شرسة شنتها إسرائيل على القطاع، ولذا فإن حسابات تقييم الأضرار بالنسبة للحركة الآن تشير إلى تراجع واضح في شعبيتها وقدراتها التنظيمية ومواردها المالية وإمكانيتها لإعادة بناء نفسها، وستحتاج الحركة إلى سنوات طويلة لإعادة بناء تنظيمها الداخلي دون حتى الحديث عن التنظيم العسكري الخاص بكتائب القسام، ويتوقع أيضًا أن تشهد انشقاقات وخلافات قيادية على مستويات عدة بسبب آلية اتخاذ القرارات التي قادت لاتخاذ قرار بحجم السابع من أكتوبر دون دراسة حقيقية له أو إشراك لكل أعضاء المكتب السياسي في اتخاذه، فالمتاح من معلومات وشهادات يقول إن بعضهم عرف بأن هناك عملية دون أن يعرف حجمها وماهيتها على الحقيقة، ولا ننسى أن الحركة نفسها تتكون من تيارات تتباين رؤيتها السياسية وتوجهاتها التنظيمية وهذا سيؤثر بلا شك عليها في المرحلة المقبلة.

والنتيجة الماثلة أمام حماس وقواعدها الشعبية المتبقية الآن وأمام العالم كله، أن الحركة دخلت يوم الـ7 من أكتوبر 2023 وهي تحكم قطاع غزة ولديها تنظيم عسكري عالي التدريب والتجهيز، وخرجت منه وقد خلخلت قيادتها العليا سواءً العسكرية أو السياسية وقوض تنظيمها العسكري (كتائب القسام) إلى حد كبير، ودمر قطاع غزة الذي يحتاج لأكثر من 50 مليار دولار من أجل إعادة إعماره على فرض تيسير عملية إعادة الإعمار وعدم إعاقتها من جانب إسرائيل أو استئناف العمليات العسكرية في أي لحظة تحت أي ذريعة، وأُعيد احتلال مناطق منه مرة أخرى لأول مرة منذ فك الارتباط والانسحاب الإسرائيلي من غزة عام 2005، وهي مناطق ستبقى خاضعة للجيش الإسرائيلي ضمن المنطقة الأمنية العازلة التي يُحددها مقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فضلا عن محور صلاح الدين/ فلادلفي، وهذا بافتراض أن الجيش سيواصل الانسحاب بعد المرحلة الأولى من الاتفاق إلى ما بعد الخط الأصفر الذي سينسحب له في المرحلة الأولى.

ولا نُنكر في إطار ما سبق، أن ما تبقى من مفارز ومقاتلي كتائب القسام المرابطين في ما تبقى من عقدهم القتالية، وهي مواقعهم السرية التي تُشبه قواعد ارتكاز وانطلاق عملياتية، أبدعوا على المستوى التكتيكي وخاضوا اشتباكات عديدة مع القوات الإسرائيلية بشجاعة في مختلف مناطق غزة، وحققوا بعض النجاحات التكتيكية على مدار سنتين كاملتين، غير أن هذا الفعل التكتيكي لم يؤثر على المستوى العملياتي (مستوى الحملة العسكرية ككل) أو الاستراتيجي المرتبط بالأهداف الأبعد لحماس وكل فعل تكتيكي ليس له إطار استراتيجي يمكن البناء عليه فلا يُعول عليه، ولذا فإن القول بإن الحركة هزمت ليس شططًا أو تحيزًا ضدها، وإن كانت لم تُهزم الهزيمة الكاملة التي حددها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كهدف للحرب من جانبه لأنها تمكنت من الصمود حتى نهاية الحرب، التي توقفت الآن، على الأقل مرحليا وإن لم تنتهِ المواجهة تمامًا، وهذا يُحسب للحركة بلا شك وللفصائل الفلسطينية ككل.

جيش الاحتلال الإسرائيلي- أرشيفية
جيش الاحتلال الإسرائيلي- أرشيفية

إسرائيل.. نجاحات حاسمة وخسارة استراتيجية

بدوره، حدد الجانب الإسرائيلي أهدافًا لحملته على قطاع غزة التي أطلق ضمنها عملية السيوف الحديدية ثم أتبعها بعربات جدعون 1، وعربات جدعون 2، وهي القضاء على حركة حماس تمامًا، وتحييد التهديد الأمني من غزة، وإطلاق سراح الأسرى (الرهائن)، وبالتوازي مع ذلك عملت إسرائيل على جبهتي لبنان ضد حزب الله، واستهدفت إيران، قلب محور المقاومة، في حرب الـ12 يومًا وحققت أهدافها بتحييد المشروع النووي الإيراني وتعطيله، مؤقتا، في أحسن الأحوال، وردع حزب الله وتقويض جزء كبير من قدراته وتحييد قيادته العليا بشكل كامل تقريبا.

والواقع يقول إن إسرائيل تمكنت من تحقيق إنجازات عسكرية هامة على مختلف الجبهات، ومنها الجبهة السورية التي ساهمت الحملة الإسرائيلية على حزب الله في إضعافها وإسقاط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 ومن ثم انقطع الاتصال الجغرافي لمحور المقاومة من إيران إلى لبنان بعد تعطيل الممر السوري، وعلى صعيد حماس والحرب في غزة فما حققته تل أبيب فيها غير مسبوق في سلسلة الحروب التي خاضتها منذ عملية الرصاص المصبوب أواخر ديسمبر 2008، وهذا طبيعي بالنظر للاختلاف بين طبيعة الحرب الحالية والحروب الأخرى التي اتبعت فيها إسرائيل استراتيجية "جز العشب" عن طريق الحرب بين الحروب بمعنى أنها كانت تهدف لاحتواء التهديد لا إزالته تمامًا بعكس الهدف الذي أعلنته لحربها الأخيرة.

وكتقييم إجمالي فإن إسرائيل حققت إنجازات كبيرة وأبدعت من الناحية الاستراتيجية في سياق الحرب الأخيرة والتي لا تقتصر على غزة بل تشمل محور المقاومة الإيراني كله، وبالمعايير العسكرية فازت بالحرب، غير أنها لم تنتصر من منظور الاستراتيجية الكبرى والتي تقتضي الفوز بالسلام بعد الفوز بالحرب، فحالة غرور القوة التي انتشت بها تل أبيب خلال الحرب دفعتها للجموح وقادتها لارتكاب خطأ قاتل عندما هاجمت مقر قيادة حماس في العاصمة القطرية الدوحة أثناء انعقاد جلسة مفاوضات للتباحث بشأن مقترح الرئيس الأمريكي لإنهاء الحرب في غزة، وهذا الهجوم كانت له ارتدادات إقليمية واسعة فقد أثبت لدول المنطقة، بما فيها الدول المنضمة لاتفاقيات السلام مع إسرائيل وبالأخص الموقعة على الاتفاقيات الإبراهيمية والأكثر حماسة لدمج إسرائيل في المنطقة، أن إسرائيل الجامحة أخطر بكثير من إيران المنكفئة على ذاتها بعد حرب الـ12 يوما.

ورغم محاولات احتواء نتائج هذا الهجوم من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والتي تمثلت في إجبار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على الاعتذار لقطر، وتوقيع الرئيس دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًا باعتبار الاعتداء على قطر اعتداءً على واشنطن وتعهده بالرد في حال حصل أي هجوم، إلا أن هذه المحاولات لا تخفي التوجس من الجموح الإسرائيلي والتخوف من عدم كفاية الضمانات الأمريكية لدول الخليج العربي وهذا دفعها للتفكير في بدائل، فعلى سبيل المثال أبرمت المملكة العربية السعودية اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان، وهذا له دلالته إذ ينم على عدم كفاية التعهد الأمريكي بالحماية.

وللمفارقة، فإن هذا الجموح الإسرائيلي متأصل في الشخصية الإسرائيلية ككل والثقافة الاستراتيجية  في إطار المؤسسة الأمنية الإسرائيلية (الجيش وأجهزة الأمن والاستخبارات ككل) قائمة على تقييم التهديد ليس فقط بوجوده الفعلي، بل بالنوايا، بمعنى إذا كان هناك من يمكن أن يُشكل تهديدًا أو يحتمل أن ينوي أن يشكل تهديدًا لإسرائيل، فإن تل أبيب ستتعامل معه باعتباره تهديدًا، وهذا نابع من نظرية الأمن القومي الإسرائيلي التي تتعامل معها إسرائيل باعتبارها عقيدة.

وهذه العقيدة لها أيضًا مفهوم خاص للنصر، فهو على المستوى التكتيكي تحييد القدرات القتالية للعدو، وعلى مستواه العملياتي يشمل تفكيك منظوماته القتالية خلال حملة عسكرية، أما النصر الاستراتيجي بالنسبة لإسرائيل فهو تحييد التهديد العسكري لمدة سنوات قادمة، أما النصر المنهجي فهو إحداث تغيير كامل في الوضع الاستراتيجي على الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية.

وعند قياس ما حققته إسرائيل بناءً على مفهومها للنصر، نستنتج أنها حققت في حرب غزة نصرًا تكتيكيا وعملياتيا واستراتيجيا، لكنها فشلت في تطوير كل هذا إلى نصر منهجي لأن الوضع الاستراتيجي على الأصعدة السياسية والاقتصادية تحول على عكس مراد تل أبيب، وهذا منشأه التورط والانغماس لأبعد مدى في مستنقع غزة، فقد كانت الحرب مستمرة لأهداف بنيامين نتنياهو السياسية دون وجود رؤية واقعية لما بعد الحرب، وهذا سبب الارتباك بشأن تصور اليوم التالي للحرب لدى الدوائر الإسرائيلية المعنية بصناعة القرار رغم كل المشاورة التي قدمت لها من مراكز تفكير وجهات رسمية وشبه رسمية في الولايات المتحدة وأوروبا ودول إقليمية، وبالتالي فإن النصر الإسرائيلي العسكري تحول لهزيمة سياسية واضحة يكفي للتدليل عليها تزايد الاعتراف العالمي بالدولة الفلسطينية، وحالة العزلة التي تمر بها إسرائيل كما بدا في انسحاب الوفود من جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة عند إلقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي كلمته أمام الجمعية في سبتمبر الماضي، وتزايد الحراك الاحتجاجي ضد إسرائيل على المستوى الشعبي في دول أوروبية وانضمام عشرات النشطاء لحراك أسطول الصمود العالمي.

وهذا الحراك لم يشغل حيزا كبيرا من الاهتمام عند رئيس الوزراء الإسرائيلي ولا وزراء اليمين المتطرف ولدى قطاعات كبيرة من المجتمع الإسرائيلي، وهذا لأن عنصر الخوف الكامن في الشخصية الإسرائيلية وهو مكون أصيل فيها لاعتبارات التاريخ والواقع الجيوسياسي وغيرهما أثارته هجمات الـ7 من أكتوبر 2023، فدفعته لتأييد الحرب بكل قوة ودعم الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني دون وجود غاية سياسية واضحة لهذه الحرب، ودون المبالاة بحالة العزلة الإقليمية والدولية لإسرائيل.

القيادات العسكرية  لحركة حماس -أرشيفية
القيادات العسكرية  لحركة حماس -أرشيفية

إسرائيل وتآكل الشرعية الدولية

ثم بعد عامين من الحرب، أدركت تل أبيب أخيرا أن الحرب أدت لتآكل شرعيتها الدولية وأضرت بمكانتها حول العالم، وبدا أن إسرائيل تخسر معركة السردية، وصياغة السردية والانتصار فيها هي جزء من عملية الانتصار في الحرب غير التقليدية، فبدأت تميل للقبول برؤية تجمع بين البعيدين العسكري والسياسي وتحاول كسب التأييد الدولي اللازم للمضي قدمًا في مسار إنهاء الحرب، وهذه الرؤية، التي تناولتها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، ركزت على إطلاق سراح الأسرى (الرهائن) واستبعاد حماس من ترتيبات الحكم في اليوم التالي للحرب في غزة، ونزع سلاحها وسلاح بقية الفصائل الفلسطينية، وإحلال سلطة جديدة محل سلطة حماس مع احتفاظ إسرائيل بمسؤولية أمنية عن القطاع.

وبمقارنة هذه الرؤية، ومقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي جرى التفاوض على أساسه والوصول لاتفاق بشأن المرحلة الأولى لوقف إطلاق النار، يتضح التشابه الكبير الذي يصل إلى حد قريب من التطابق بينهما، وهدف كل هذا إنقاذ إسرائيل من نفسها ومن مواصلتها خسارة الحرب سياسيا بمزيد من انخراطها العسكري في قطاع غزة.

القيادات العسكرية  لحركة حماس -أرشيفية
القيادات العسكرية  لحركة حماس -أرشيفية

وتأسيسًا على ما سبق، يمكن القول إن إسرائيل خسرت هي الأخرى في هذه الحرب لكن ليس على المستوى العسكري الذي انتصرت فيه كما يقول الواقع الميداني في غزة وفي الإقليم، وهذا النصر الذي دعاها لرفع سقف طموحها في الهيمنة على منطقة المشرق المسماة غربيًا بالشرق الأوسط بكاملها، فحالة غرور القوة دفعت الاتجاهات الأكثر تشددًا في تل أبيب  للحديث عن هيمنة إسرائيلية وإخضاع دول أخرى لها، والضغط من أجل تغيير كامل الأوضاع بما يتناسب مع الواقع الجديد المبني على القوة العسكرية، ولهذا كان اللوبي الصهيوني في واشنطن والدوائر المتشددة في تل أبيب يتحدثان ويضغطان من أجل تعديل وضع القوات المصرية في سيناء التي تحتل مواقعًا دفاعية بناءً على اتفاقية السلام المعروفة بـ"كامب ديفيد"، والتي جرى تعديلها منذ العام 2018، حين شنت مصر العملية الشاملة ضد تنظيم داعش الإرهابي (ولاية سيناء)، وأعلن المتحدث العسكري المصري عن هذا التعديل الذي تم بالتراضي بين الطرفين (القاهرة وتل أبيب) في وقت لاحق.

والحقيقة أن علاقات الهيمنة لا تقوم فقط على أساس القوة العسكرية، بل تقوم على أساس احتياج القوى المهيمن عليها إلى القوة المهيمنة وارتباطهما بعلاقات تخدم هذه الهيمنة وهذا غير متحقق في الحالة الإسرائيلية رغم الترويج له كثيرًا من قبل تحت مسمى مشروع الشرق الأوسط الجديد، وبالتالي فإن الحديث الإسرائيلي المتفاخر، الذي لطالما تحدث به رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، عن تغيير وجه المنطقة قد يكون صحيحًا إلى حد ما، بيد أنه ليس صحيحًا بالصورة التي تروجها إسرائيل.

فحرب غزة قلبت الموازين بالفعل وأدت لتراجع وانزواء المحور الإيراني المسمى بمحور المقاومة وهزيمة حركة حماس عسكريا وتحييد تهديدها لسنوات قادمة، لكنها لم تؤدي إلى ترسيخ مكانة إسرائيل إقليميا ودوليا بل زعزعت هذه المكانة ودفعت الدول الإقليمية لإعادة التفكير في استراتيجيها ورؤيتها لهذه الدولة المارقة، ومن ثم فإن النتيجة النهائية لكل هذا كانت نصرًا عسكريًا وهزيمة استراتيجية، وكذلك الحال لحماس، مع اختلافات، فالحركة حازت نصرًا تكتيكيا مؤقتا وهزيمة استراتيجية كبيرة، وفي المقابل فإن القضية الفلسطينية حازت زخمًا كبيرًا قد يتحول لنصر كبير واستراتيجي مستقبلا إن أحسن الفرقاء الفلسطينيون توظيف النتائج الحالية وتوافر الإطار الإقليمي والدولي الذي يسمح بذلك، لتكون هذه الجهود مقدمة لحل فعلي لأزمة الشرق الأوسط الكبرى، ولإدراك هدف إحراز النصر الكبير أو الفوز بالسلام.

أحمد سلطان*

باحث في الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء