من غزة إلى لبنان.. كيف استغلت إسرائيل طوفان الأقصى في تمددها الإقليمي ؟
بالتوازي مع الذكرى الثانية لأحداث السابع من أكتوبر 2023، وفي ظل انعقاد مفاوضات شرم الشيخ لإقرار خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن وقف إطلاق النار وتبادل الرهائن بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، تتكشف ملامح مرحلة جديدة من الصراع الإقليمي، إذ تحولت ذكرى الهجوم إلى نقطة تحول استراتيجية استخدمتها إسرائيل لتوسيع نطاق تحركاتها العسكرية في كل من غزة ولبنان.
ورغم الضغوط الأمريكية، يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المراوغة والتصعيد، متجاهلًا تنفيذ بنود خطة ترامب بصورة فعلية، ومكتفيًا بتهدئة محدودة سرعان ما أعقبها تصعيد عسكري جديد، ما يعيد طرح سؤال جوهري: كيف كانت السابع من أكتوبر مفتاح إسرائيل للتمدد عسكريًا في غزة ولبنان؟

إسرائيل قبيل 7 أكتوبر: أزمة شرعية ومعارضة متصاعدة
في سبتمبر 2023، اجتاحت إسرائيل احتجاجات جماهيرية متواصلة ضد الإصلاحات القضائية التي أجرتها الحكومة، تلك الاحتجاجات التي بدأت في يناير 2023، واستمرت طوال العام حتى سبتمبر2023، وكانت نابعة من سخط داخلي تجاه السياسة الداخلية والخطاب الاجتماعي معظم العام. وقد دعا المتظاهرون حينها إلى إلغاء جميع الإصلاحات المخطط لها والمطالبة باستقالة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وكان ذلك الرأي الشعبي مؤيد بدعم من خصوم نتنياهو السياسيين، بالإضافة إلى كبار المسؤولين السابقين في الجيش الإسرائيلي وأجهزة المخابرات والأمن، ورؤساء القضاة السابقين، وشخصيات قانونية بارزة، وقادة أعمال. لدرجة أنه قد وصلت التطورات لتهديد مئات من جنود الاحتياط العسكريين، بمن فيهم طيارو سلاح الجو الذين يُعدّون عنصرًا أساسيًا في دفاع إسرائيل، برفض الالتحاق بالخدمة. وأدى ذلك إلى تحذيرات من أنه قد يؤثر على القدرات العسكرية لإسرائيل. في 22 سبتمبر، تظاهر المتظاهرون خارج مقر الأمم المتحدة في نيويورك أثناء إلقاء رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كلمة أمام الجمعية العامة.
على نحو أخر، فعلي النصف الاول من عام 2023، اتسم سوق العمل الإسرائيلي بالقوة وانخفاض معدل البطالة وزيادة الأجور الحقيقية على الرغم من القوة الإجمالية، ولكن في بداية الربع الأخير من العام كان للأزمة القضائية تأثير سلبي على قطاع التكنولوجيا في إسرائيل، مع تباطؤ في النمو وزيادة ملحوظة في عدد الباحثين عن عمل. كما أظهرت ثقة المستثمرين علامات تراجع، حيث سحبت بعض الشركات استثماراتها.
رصد التقارير الدولية والأممية لتنامي العنف الإسرائيلي طوال شهر سبتمبر 2023، ومنها تقرير حماية المدنيّين، الصادر عن مكتب الأمم المُتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بشأن تصاعد التوترات والعنف في الأراضي الفلسطينية، حيث نفذت القوات الإسرائيلية عمليات متعددة في مخيمات اللاجئين بالضفة الغربية، مثل جنين وطولكرم، مما أسفر عن مقتل فلسطينيين واشتباكات مع السكان. بالإضافة لتفاقم احتجاجات فلسطينية عند السياج الحدودي مع غزة، مما أدى إلى استخدام القوات الإسرائيلية للنيران الحية ومقتل عدد من الفلسطينيين.
وكانت قد وثّقت تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان القيود المستمرة على حركة الفلسطينيين، وهدم المباني الفلسطينية، وعنف المستوطنين في الضفة الغربية، بأنه القوات الإسرائيلية قتلت عددًا من الفلسطينيين في الضفة الغربية في عام 2023 يفوق ما قتلته في أي عام منذ عام 2005.

المشهد الإقليمي قُبيل 7 أكتوبر: نحو إعلان دولة فلسطينية
على مدار عام 2023، وقُبيل هجوم 7 أكتوبر، شهد إقليم الشرق الأوسط ترتيبات إقليمية دولية تقود نحو التهدئة وتفكيك الملفات التي تحمل في طياتها احتمالية صراع، وجاء في صدارة تلك التهدئة الوساطة الصينية التي نجم عنها الاتفاق السعودي الإيراني في إبريل 2023.
في غضون ذلك، وبحدوث التوافق السعودي الإيراني برعاية بكين المُنافس الأقوى لواشنطن في الشرق الأوسط، تغيرت كثير من مُعادلات المصالح والنفوذ الإقليمي، بآمال انتهاء التهديد الإيراني لدول الخليج، بل باتت العلاقات تخضع لتوافقات ومصالح مُتنامية. ذلك الأمر، أدى لزيادة قلق إسرائيل-حيث وصف أحد مُفكريها ذلك التوافق، بـ "ضربة لفكرة إسرائيل وجهودها في السنوات الأخيرة لمحاولة تشكيل كتلة مناهضة لإيران في المنطقة"، وأدّى أيضًا لإعادة تنشيط اهتمام واشنطن بالنفوذ في الشرق الأوسط عامة. وإضافة لرغبة جوبايدن في خوض انتخابات الرئاسة الأمريكية حينها، إذ أعلنت الإدارة الأمريكية صراحة أن التطبيع الإسرائيلي السعودي أحد أهداف الأمن القومي الأمريكي، واشترطت الرياض حينها عدة شروط على واشنطن كان أولها الالتزام بالاعتراف بدولة فلسطين على حدود 67. ذلك بالإضافة للجهود الدبلوماسية التي تم بذلها في ذلك التوقيت عربيًا وإسلاميًا في ذلك الصدد، وكان بدأ التنفيذ الفعلي للتدريب المصري الأردني لقوات فلسطينية بغرض تعزيز محاور دولة فلسطينية.
فمما سبق يتضح إنه قُبيل هجوم 7أكتوبر، إسرائيل كانت غارقة في عدد من المُشكلات المُتفاقمة، والتي يُعتبر أهمها تآكل شرعية نتنياهو وحكومته في الشارع الإسرائيلي وتنامي عدد المُعارضة لدرجة كانت قريبة من إزاحة نتنياهو من صدد الحكم، وذلك الأمر له عدة معاني. ففكر نتنياهو نفسه يميني مُتشدد، ويتحرك سياسياً بما يخدم مصالحه الشخصية ويُطيل بقاءه في السُلطة، فأتي له هجوم 7 أكتوبر ليُشكل له قُبلة حياة، استغلتها إداراته بشكل عميق لتُميت كل القضايا الداخلية، وتُحي صورة وتوجه أن إسرائيل كلها في خطر يُهدد بقاءها، بالإضافة لصناعة فرصة تُبرز إسرائيل كضحية فتُشرعن كل وحشيتها تحت تصنيف حق الدفاع عن نفسها، فاجتاحت غزة التي لم يكن لها مدخل إليها، وتمددت عسكرياً على مُختلف الجبهات الجوار لها مُستغله كل نقطة انطلق منها مُساند لحماس بشكل عسكري.

لبنان .. أول خيارات إسرائيل لتمديد حربها
حالياً وفي ظل الخطوات الجدية دوليًا وإقليميًا لغلق ملف حرب غزة، يحدث اختبار إسرائيلي للجبهة اللبنانية، وقياس ردود الأفعال على تحركاتها. ففي 6 أكتوبر 2025، أعلن جيش الدفاع الإسرائيلي أنه نفذ غارات جوية في وادي البقاع شرق لبنان، مستهدفًا عدة معسكرات عسكرية لحزب الله حيث كان يتجمع عناصره، تلك المواقع التي استخدمتها "قوة الرضوان" النخبوية التابعة لجماعة حزب الله للتدريب والتخطيط لهجمات ضد إسرائيل. فيتضح أن إسرائيل تَزعم أن حزب الله يُخزن أسلحة ويُجري تدريبات عسكرية كذريعة لها في استمرار غاراتها الجوية على الأراضي اللبنانية.
علماً بأن حزب الله مُنذ أكتوبر 2023، أشتبك عسكريًا مع إسرائيل مُساندة لحماس في حربها ضد إسرائيل في غزة مما أشعل فتيل صراع استمر لأكثر من عام قُتل فيه معظم قادة حزب الله، وانتهت حرب إسرائيل وحزب الله بعد (13 شهرًا) من القتال، بعدها شهد الصراع تصاعد المواجهات العسكرية أواخر سبتمبر 2024، عندما شنّت إسرائيل حملة جوية مكثفة وغزوًا بريًا لجنوب لبنان، فقُتل في لبنان أكثر من( 3800 شخص) منذ أكتوبر 2023، وفقًا للسلطات اللبنانية، وأُجبر مليون شخص على الفرار من منازلهم ونزوح ضخم في المناطق الي تم استهدافها، وعلى الجانب الإسرائيلي، ما يُقدر بحوالي 82 جنديًا و47 مدنيًا، بينما نزح 60 ألف شخص، وفقًا للسلطات الإسرائيلية.
وكما يوضح الرسم البياني أدناه، كيف ازدادت حدة وضراوة الضربات الإسرائيلية بشكل ملحوظ في الأسابيع التي سبقت الغزو البري الإسرائيلي في أواخر سبتمبر2024، وبلغت ذروتها في أكتوبر2024، قُبيل الوصول لوقف إطلاق النار أخر نوفمبر 2024.
تضمنت بنود اتفاق وقف إطلاق النار، أن يُنهي حزب الله وجوده المسلح في المنطقة الواقعة جنوب لبنان بين الخط الأزرق -الحدود غير الرسمية بين لبنان وإسرائيل -ونهر الليطاني، على بُعد حوالي 30 كيلومترًا (20 ميلًا) شمالًا، وأن تسحب إسرائيل قواتها تدريجيًا من جنوب لبنان، ويتقدم جنود الجيش اللبناني إلى المواقع المُخلاة بالتوازي، بالإضافة لإدراك ما يفرضه قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، الذي أنهى الحرب الأخيرة عام 2006، بأن تكون المنطقة الواقعة جنوب الليطاني خالية من أي أفراد مسلحين أو أسلحة غير تلك التابعة للدولة اللبنانية وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (اليونيفيل).
إلا أنه مُنذ وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر 2024، لم تلتزم إسرائيل بأي بند، بل تزُعم إسرائيل من حين لأخر بانتهاك حزب الله الاتفاق، وتشن عشرات الغارات المتقطعة على جنوب لبنان، ولا تزال تسيطر على خمس نقاط استراتيجية دون أي انسحاب رغم الدعوات اللبنانية للانسحاب الكامل. علمًا بأن حزب الله يرفض تسليم السلاح للجيش اللبناني الرسمي، وفي نفس الوقت أمتنع الجيش عن أي صدام مع حزب الله تفادياً لاحتمالية تفجير حالة صراع داخلي، ولذلك أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن تطبيق قرار حصرية السلاح هو قرار متّخذ ولا رجوع عنه، ويتم بروية تحفظ وحدة لبنان وتمنع الإضرار بالسلم الأهلي.
على نحو أخر، هناك مُحاولات لبنانية مُطالبه الولايات المُتحدة بالضغط على إسرائيل لتُتمم الانسحاب، حيث تواجدها داخل الأراضي اللبنانية هو سبب رئيسي لعدم تسليم حزب الله سلاحه. ذلك بالإضافة لتصريحات الجيش اللبناني في 4 أكتوبر 2025، باستمرار استهداف مواقعه الرسمية بعدة رشقات صاروخية وأُخري نارية من قِبل الجانب الإسرائيلي في منطقة الشراونك ببعلبك جنوب لبنان، وسقوط مُسيرة إسرائيلية بمنطقة الهرمل شرق لبنان، بالإضافة لاتهامات قوات اليونيفيل لإسرائيل بإلقاء قنابل قُرب مناطق تمركزها بجنوب البلاد .
فننتهي بما يتعلق بالملف اللبناني، أن الاتفاق الثُلاثي بين الدولة اللبنانية وحزب الله والجانب الإسرائيلي، بإخلاء جنوب الليطاني أمام الانسحاب الإسرائيلي والتمكين اللبناني كدولة من أرضها، مازال رهن حالة انتهاكات إسرائيلية وتعنت حزب الله وتجمُد قوة الجيش اللبناني، ومن يدفع ثمن ذلك المشهد هو الشعب اللبناني والدولة اللبنانية من حالة عدم الاستقرار والاحتلال الفعلي لأرضها واستباحة مجالها الجوي في غارات جوية إسرائيلية شبة الدائمة.