رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

التعاون السعودي الباكستاني.. استراتيجية صناعة "الدفاع المشترك"

الإتفاق السعودي الباكستاني
الإتفاق السعودي الباكستاني

 

 

في 17 سبتمبر وقّعت المملكة العربية السعودية اتفاقية دفاع مشترك مع الدولة النووية باكستان، وأعلنت وزارة الخارجية الباكستانية أن هذه الاتفاقية تعكس "الالتزام المشترك" بين البلدين بتعزيز الأمن، وتعزيز السلام الإقليمي، وردع أي عدوان بشكل مشترك، فتنص الاتفاقية على أن "أي عدوان على أي من البلدين يُعدّ عدوانًا عليهما"، بما يعني أنها "تشمل جميع الوسائل العسكرية"، من القوات المسلحة إلى التعاون النووي وتبادل المعلومات الاستخباراتية. كما صُممت هذه الاتفاقية لدعم استقلالية الدفاع السعودية على المدى الطويل: التعاون في صناعة الدفاع، ونقل التكنولوجيا، والإنتاج العسكري المشترك، وبناء القدرات، والتدريب،"ذلك وفقًا لبيانين صادرين عن وزارة الخارجية الباكستانية ووكالة الأنباء السعودية الرسمية. [1]

ترددت أصداء ذلك الاتفاق في جميع أنحاء الشرق الأوسط وآسيا، مُشيرةً إلى تحول كبير في التحالفات الإقليمية، وشبهه المُراقبون بمثابة "زواج جيوسياسي"، فتبدو العلاقة مُتكاملة للغاية: يجمع البلدين الهُوية الإسلامية والجغرافيا الأسياوية. السعودية، بصفتها قائدة العالم الإسلامي وقوة اقتصادية كبرى، من المُتوقع أن تُصبح أكبر مُمول خارجي لإسلام آباد في السنة المالية 2025-2026 (بأكثر من 6 مليارات دولار من القروض والودائع)؛ في الوقت نفسه، تمتلك باكستان أسلحة نووية، وبالتالي يُمكنها نظريًا توسيع مظلتها النووية لتشمل المملكة.[2]

 

 التعاون السعودي الباكستاني ليس وليد اللحظة:

 

جمع السعودية وباكستان تعاون طويل الأمد ووثيق: بدئاً من "معاهدة الصداقة" الموقعة عام 1951 إلى اتفاقية المنظمة عام 1982 التي سمحت للقوات الباكستانية بالتمركز في المملكة للتدريب، والتي وُقعت بعد ثلاث سنوات من الثورة الإسلامية في إيران[3]، إلا أن تعزيز العلاقات الدفاعية الثنائية  بإشهار الإتفاقية الحاليةيأتي وسط مخاوف متزايدة في الشرق الأوسط بشأن موثوقية الولايات المتحدة كحليف أمني، في ظل الضربات الإسرائيلية لاستهداف قيادات حماس في الدوحة عاصمة قطر -الحليف الوثيق للجانب الأمريكي- والمُتاخمة لحدود السعودية.

فرغم أن العمل على الاتفاقية الأمنية بدأ قبل الضربة العسكرية الإسرائيلية على قطر بوقت طويل، لكن توقيت توقيعها يشير إلى أن الهجوم على دولة خليجية سرّع من إتمامها في ظل مساعي الرياض القائمة بالفعل بهدف تنويع خياراتها الأمنية، حيث خصصت وزارة الدفاع السعودية حوالي (78 مليار) دولار أمريكي للقطاع العسكري في ميزانيتها لعام 2025. ويمثل هذا المبلغ (21%) من إجمالي الإنفاق الحكومي (و7.19%) من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد[4]، مع التركيز على المشتريات الدفاعية ونقل التكنولوجيا. [5]حيث أن رؤية السعودية 2030 تهدف لتوطين ما يفوق (50%) من الصناعات العسكرية، علماً أن السعودية في عام 2023، وفي ظل الحديث الإيراني أنذاك عن الخطوات المُتسارعة في تخصيب اليورانيوم، تعددت التصريحات السعودية المُغذية لفكرة القدرة السعودية على بلورة سلاحها النووي في حال حصول إيران على سلاح نووي جاهز للعمل، وقد أعلنت المملكة حينها أن التعاون مع باكستان مُتطرق للخبرة النووية الباكستانية في إفادة المشروع النووي السعوي، خاصة وأن المملكة تعتزم استغلال مواردها الوطنية من اليورانيوم التي كشفت عنها عمليات التنقيب التي أثبت وجود حافظة متنوعة من اليورانيوم في ارض المملكة.[6] 

 

الآثار الفورية لاتفاقية الدفاع العسكري:

 

أولاً: تربط الاتفاقية الدولة الخليجية الكُبرى السعودية بامتدادها الآسيوي بشكل أكثر عُمقاً، مما يعزز الترابط الاستراتيجي

ثانياً: إنها تضيف إسلام آباد، القوة النووية الوحيدة ذات الأغلبية المسلمة، إلى معادلة أمن الخليج المتغيرة، والأمر يختلف عن أي نوع من التعاون غير المشروط سياسياً واقتصادياً أو حتى عسكرياً بين السعودية أو أي دولة خليجية مع أي قوة أسيوية مثل روسيا أو الصين، عما فرضته الإتفاقية الثُنائية من التوأمة العسكرية بين باكستان والسعودية

ثالثًا، يَجُر هذا الاتفاق الرياض في الجغرافيا السياسية والنزاعات في جنوب آسيا، بدءًا من التوترات الحدودية بين باكستان والهند وإيران، وصولًا إلى أفغانستان وحركة طالبان. وفي ذلك الصدد يتبادر للذهن الوساطة السعودية التي تمت بتنسيق أمريكي بين الهند وباكستان في مايو 2025، لإخماد الحرب التي اشتعلت بين البلدين، وامتازت بالنجاح لتوسط السعودية حينها كدولة صديقة للبلدين دون انحياز أو تقرب لدولة أكثر من أُخري.

 

احتفى الجميع بإمتيازات التعاون الدفاعي .. فماذا عن المخاطر؟!

 

بالنسبة لباكستان، تمثل الاتفاقية فرصة ومخاطرة في آن واحد. اكتسبت إسلام آباد أهمية متجددة باعتبارها القوة النووية الوحيدة ذات الأغلبية المسلمة التي حظيت بشراكة أمنية ​​​​طويلة الأمد مع الرياض، لتُعزز الاتفاقية سُمعتها العسكرية بأنها لاعب محوري في الجغرافيا السياسية الإسلامية –خاصة وأنها حققت مُسبقاً تفوق لا يُستهان به في مُواجهة الهند عسكرياً مايو 2025، حيث أعلن الجيش الباكستاني حينها أنه أسقط خمس طائرات هندية في المجال الجوي الهندي بينها ثلاث من طراز رافال الفرنسية الصنع. على نحو آخر إتفاقية التوأمة الدفاعية سخرت لباكستان المدد المالي السعودي الحيوي جداً لتؤمّن إستقرارها في وقت هشاشة اقتصادية قُصوي، ومع ذلك، فإنها تخاطر باستعداء واشنطن ودلهي، اللذان على أقل تقدير قد يعملوا على عزل إسلام آباد دبلوماسيًا، والأكيد أيضاً إشعال تخوفات الولايات المُتحدة وإسرائيل من أن تُشكل برامج باكستان النووية والصاروخية تهديدًا مباشرًا لإسرائيل، مما يستدعي تدقيقًا أكبر واحتمال فرض عقوبات جديدة على تطوير إسلام آباد للصواريخ الباليستية.

 

الاحتفال بتوقيع الاتفاقية 
الاحتفال بتوقيع الاتفاقية 

 خاصة وأن إسرائيل أحد أهم محاور عقيدتها العسكرية فكرة الضربات الإستباقية، التي دفعتها مُسبقاً ومُنذ زمن لضرب المُفاعل النووي العراقي في عام 1981، ومؤخراً في يونيو 2025 مواجهاتها وضرباتها العسكرية بدعم أمريكي على إيران إستهدافهاً لقدراتها العسكرية والنووية أصابت مواقع نطنز وفوردو وأصفهان، وأعلن ذلك الرئيس الأمريكي ترامب بنفسه، مع العلم أنه يَتردد بعض الآراء أنه إذا كانت نجحت الضربات العسكرية الإسرائيلية على الدوحة القطرية في إستهداف قادة حماس، كان ترامب نفسه أيضاً هو من سيعلن عنها بنفسه، إنما سر تراجعه ومحاولة إدارته الأمريكية إحتواء قطر، هو عدم نجاح عملية الإغتيال كما كان مُخطط لها. فما الذي سيمنع إسرائيل أو أمريكا من خلق ذريعة وضرب القدرات العسكرية والنووية لباكستان، التي طمأنهم على مدار سنوات ماضية حالها الاقتصادي الهش، والذي زال عنه تلك الهشاشة بعد اتفاق التوأمة الدفاعية مع السعودية. علماً أنه لم تتأسس علاقات دبلوماسية بين إسرائيل وباكستان، حيث رفضت باكستان الاعتراف بإسرائيل، ويستخدم كلا الدولتين سفارتيهما في إسطنبول للتوسط أو تبادل المعلومات مع بعضهما في الضرورة.

على نحو أخر، لا يُمكننا إغفال حديث الرئيس الأمريكي ترامب  في 19 سبتمبر الحالي عن رغبته في استعادة السيطرة الأمريكية علي قاعدة "باغرام" في أفغانستان -الجارة المُخاتمة لباكستان-، التي تخلت الولايات المتحدة عنها قبيل انسحابها من البلاد وعودة طالبان الى الحكم في صيف عام 2021. وأضاف ترامب في مؤتمر صحفي مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر خلال زيارته التي قام بها إلى المملكة المتحدة "نريد استعادة تلك القاعدة"، مشيرا إلى أن "أحد الأسباب التي تجعلنا نريد القاعدة هو، كما تعلمون، أنها تبعد ساعة عن المكان الذي تصنع فيه الصين أسلحتها النووية".[7]، ذلك التصريح يوضح الموقف الأمريكي المُرتقب من أسلحة الصين النووية، فما بالك من الموقف الأمريكي من النووي الباكستاني في ظل التخوفات الإسرائيلية وسياسات التهور العسكري التي أمتاز بها رئيس الوزراء نتنياهو و شنه هجوم عسكري واسع النطاق مُنذ هجود حماس في 7 أكتوبر، ممتدا عبر إيران ولبنان والأراضي الفلسطينية وقطر وسوريا واليمن. فيري المُراقبون أنه بسبب تضارب المصالح والحسابات الإقليمية، فقد تُؤدي أي صفقة تهدف إلى تعزيز مكانة باكستان إلى انتكاسة استراتيجية.

السعودية والهند و إيران..إلي أين تتجه العلاقات؟!

 

منذ الهجوم على قطر، تعمل طهران على إعادة بناء الحوار السياسي مع دول مجلس التعاون الخليجي، إذ تحتاج إلى كسر عزلتها الإقليمية لمواجهة إسرائيل بشكل أفضل: فقد زار علي لاريجاني، الذي يرأس حاليًا المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في الرياض في 16 سبتمبر. في هذا السياق، من المرجح ألا تتوقف طهران عن جهودها لبناء الثقة مع دول مجلس التعاون الخليجي بسبب الاتفاقية السعودية مع باكستان. 

إما بالنسبة لعلاقات السعودية والهند، فبادرت الهند بتصريحات رسمية بعد الإعلان عن الاتفاق السعودي الباكستاني عن "أملها في أن تضع السعودية في اعتبارها المصالح والحساسيات المتبادلة بين البلدين" على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الهندية، مُعلنة أنها على علم بأن الاتفاقية كانت قيد الدراسة، وأنها ستدرس تداعياتها على نيودلهي.[8]

مازالت التوقعات التي قد تطرأ على العلاقات بين البلدين تخضع لمسارين مُختلفين تماما، المسار الأول أن تمتاز سياسات كل الأطراف بالحكمة البالغة للحفاظ على ضبط النفس وعدم الإنجرار في مُواجهات عسكرية مثل التي حدثت مراراً وتكراراً بين الهند وباكستان، علماً بأنه يُعتبر الفترة الحالية واحدة من أكثر الفترات دفئًا في العلاقات السعودية الهندية، والتي اتسمت بتعميق تجارة الطاقة، وزيارات سياسية رفيعة المستوى، وتدريبات عسكرية مشتركة. حيثُ تُمثل الطاقة المستوردة من الرياض (18%) من إجمالي احتياجات نيودلهي من الطاقة، ويُجري البلدان بانتظام تدريبات بحرية وبرية مشتركة، كما وقّعت كل من السعودية والهند الاتفاقية التمهيدية لـ IMECمشروع الممر الغذائي الرابط بين الهند وأوروبا مروراً بالخليج عبر السعودية والإمارات في قمة مجموعة العشرين في سبتمبر 2023.

 

والمسار الثاني للتوقعات على النقيض إذا وجدت الهند صعوبة في تقبل لاتفاقية التعاون الدفاعي المُتكامل بين السعودية وعدوتها اللدود باكستان، فقد تخشى نيودلهي من أن يُضعف احتضان الرياض لإسلام آباد مكانتها كشريك آسيوي مُفضّل للمملكة. وبشكل أكثر تحديدًا، قد يفقد مشروع IMEC - الذي يُفترض أن تُصبح فيه السعودية، إلى جانب الإمارات العربية المتحدة، مركزًا رئيسيًا يربط الهند بأوروبا - زخمه إذا تحولت الحسابات الاستراتيجية السعودية نحو باكستان. وحتى إذا استمر التعاون الاقتصادي بين السعودية والهند، فسيكون من الصعب الحفاظ على الثقة السياسية، مما يُلقي بظلال من الشك على ممرٍّ قُدّم كثقلٍ مُوازنٍ لمبادرة الحزام والطريق الصينية، لا سيما وأن الرياض دولة عضو في مبادرة الحزام والطريق.

 على نحو أخر، يأتي الاحتمال الأكثر ضراراً أنه إذا قادت التطورات بحكم الأمر الواقع بأن تُعمّق الهند، المُضطربة من احتضان الرياض لإسلام آباد، شراكتها الوثيقة أصلًا مع إسرائيل، مما يُنشئ محورًا مُعاكسًا للتعاون يمتد من جنوب آسيا إلى شرق البحر الأبيض المتوسط. كما يُلقي هذا التحول بظلال جديدة من عدم اليقين على الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، الذي يعتمد نجاحه أيضًا على الثقة السياسية السعودية الهندية المُستدامة


 


[1] Haroon Janjua ,What's behind the Pakistan-Saudi Arabia defense pact?,19September 2025, https://shorturl.at/9Espw

[2] Saudi-Pakistan Mutual Defence Pact: Implications for India, IMEC, and US Influence in the Gulf, 19 Sep 2025, https://shorturl.at/mYMk7

[3] المرجع السابق نفسه.

[4] Saudi Arabia’s military spending surges to $75.8bn in 2024, says GAMI chief, February 02, 2025, https://arab.news/ngxj4 

[5] Saudi defense budget allocations for 2025, January 06, 2025, https://shorturl.at/5DN5F

[6] نانسي طلال زيدان، الصناعات العسكرية في دول الخليج وطموح التوريد العالمي، مارس2023، https://shorturl.at/cJs26 

[7] تبعد ساعة عن نووي الصين».. ترامب يريد استعادة قاعدة باغرام الأفغانية2025/9/19، https://shorturl.at/rJ9sa  

[8] India says it expects Saudi Arabia to mind 'sensitivities' after pact with Pakistan,September 19, 2025, https://shorturl.at/8sCC5

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء