العودة الأمريكية المحتملة لقاعدة باغرام: صراع النفوذ يهدد شرعية طالبان
أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رغبة في استعادة قاعدة باغرام الجوية في أفغانستان، مشددًا على ضرورة سيطرة واشنطن عليها، وذلك في تصريحات خلال مؤتمر صحفي مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، معتبرًا أن الانسحاب منها كان خطأ كبيرًا لإدارة سلفه جو بايدن.
وفي وقت لاحق، أعاد ترامب تأكيده على ضرورة استعادة القاعدة، وجاء التأكيد مصحوبًا بالتهديد، حيث قال ترامب في منشور على موقع "تروث سوشيال": "إذا لم تُعد أفغانستان قاعدة باغرام الجوية إلى أولئك الذين بنوها - الولايات المتحدة الأمريكية - فسوف تحدث أشياء سيئة".

أهمية قاعدة باغرام
قاعدة باغرام الجوية هي أكبر قاعدة عسكرية استخدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وحلف شمال الأطلسي "الناتو" أثناء غزو أفغانستان، وتقع في ولاية بروان، على بُعد نحو 50 كيلومترًا شمال العاصمة الأفغانية كابول. وتتميز بموقعها بين إيران وآسيا الوسطى وغرب باكستان والصين، وقد بُنيت القاعدة على يد الاتحاد السوفييتي في أفغانستان بين عامي 1979 و1989.
بعد انسحاب القوات السوفييتية، اندلعت الحرب الأهلية في البلاد، وتنازعت الفصائل الأفغانية السيطرة على القاعدة، مما أدى إلى تدهور بنيتها التحتية وتضرر الأسوار وانهيار بعض المباني والمرافق، ثم أعادت الولايات المتحدة بناءها وتجهيزها بعد غزو أفغانستان عام 2001، لتصبح أكبر قاعدة أمريكية في البلاد، ومركزًا للعمليات ضد حركة طالبان وتنظيم القاعدة.
أصبحت القاعدة القلب اللوجستي للعمليات الجوية الأمريكية لعقدين من الزمن، وأنفقت الولايات المتحدة حوالي 68 مليون دولار أمريكي لتحديثها، لتصبح قادرة على استيعاب ما يصل إلى 10 آلاف جندي. وفي عام 2006، خصصت 96 مليون دولار لبناء مدرج بطول 3660 مترًا لهبوط طائرات الشحن الكبيرة والقاذفات، إضافة إلى إنشاء 110 مواقف للطائرات محمية بجدران ساترة وواقية من الانفجارات.

كما مثّلت القاعدة مركزًا رئيسيًا لعمليات القوات الأمريكية وقوات "الناتو" على مدى 20 عامًا، وانطلقت منها العمليات الجوية، واحتضنت غرف عمليات للتنسيق بين مختلف القوات البرية والجوية، وكانت نقطة انطلاق للقاذفات والطائرات دون طيار وطائرات النقل العسكري، كما انطلقت منها الإمدادات إلى باقي القواعد المنتشرة في القرى والجبال. كذلك مثلت جسرًا جويًا بين أفغانستان والقواعد الأمريكية في الخليج وآسيا الوسطى.
تضم القاعدة ثلاثة مستودعات ضخمة وبرج مراقبة، إضافة إلى مستشفى عسكري مجهز بمعدات طبية متطورة لتقديم الرعاية لعناصر الخدمة العسكرية الأمريكية وقوات التحالف. واشتهرت القاعدة بوجود مركز احتجاز أنشأه الأمريكيون عام 2002 ويضم 120 زنزانة، تديره وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي إيه". لكن إدارة جو بايدن أخلت القاعدة في يوليو، قبل أسابيع من وصول طالبان إلى السلطة أثناء الانسحاب الأمريكي الذي يصفه الرئيس الأمريكي الحالي بالكارثي.
تكمن رغبة الولايات المتحدة الأمريكية في استعادة السيطرة على القاعدة باعتبارها "موقعًا استخباراتيًا متقدمًا" يسمح لها برصد التحركات الصينية والروسية والإيرانية، إضافة إلى تعزيز النفوذ الأمريكي في هذه المنطقة بعد تراجعه عقب الانسحاب الأمريكي من أفغانستان عام 2021، ومنح الفرصة لروسيا والصين لملء هذا الفراغ وتعزيز نفوذهما. وهو ما أعلنه ترامب صراحة، حيث قال إن أحد أسباب رغبة الولايات المتحدة في استعادة القاعدة هو "أنها تبعد ساعة واحدة فقط عن المكان الذي تُصنع فيه الصين صواريخها وأسلحتها النووية"، في إشارة إلى موقع "لوب نور" النووي.

موقف طالبان.. والشرعية المُهددة
توالت ردود الأفعال الرافضة من جانب حركة "طالبان" الحاكمة في أفغانستان، والتي أبدت انزعاجها من تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واعتبرت أن هذه المسألة غير قابلة للنقاش ولن تتم تحت أي ظرف، وأنها على استعداد للتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية سواء سياسيًا أو اقتصاديًا ولكن بشرط احترام السيادة الأفغانية والاحترام المتبادل.
المتحدث باسم حركة طالبان "ذبيح الله مجاهد" طالب الرئيس الأمريكي بـ"العقلانية والواقعية"، معربًا عن رفضه لتصريحات ترامب بالأساس، وحثّ الولايات المتحدة على تبني سياسة "واقعية وعقلانية"، مشيرًا إلى أن أفغانستان تنتهج سياسة خارجية اقتصادية وتسعى إلى بناء علاقات بناءة مع جميع الدول على أساس المصالح المشتركة والمتبادلة، وقال إنه تم إبلاغ الولايات المتحدة باستمرار في جميع المفاوضات الثنائية بأن استقلال أفغانستان وسلامة أراضيها لهما أهمية قصوى.
وعلى مستوى وزارة الخارجية، قال ذاكر جلالي، المسؤول بالوزارة، في تغريدة على منصة "إكس": "إن أفغانستان والولايات المتحدة بحاجة إلى التعاون مع بعضهما البعض، دون أن تحتفظ الولايات المتحدة بأي وجود عسكري في أي جزء من أفغانستان"، مشيرًا إلى أن البلدين يمكنهما إقامة علاقات اقتصادية وسياسية على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، موضحًا أن وجود جيش أجنبي لم يقبله الشعب الأفغاني قط في تاريخ البلاد.
وشدد جلالي على أن أفغانستان والولايات المتحدة بحاجة إلى التفاعل مع بعضهما البعض ويمكنهما إقامة علاقات اقتصادية وسياسية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة دون أن يكون للولايات المتحدة وجود عسكري في أي جزء من البلاد، معربًا عن رفضه تصريحات ترامب حول الأهمية الاستراتيجية لباغرام بسبب قربها من الصين، قائلًا إن القاعدة تحت السيطرة الكاملة للإمارة الإسلامية ولا توجد فيها أي قوات أجنبية.
يأتي رد فعل طالبان القاطع تجاه تصريحات ترامب باعتبار أن رغبة ترامب تمس شرعيتها بشكل مباشر، حيث إن الشرعية التي اكتسبتها طالبان في الداخل الأفغاني مرتبطة بشكل كبير بنجاح الحركة في طرد القوات الأمريكية من أراضيها. وحال عودة الولايات المتحدة الأمريكية للسيطرة على القاعدة فستكون طعنًا في شرعية الحركة، وهو الأمر الذي يتم استثماره من جانب قوى مناوئة للحركة، مما يجعل طالبان تبدو رافضة لأي احتلالٍ ولو جزئيٍّ للأراضي الأفغانية أو أي وجود عسكري أجنبي.\

دول الجوار.. قلق من العودة الأمريكية
توالت أيضًا ردود أفعال دول الجوار الرافضة للتصريحات الأمريكية بشأن العودة إلى قاعدة باغرام. وقال وزراء خارجية روسيا وإيران والصين وباكستان إنهم يعارضون أي عودة عسكرية أمريكية إلى أفغانستان، بما في ذلك إنشاء قواعد جديدة في البلاد أو في جوارها، معتبرين أن مثل هذه التحركات من شأنها تهديد السلام والاستقرار الإقليمي.
وفي بيان مشترك، رفضت الدول الأربع إعادة نشر القواعد العسكرية الأجنبية داخل أفغانستان أو حولها، ودعت بدلًا من ذلك إلى تعزيز الأطر الإقليمية مثل "صيغة موسكو"، والمحادثات الرباعية، ومنظمة شنغهاي للتعاون، للمساعدة في معالجة المأزق السياسي في أفغانستان. كما حثّت الدول الأربع على رفع العقوبات الأحادية الجانب المفروضة على طالبان، والإفراج عن الأصول الأفغانية المجمدة، ورفع حظر السفر عن مسؤولي طالبان.
وفي تصريحات سابقة لصدور البيان المشترك، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية "تشاو لي جيان" إن الصين تحترم استقلال أفغانستان وسيادتها وسلامة أراضيها، وحث جميع الأطراف على لعب دور بنّاء من أجل السلام والاستقرار الإقليميين، مشيرًا إلى أن مستقبل ومصير أفغانستان يجب أن يكون في أيدي الشعب الأفغاني، وأن إثارة التوترات وخلق المواجهة في المنطقة لا يحظى بأي دعمٍ شعبيٍّ.
هذه التصريحات الرافضة للعودة الأمريكية إلى أفغانستان، وإن كانت تبدو وكأنها تضامن مع حركة طالبان والشعب الأفغاني، إلا أنها تكشف قلق هذه الدول من صراع النفوذ في هذه المنطقة، وأن العودة الأمريكية قد تقوّض هذا النفوذ. كما أن هذا الرفض المشترك يوحي بإجماع إقليمي على رفض عودة الولايات المتحدة إلى المنطقة، مع الإشارة إلى أنه رغم الرفض المشترك والذي يعد خطوة تنسيقية دفاعية، فإن لكل دولة أسبابها ودوافعها الخاصة، لكن تظل المصلحة المشتركة جامعة لهذه الأطراف، وهو ما يدعم موقف طالبان.
ختامًا:
رغم الضغوط الأمريكية التي قد تُمارس على طالبان، وتلميحات ترامب بأن أفغانستان تعاني من أزمة اقتصادية وشرعية دولية وانقسامات داخلية وجماعات مسلحة منافسة منذ عودتها إلى السلطة، قد تجعل طالبان منفتحة على السماح للجيش الأمريكي بالعودة، إلا أنه يبقى من المستبعد أن تقبل الحركة بإعادة الاستعمار الأمريكي ولو بشكل جزئي، لأن هذه الخطة تمس شرعيتها بشكل مباشر كما أسلفنا.
كما أن العودة الأمريكية إلى أفغانستان ليست سهلة، وقد تُكلف الولايات المتحدة الأمريكية كثيرًا، وهو ما حذر منه مسؤولون أمريكيون اعتبروا أن إعادة احتلال قاعدة باغرام قد يبدو وكأنه غزو جديد للبلاد، الأمر الذي يتطلب أكثر من عشرة آلاف جندي، فضلًا عن نشر دفاعات جوية متقدمة. كما أن البيئة الإقليمية الرافضة لعودة القوات الأمريكية تجعل العودة الأمريكية إلى القاعدة أمرًا صعب الحدوث، خاصة في ظل حرص الدول الإقليمية على الدعم السياسي والاقتصادي لطالبان أمام ضغوط ترامب المحتملة.



