رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

"فتنة الهندستان".. دوافع باكستان لإنتاج خطاب تعبوي ضد الهند

النزاع الهندي الباكستاني-
النزاع الهندي الباكستاني- أرشيفية

 اندلعت اشتباكات دامية بين الهند وباكستان في مايو الماضي، تمثلت في قصف عنيف من الطرفين عبر خط التماس في كشمير، وهو الأمر الذي أسفر عن سقوط قتلى وجرحى من الطرفين، ما يمثل أخطر مواجهة عسكرية بين الجارتين النوويتين منذ عشرين عامًا، وسط مخاوف وقتها من توسع الصراع بين نيودلهي وإسلام أباد، ما دفع المجتمع الدولي إلى مناشدة الطرفين بضبط النفس قبل أن تتحول الاشتباكات إلى حرب كبرى.

وجاءت الاشتباكات بعد هجوم دموي استهدف سياحًا في كشمير بتاريخ 22 أبريل الماضي، واتهمت نيودلهي اسلام آباد برعاية جماعات إرهابية في الإقليم، وأعلنت الهند أنها نفذت ضربات جوية "دقيقة ومحسوبة" ضد ما وصفته بـ"معسكرات إرهابية" داخل أراضي جارتها باكستان، و في المقابل قالت باكستان إنها أسقطت 5 طائرات هندية رداً على تلك الضربات.

وقد أعادت الاشتباكات بين البلدين تأجيج الاتهامات بين البلدين، خاصة في باكستان التي اتخذت الخطابات فيها صورة مؤسسية رسمية، حيث قررت الحكومة وصف كل الجماعات المسلحة في إقليم بلوشستان الباكستاني تحت مسمى واحد وهو "فتنة الهندستان"، في إشارة إلى أن كل العمليات الإرهابية التي يشهدها الإقليم تنفذها جماعات ترعاها الحكومة الهندية.

الجيش الباكستاني- أرشيفية 
الجيش الباكستاني- أرشيفية 

تصاعد عمليات الإرهاب في بلوشستان

تصاعدت عمليات الإرهاب في إقليم بلوشستان خلال الربع الثالث من العام 2025، وذلك بعد الاشتباكات الدامية في إقليم كشمير بين الهند وباكستان، حيث شهدت باكستان ارتفاعًا مثيرًا للقلق بنسبة 46% في العنف الإجمالي في الربع الثالث من عام 2025، وفقًا لأحدث الإحصاءات الصادرة عن مركز البحوث والدراسات الأمنية (CRSS)، والذي أشار إلى أن منطقتي خيبر باختونخوا وبلوشستان ــ اللتان تشتركان في حدود مسامية مع أفغانستان المجاورة ــ تشاركتا في العبء الأكبر من حوادث الإرهاب، حيث شكلتا أكثر من 96% من إجمالي أعمال العنف في جميع أنحاء البلاد.

ويكثف الجيش الباكستاني جهوده الأمنية والاستخباراتية لمواجهة الخلايا الإرهابية في الإقليم، لمواجهة التصاعد اللافت من قبل هذه الجماعات، وتحرص البيانات والروايات الرسمية بشكل مستمر على رصد هذه المواجهات وتوجيه الاتهامات بشكل مباشر إلى الهند برعاية هذه الجماعات، حيث أصبح مصطلح "فتنة الهندستان" حاضر بشكل شبه يومي في البيانات الرسمية والإعلام الرسمي، وهو الأمر الذي لم يكن موجودًا قبل اشتباكات كشمير في مايو الماضي، وكانت توجه الاتهامات غالبا إلى جماعات محلية.

ولم تعد باكستان توجه الاتهامات للجماعات المحلية على الرغم من استمرار نشاطها ويأتي على رأسها جماعة "جيش تحرير بلوشستان"  (BLA)، ففي يناير الماضي استولت الجماعة على بلدة زهري بالكامل في مقاطعة "خوزدار" في بلوشستان لمدة ثماني ساعات تقريبًا، وأضرموا النار في العديد من المباني الحكومية، كما أعلنت مسؤوليتها عن عملية أخرى أسفرت عن مقتل 47 عنصرًا ضمن قافلة عسكرية وإصابة أكثر من 30 آخرين، وصرح المتحدث باسم الجماعة، جياند بلوش، بأن القافلة ضمت أفرادًا من الوحدة العسكرية 309، ووحدة SIU، والجناح 117، والجناح 326، والجناح 81.

ولا يمثل جيش تحرير بلوشستان جميع الجماعات المحلية المتمردة في إقليم بلوشستان، فوفق تقارير باكستانية نفذت الجماعات المتمردة البلوشية 938 هجومًا مجتمعة في 2024، مما أسفر عن مقتل أكثر من 1002 شخصًا وإصابة 689 آخرين وما لا يقل عن 546 حالة من الأضرار في الممتلكات، وامتدت عملياتها إلى 25 مقاطعة وغطت 327 منطقة. بالإضافة إلى ذلك، تم الإبلاغ عن مقتل 76 مقاتلاً بلوشيًا خلال هذه الأنشطة. وبالمقارنة مع عام 2023، زاد العدد الإجمالي للهجمات بنسبة 53%، بينما ارتفعت الوفيات المبلغ عنها بنسبة مذهلة بلغت 80% ، مما يشير إلى زيادة شدة التمرد، وظل جيش تحرير بلوشستان (BLA) الجماعة الأكثر نشاطًا في عام 2024، حيث نفذ 302 هجومًا.

 

القوات الخاصة الهندية
القوات الخاصة الهندية

وتشير هذه التقارير والإحصاءات إلى أن الجماعات المحلية المتمردة لازالت حاضرة وتنفذ عمليات على الأرض، لكنها اصبحت غائبة عن الروايات الرسمية للحكومة الباكستانية التي أصبحت ترجع أي عملية إرهابية في الإقليم إلى الدعم الهندي، وعلى الرغم من أن إقليم بلوشستان يبعد جغرافيا عن منطقة الصراع الهندي الباكستاني، إلا أنه مجاور لأفغانستان وإيران، وهي المنطقة التي تعتبرها باكستان منطقة رخوة تستغلها الهند في تمرير الدعم للجماعات الإرهابية في الإقليم المشتعل.

الجيش الهندي- أرشيفية 
الجيش الهندي- أرشيفية 

فتنة "الهندستان".. والخطاب التعبوي

على الرغم من وجود الجماعات المحلية المسلحة، إلا أن الحكومة الباكستانية قررت إطلاق مصطلح "فتنة الهندستان" على جميع الحركات المسلحة والمنظمات الإرهابية العاملة في الإقليم، وبحسب الإخطار الصادر عن وزارة الداخلية الباكستانية، فقد تم اتخاذ القرار في ضوء تورط بعض المنظمات والجماعات في أنشطة إرهابية في بلوشستان بناء على طلب الهند "هندوستان"، وهو ما يضر بالعقيدة الإسلامية وسيادة باكستان والتقاليد العرفية، وأضاف الإخطار أن المصطلح يهدف لكشف الطبيعة الحقيقية وأيديولوجية هذه المنظمات والجماعات الإرهابية والمخططات الشريرة للهند "هندوستان" ضد شعب باكستان.

وفي تصريحات سابقة قال المتحدث باسم الجيش الباكستاني، الفريق أحمد شريف شودري، إن باكستان قدمت أدلة دامغة للمجتمع الدولي تثبت تورط الهند في "دعم أنشطة إرهابية على الأراضي الباكستانية" مشيرًا إلى أن الهند أسست منظمة "مكتي بهاني" الإرهابية عام 1971 في باكستان الشرقية (بنجلاديش حاليًا)، واصفاً إياها بأنها "جزء من خطط هندية مشينة" لتقويض أمن باكستان، ويمثل استدعاء شودري لحادث عام 1971 في هذا التوقيت يعكس رغبة المؤسسة العسكرية في إعادة تأطير العداء مع الهند باعتباره ممتدًا ومتجذرًا في التاريخ الحديث لباكستان"، وقد جرى تعميم المصطلح في الخطاب الأمني والإعلامي الباكستاني، وذلك بهدف:

1- استخدامه كأداة تعبئة وتحفيز لتماسك الجبهة الداخلية الباكستانية لما تعتبره إسلام آباد "حربًا غير معلنة" تشنها الهند في الأراضي الباكستانية، وذلك على الرغم من عدم تقديم أدلة مؤخرا أو على الأقل منذ إطلاق المصطلح بعد اشتباكات مايو على تورط الهند في هذه الأنشطة أو ارتباطها بهذه الجماعات.

2- كما تريد الحكومة الباكستانية تصدير العنف في الإقليم باعتباره حربًا خارجية تنفذه أذرع هندية تعمل بالوكالة وليس عجزًا حكوميا عن تحقيق الاستقرار، وهو ما يتطلب مزيدًا من الدعم والاصطفاف الشعبي خلف الجيش لمواجهة هذا الاعتداء الخارجي، وهو ما قد ينتج عنه سردية موحدة تربط جميع الجماعات المسلحة في الإقليم وهو ما يضعها في دائرة الخيانة الوطنية والدينية.

3- توظيف المصطلح باعتباره أداة تأطير لطبيعة الصراع في الإقليم وصناعة رأى عام داعم لأي تحركات قد تتخذها الحكومة الباكستانية لتحقيق الأمن والاستقرار داخل أراضي بلوشستان المضطربة، وذلك من خلال البعد الديني والقومي الذي يحمله المصطلح.

4- حاجة الحكومة الباكستانية الملحة إلى إقرار الأمن داخل الإقليم الحساس، وهو ما قد يدفع الحكومة إلى اتخاذ إجراءات استثنائية لتنفيذ رؤيتها الأمنية وحماية المشارع الكبرى في بلوشستان، وهو ما ألمح إليه المتحدث باسم الجيش الباكستاني، والذي أكد أن الهجمات الأخيرة تندرج ضمن "نمط أوسع" من العنف المدعوم من وكالة الاستخبارات الهندية، التي تسعى من خلاله إلى إثارة الفوضى وتعطيل مشاريع التنمية الاقتصادية في الإقليم، مثل الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني (CPEC)، الذي يُعتبر شريانًا حيوياً للاقتصاد الباكستاني.

 وختامًا، يمثل تعميم مصطلح "فتنة الهندستان" تحولًا في بنية الخطاب السياسي والأمني الباكستاني، وليس مجرد توصيف للجماعات المسلحة في بلوشستان، وهو ما يوفر للحكومة الباكستانية غطاء للعمليات داخل الإقليم الذي يحتاج إلى استعادة أمنه بعد تصاعد العمليات الإرهابية بشكل لافت، خاصة إذا تم حشد الرأي العام لدعم المعركة باعتبارها ضد عدو خارجي تاريخي.

في الوقت نفسه، فإن هذا التحول في الخطاب الباكستاني ضد الهند سيكون له انعكاسات مباشرة مع الدولة الجارة، حيث يسهم في إعادة إنتاج المناخ العدائي بين البلدين، ويعرقل أي مسارات للحوار والتهدئة ويزيد من حالة فقدان الثقة، خاصة في ظل ترسيخ هذه الصورة في العقل الجمعي الباكستاني، وهو ما يزيد فرص التصعيد العسكري والمناوشات عبر الحدود ما سيزيد من فرص القطيعة.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء