رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تعطيل اتفاق القاهرة: إلى أين تتجه المواجهة بين طهران والغرب ؟

في العاشر من سبتمبر الماضي نجحت القاهرة في تحقيق اتفاق مهم بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وكسر الجمود الذي ساد على مدار أشهر بعد حرب الاثني عشر يومًا بين إيران وإسرائيل، واستهداف المنشآت النووية الإيرانية بواسطة القاذفات الأمريكية "بي-2 سبيريت" والتي تمتاز بقدرتها على حمل أسلحة ضخمة مثل القنابل الخارقة للتحصينات (جي بي يو-57).

 وجاء إعلان قاليباف بعدما كتب على حسابه في منصة التواصل الاجتماعي "إكس": "لقد راهنت وكالة الطاقة الذرية على مصداقيتها الضئيلة بمشاركتها معلومات عن المراكز النووية لبلادنا مع النظام الإسرائيلي المجرم، ممهدةً الطريق للعدوان والهجمات على مراكزنا النووية، ولم تُدنها حتى علنًا".

رئيس البرلمان الإيراني - محمد باقر قاليباف
رئيس البرلمان الإيراني - محمد باقر قاليباف

وردت إيران على قصف منشآتها النووية  بتعليق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حيث أبلغ  رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتعليق التعاون معها، وذلك بعد اتهامات من جانب قاليباف للوكالة الدولية للطاقة الذرية بمشاركة معلومات عن المراكز النووية الإيرانية مع إسرائيل.

واعتُبر اتفاق القاهرة كمحاولة لاستعادة الثقة المفقودة بين إيران والغرب وفتح المجال أمام المسار الدبلوماسي لتجنب التصعيد المحتمل في المنطقة، ليمثل الاتفاق الذي تم برعاية مصرية آلية تعاون جديدة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وإتاحة الوصول إلى عدد من المواقع النووية والتعاون التقني المشترك بين الجانبين، وهو ما اعتُبر فرصة للتعاون بين الطرفين في "ظروف استثنائية" فرضتها الهجمات على المنشآت النووية.

هدف لم يتحقق

كان الدافع والهدف الرئيس لإيران وراء هذه الخطوة بالتراجع عن تعليق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية هو محاولة تفادي الضغوط الغربية على إيران وإثبات استعدادها للتفاهم واتباع المسار الدبلوماسي، وعدم تنفيذ دول الترويكا الأوروبية "فرنسا، ألمانيا، بريطانيا"، لتهديدات إعادة تفعيل آلية الزناد "سناب باك"، والتي تعني إعادة فرض العقوبات الأممية التي تم رفعها بموجب الاتفاق النووي 2015.

ورغم المحاولات الإيرانية والإشارات التي أرسلتها، إلا أنها فوجئت بإقدام دول الترويكا على تفعيل آلية الزناد "سناب باك" وإعادة فرض العقوبات التي تمثل ضغطًا كبيرًا على الاقتصاد الإيراني، حيث أعلنت ألمانيا وفرنسا وبريطانيا في الثامن والعشرين من الشهر الماضي إعادة تفعيل عقوبات الأمم المتحدة على إيران، بعد انقضاء مهلة الـ"سناب باك"، وبررت هذا الإجراء بعدم وفاء طهران بالتزاماتها المتعلقة ببرنامجها النووي.

كما أن محاولة منع إعادة فرض العقوبات لم تنجح، حيث فشل مجلس الأمن الدولي، في تمرير مشروع قرار يهدف إلى منع إعادة فرض العقوبات الدولية على إيران، بموجب آلية "سناب باك" المنصوص عليها في الاتفاق النووي لعام 2015، وذلك بعد تحركات دبلوماسية مكثفة انتهت دون توافق قبيل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة.

 وهو ما دفع إيران إلى الرد على هذه الخطوة بإعلان تعطيل اتفاق القاهرة، حيث أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الأحد 5 أكتوبر، أن "اتفاق القاهرة لم يعد ساريًا كأساس للتعاون مع الوكالة"، موضحًا أن تطبيق آلية "سناب باك" غيّر جميع الظروف، وأن إيران تواجه الآن وضعًا جديدًا يتطلب اتخاذ قرارات جديدة، وأن اتفاق القاهرة فقد فعاليته عمليًا.

وأوضح عراقجي، خلال لقائه مع سفراء وممثلي البعثات الأجنبية المقيمة في طهران، أن التجربة أثبتت أنه لا يوجد حل سوى الحل الدبلوماسي لمسألة البرنامج النووي الإيراني، فعلى مدى سنوات، تم تهديدنا عسكريا وتطبيق آلية الزناد (سناب باك)، وكانت ردودنا واضحة: كما أن الهجوم ليس حلًا، فإن سناب باك أيضا لا يمكن أن يكون حلًا.

ويشير رد الفعل الإيراني إلى أن الأمور تتجه إلى مزيد من التوتر وعدم وجود حلول تلوح في الأفق في ظل عدم رغبة إيران بمظهر "المستسلم" أمام الغرب والحفاظ على نبرة "الكرامة الوطنية" أمام الداخل الإيراني الذي يعاني من ضغوط اقتصادية غير مسبوقة والتي ستزداد مع إعادة فرض العقوبات.

 رافائيل جروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية
 رافائيل جروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية

 كما أن إعلان تعطيل اتفاق القاهرة يعني إغلاق النافذة التي كانت ستمنح الغرب القدرة على مراقبة الأنشطة النووية ومزيد من الجمود في المسار الدبلوماسي، وهو ما يعني المزيد من "الغموض النووي" في ظل عدم قدرة الوكالة الدولية للطاقة الذرية في متابعة النشاط النووي الإيراني ومراقبة عمليات التخصيب، ما يعني مزيد من الضغوط المتبادلة التي قد تشهدها المرحلة المقبلة بين الطرفين.

سيناريوهات محتملة

في ظل عدم استعداد أي طرف لاتخاذ خطوة للوراء، وغياب حلول لتقريب وجهات النظر، تتجه الأمور إلى مزيد من التصعيد الذي يحتمل عدة سيناريوهات التي تتمثل في زيادة الضغوط الغربية على إيران من خلال فرض المزيد من العقوبات التي تزيد الضغوط على الداخل الإيراني في محاولة لـ"تثوير الشارع"، خاصة في ظل وجود تكتلات تتمثل في القوميات المهمشة والتي فشل النظام الإيراني في احتوائها، والتي قد تكون شرارة التفجير من الداخل.

وفي المقابل قد تسعى إيران إلى التصعيد التدريجي من خلال إعادة التلويح بالانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي (Npt)، وتبرير ذلك بحرمانها من حقوقها في ممارسة الأنشطة النووية السلمية التي تكفلها المعاهدة، خاصة وأن تعليق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومنعها من الوصول إلى المواقع النووية هو تعطيل لنظام التفتيش الذي تفرضه المعاهدة، مع إرجاء الإعلان الرسمي الذي قد يعرضها لمزيد من الضغوط والعقوبات.

تحرص إيران على تبني سياسة "الردع المتبادل"، خاصة في ظل حالة التصعيد الخطابي الذي تبنته إيران مؤخرا بدءا من تصريحات الحرس الثوري وقادة الجيش – جنبا إلى جنب - بعد ما كان الحرس الثوري وحده يتبنى مثل هذه التصريحات، وصولا إلى إظهار قدراتها العسكرية والتي كان آخرها الإعلان عن "أسطول الشبح" من الطائرات الإيرانية المسيّرة، وذلك ردًا التهديدات الإسرائيلية المستمرة وتسريب معلومات عن حرب وشيكة.

يبقى أيضًا احتمالية لجوء إيران إلى "الضغط عبر الوكلاء"، سواء من خلال هجمات ينفذها الحوثيون في البحر الأحمر، أو استهداف المصالح الأمريكية من خلال "الميلشيات العراقية"، إضافة إلى "حزب الله" فعلى الرغم من ضربات الإضعاف التي تعرض لها مؤخرا، إلا أننا لا نستطيع أن نقول إنه أصبح خارج المعادلة، خاصة في ظل الدعم الإيراني للحزب بعد مطالب نزع السلاح.

 أما الخيار العسكري والمواجهة العسكرية المباشرة، ستظل ورقة ضغط في المدى القريب، مع الحرص على استمرار الضغوط القصوى على إيران اقتصاديا ودبلوماسًيا، مع توجيه ضربات سيبرانية واستهدفت في الداخل الإيراني، وفي المقابل ستظل إيران متمسكة بورقة "الغموض النووي" مع إبداء استعدادها للتفاوض وتمسكها بالخيار الدبلوماسي، ما يعني أنها لن ترضخ دون الخروج بمكاسب وضمانات. 

محمد شعث*

باحث في العلاقات الدولية والشؤون الإيرانية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء