صعود التوافقات الآسيوية: تحالفات الردع النووي ومسارات ما بعد الهيمنة الأمريكية
خلال سبتمبر 2025 شهدت الساحة الدولية ومحيطها الآسيوي سلسلة تحركات استراتيجية متسارعة: توقيع مذكرات واتفاقيات نووية بين إيران وروسيا، تفعيل أوروبي محتمل لآلية الـ snapback على الملف النووي الإيراني، تشريع اتفاقية شراكة دفاعية بين روسيا وكوريا الشمالية، وتعزيز قنوات تعاون صناعي ودفاعي بين دول آسيوية مع دول الخليج (كوريا–السعودية)، بالإضافة إلى إبرام ميثاق دفاعي سعودي–باكستاني.
هذه الترتيبات ليست أحداثًا معزولة، بل حلقة في سباق أوسع لإعادة تشكيل شبكات النفوذ والقدرات في آسيا والشرق الأوسط، وهي تعكس رغبة فاعلين إقليميين ودوليين في بناء "قدرات بديلة" للمظلة الغربية التقليدية، مع تداعيات مباشرة على الأمن الإقليمي، انتقالات الطاقة، وسلاسل التزويد للتقنيات الحسّاسة.
1- الوقائع الميدانية
في أواخر سبتمبر 2025 وُقّعت مذكّرات واتفاقيات بين شركة روساتوم والسلطات الإيرانية لبناء محطات نووية — إعلان رسمي تزامن مع معرض ومؤتمر نووي في موسكو، وتحدّثت تقارير عن صفقة مالية كبيرة لبناء عناصر نووية متعددة (اتفاقية بقيمة تُقدَّر بمليارات الدولارات لبناء وحدات جديدة؛ وإشارة إلى خطط إيرانية لبناء مفاعلات إضافية وصولًا إلى أهداف سعة نووية واسعة على مدى العقدين القادمين).
على الضفة الدبلوماسية، حثّت دول أوروبية ثلاث (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا) على تفعيل آليات إعادة فرض عقوبات الأمَم (snapback) على إيران بعد إخفاق مفاوضات معينة، وهو ما أدخل الملف في مسار تصعيدي قانوني على مستوى مجلس الأمن.
في سياق متصل، أقرّت روسيا في 2024 معاهدة شراكة استراتيجية/دفاعية موسعة مع كوريا الشمالية، وصارت العلاقات بين البلدين تتضمن بنودًا للتعاون الأمني وربما تدابير دفاعية متبادلة — وهو تطور أمنى جاد ينعكس على موازين القوى الأوروبية والآسيوية.
على الجبهة الآسيوية–الخليجية: شهدت الفترة أيضًا تعزيز التعاون الاقتصادي–الصناعي بين سيول والرياض، بتوسيع مشاريع شراكةٍ تشمل بناء السفن، السيارات والذكاء الاصطناعي، مع إطلاق حزمة مشاريع جديدة ومتابعة عشرات مشاريع قيد التنفيذ.
أخيرًا، وضمن نفس الإطار الزمني المتسارع، تم توقيع مذكّرة دفاعية استراتيجية بين السعودية وباكستان تُظهِر استعدادًا لتعاون أمني أعمق، ما يُعد تغييرًا مهمًا في حسابات الردع بالمنطقة. \

2- دوافع التوافقات: لماذا الآن؟
الضغط العقابي والعزلة الغربية: العقوبات والتهديدات بإعادة فرض قيود أممية تُدفع دولًا مثل إيران للبحث عن شريك تقني ومالي مطمئن — وروسيا، رغم العقوبات الغربية عليها، تملك صناعات نووية وخبرات بنًاءة يمكن تسويقها كبديل. هذا يشرح توقيت توقيع مذكرات التعاون النووي.
الحاجة إلى أمن بديل وموثوق: دول الخليج، خصوصًا السعودية، تُعيد تقييم ثمن الاعتماد الحصري على التحالفات التقليدية، فتسعى إلى صيغ دفاعية وتجارية مع قوى آسيوية (كوريا، باكستان) لملء فجوات أمنية أو تكنولوجية، لا سيما بعد موجات من الهواجس حول مصداقية الضمانات الخارجية.
روسيا في حالة "سعي لتحصين المواقع": بسبب الحرب في أوكرانيا والعقوبات، تسعى موسكو إلى شركاء استراتيجيين (مثل إيران وكوريا الشمالية) للحفاظ على مجال اقتصادي–أمني بديل، وتوظيف عقود الطاقة والتسلّح لتعميق النفوذ.
التحول في أولويات القوى العظمى (مراوحة الصين–الولايات المتحدة): تزايد التنافس الأمريكي–الصيني دفع الدول الإقليمية إلى ممارسات مواءمة «مرنة» مع قوى متعددة لتأمين مصالحها الاقتصادية والأمنية، بدل الالتزام بخيار ثنائي صارم.
3- حالة إيران–روسيا النووية: طاقة مدنية أم ضبط تأثير جيواستراتيجي؟
التعاون الإيراني–الروسي أخيرًا أخذ أبعادًا عملية (مذكرات بناء مفاعلات صغيرة — SMRs — واتفاقات أكبر لبناء محطات تقليدية). الرسائل المعلنة تقول إن الهدف خدمة حاجة إيرانية ملحة: معالجة أزمة الكهرباء ورفع القدرات الإنتاجية المدنية؛ لكن البُعد الاستراتيجي واضح: توطين صناعة نووية مع شريك لا يخشى العقوبات الغربية يعزّز استقلالية طهران في ملف حساس. تقارير متعددة ذكرت أن طهران تعمل ضمن خطط لرفع القدرة النووية المدنية إلى مستويات كبيرة،وهو ما يجعل الإشراف الدولي والديناميكية التفتيشية في علاقة توتر مع إجراءات إعادة فرض العقوبات.
تداعيات رئيسية:
على المدى القصير: تحسين إمدادات الكهرباء، تمكين صناعات محلية، وتخفيف الضغط الاقتصادي على قطاع الطاقة.
على المدى المتوسط/الطويل: مخاطر سياسية وقانونية مع دول غربية قد تُسارع تفعيل عقوبات إضافية أو إجراءات في مجلس الأمن، ما يفاقم دورة الردّ والاحتواء.

4- روسيا وكوريا الشمالية: شراكة دفاعية ذات بعد تكتيكي
اتفاقات 2024 بين موسكو وبيونج يانج (معاهدة الشراكة الشاملة) ورفعها إلى المستوى التشريعي أظهرت أن روسيا تتورّط في تبادل أمني عميق مع كوريا الشمالية (على نحو غير مسبوق منذ الحرب الباردة). النتيجة فنية بسيطة: موسكو تأمن تدفقات عسكرية وذخيرة، وكوريا الشمالية تحصل على موارد وتعزيز سياسي، بينما يقلق الغرب من احتمال تأمين خطوط إمداد تسليحي في مسرح أوسع.
ملاحظات استراتيجية: هذه العلاقة تزيد تعقيد رادار الاستخبارات الإقليمية، وتستدعي تعاونًا أكبر بين كوريا الجنوبية واليابان والغرب في رصد والتحرّي عن شحنات الأسلحة والاتفاقات اللوجستية.
5- السعودية: واجهات التكامل الآسيوي–الخليجي
كوريا–السعودية: الاتفاقات والصياغات الصناعية والتقنية التي أعلنتها سيول والرياض تعكس رغبة سعودية في النقل التكنولوجي وبناء قاعدة صناعية متقدمة، بما في ذلك اهتمام بالطاقة النووية المدنية. توسّع التعاون إلى بناء سفن، سيارات، وحلول ذكاء اصطناعي، ما يعزّز أواصر الأمن الاقتصادي والقدرة الصناعية السعودية.
السعودية–باكستان: ميثاق الدفاع الاستراتيجي الذي وُقّع أخيرًا يدل على تحول في اختيارات الرياض الأمنية: بحث عن ضمانات ردع إقليمية بديلة، وربما شكل من «التحالفات المخصبة» التي تجمع موارد السعودية الاقتصادية مع عناصر القوة العسكرية الإقليمية (باكستان). هذا الترتيب يمكن أن يكون عنصرًا لردع محتمل، لكنه يفتح أيضًا ملف اسئلة حول توازنات الردع في جنوب آسيا والشرق الأوسط.

6- التفاعلات مع أدوات الضبط الغربية: العقوبات، الـ snapback، واستراتيجيات الاستجابة
تفعيل آليات إقليمية/أوروبية لإعادة فرض عقوبات أممية على إيران (آلية الـ snapback التي حركتها دول الـE3) وضع طهران وموسكو في مواجهة مباشرة مع سياسة جزائية دولية محتملة. لكن على الضفة الأخرى، مثل هذه الإجراءات دفعت اللاعبين المستهدفين إلى تسريع شراكات تعطيهم متنفسًا تقنيًا وسياسيًا. التفاعلية هنا ليست مجرد مواجهة عقوبات مقابل شراكة؛ إنها سباق لإيجاد بدائل بنيوية للتبعية: مصانع، تقنيات، وسلاسل إمداد بديلة.
7- سيناريوهات متوقعة
أولًا: "تطويق وتكثيف العقوبات": إذا نجح المجتمع الدولي في تطبيق حزمة عقوبات فعّالة، فستواجه المشاريع الروسية–الإيرانية عوائق مالية/تقنية، لكن احتمال استمرار التعاون موجود إن توفّر تمويل بديل (آسيوي/روسي) أو ترتيبات مقايضة.
ثانيًا: "بناء منظومات موازية" (السيناريو المرجح متوسط الأمد): عزيمة طهران وموسكو لإتمام مشاريع الطاقة النووية، بالتوازي مع صفقات دفاعية إقليمية (سعودية–باكستانية، روسيا–كوريا الشمالية)، تُفضي إلى شبكة تكامل إقليمية بديلة، مع مزيد من الضبابية حول معايير الرقابة الدولية.
ثالثًا "تفجير إقليمي" (أسوأ السيناريوهات): تراكمات الصدامات، والتداخل بين صفقات تسليحية ونقاط إشعال محلية، قد تؤدي إلى تدهور أمني يتخطّى الحدود المحلية — خصوصًا إذا صاحَبَها أخطاء حسابية أو ضربات استباقية على منشآت حسّاسة.
8- مخاطر وفرص
المخاطر: تشظّي الضوابط الدولية على التقنيات الحسّاسة، صعود منافذ لتوريدات أسلحة/مكونات نووية خارج رقابة فعالة، وإمكانية توسيع ساحات المواجهة جيوسياسيًا.
الفرص: فرص توسيع قنوات الدبلوماسية متعددة الأطراف، إعادة تسعير العلاقات الأمنية عبر آليات تضامن إقليمي، وإمكانات تعاون مدني–بيئي (نقل تقنيات نووية سلمية لتحسين أمن الطاقة).
9- توصيات سياسية
استراتيجية ثنائية المستويات: دمج أدوات الضغط (عقوبات ذكية، مراقبة دولية) مع قنوات دبلوماسية غير علنية لخفض مخاطر التصعيد.
تعزيز التنسيق الاستخباراتي في آسيا–المحيط الهادئ: مشاركة استخباراتية بين اليابان، كوريا الجنوبية، الهند، والإتحاد الأوروبي لرصد شبكات نقل التكنولوجيا والأسلحة.
آليات تمويل بديلة مسيطر عليها: عرض حوافز اقتصادية مُقنّنة لدول الخليج لتبقى ضمن شبكة قانونية للتجارة التكنولوجية، مقابل إجراءات شفافية (تجنّب انتقال تقنيات مزدوجة الاستخدام).
إصلاح أطر الرقابة النووية الدولية: دعم تعزيز قدرات الـIAEA لتمكين تفتيشات أعمق مع ضمانات تشغيلية واضحة لتفادي استغلال الاتفاقات المدنية لأغراض أخرى.
خاتمة
التحولات الحالية في أواخر سبتمبر 2025 لا تُشكّل مجرد «صفقات» منفصلة، بل مشهداً مترابطًا لسباق تنافُس وتوافقات استراتيجية في آسيا والشرق الأوسط. دول مثل روسيا وإيران وكوريا الشمالية تسعى لبناء بدائل للمصالح التقليدية الغربية، بينما دول الخليج تختبر مزيجًا من التنويع الاقتصادي والأمني مع شركاء آسيويين. هذا الواقع الجديد يضع المجتمع الدولي أمام تحدٍ مزدوج: كيف يوازن بين منع الانتشار وتقليل التصعيد، وبين تأمين تدفّق الطاقة والتقنية الضروريتين للاقتصادات الوطنية؟ الإجابة تتطلّب مزيجًا من الضغط القانوني والدبلوماسي، وتعزيز أدوات الشفافية الرقابية متعددة الأطراف، وتحرّكًا حكيمًا لتجنّب إدخال المنطقة في سباق تسلّح وتكاملات موازية قد تُضعف الأنظمة الدولية القائمة.
نانسي طلال زيدان*
كاتبة وباحثة متخصصة في العلوم السياسية



