بعد الاتفاق الأخير.. هل تصمد هدنة غزة الجديدة ؟
أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب والفصائل الفلسطينية ودول تركيا وقطر، كلا على حدة، نجاح المفاوضات التي استضافتها وشاركت فيها مصر بشرم الشيخ في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى في قطاع غزة، وبدء وقف إطلاق النار فعليا في الساعة الثانية عشرة من مساء اليوم الخميس بعد عامين كاملين على القتال في القطاع.
ووفقًا للمعلومات المتاحة عن الاتفاق فإن الحكومة الإسرائيلية ستصادق، في اجتماعها المقرر في الخامسة مساء اليوم بتوقيت القدس، على الاتفاق رسميا، وستُنشر، في هذه الأثناء، أسماء الأسرى الذين سيُطلق سراحهم وخريطة الانسحاب من غزة في المرحلة الأولى للاتفاق.
ويُفترض أن يصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى المنطقة خلال اليومين القادمين للمشاركة في إعلان وقف الحرب في قطاع غزة، بناءً على دعوة مصرية، ويتم في هذه الأثناء إطلاق سراح الأسرى وبدء تدفق المساعدات عبر المعابر، ويرجح أن معبر رفح من الجانبين سيعود للعمل في ضوء هذه الخطة، وتبدأ المفاوضات بشأن المرحلة الثانية من الاتفاق.

عامين من الحرب ومراوغات التفاوض
ويمثل الوصول لاتفاق وقف إطلاق النار لحظة تهدئة نادرة بعد عامين من القتال تخللتهما هدنتين أولهما في نوفمبر 2023، لبضعة أيام، وثانيهما في 19 يناير 2025 وهي الهدنة التي نقضها الجيش الإسرائيلي في 18 مارس من العام الجاري ليستمر القتال حتى اليوم الخميس إذ أُعلن، فعليا، دخول مرحلة وقف إطلاق النار.
ونجحت القاهرة بعد سلسلة من الجهود الدؤوبة والمكثفة رعتها أجهزة الدولة المصرية المختلفة، وفي مقدمتها جهاز المخابرات العامة ووزارة الخارجية، تحت إشراف مباشر من رئاسة الجمهورية في التوصل لاتفاق الهدنة بعد مفاوضات مطولة شارك فيها إلى جانب وفدي الفصائل الفلسطينية وإسرائيل، وفود من قطر وتركيا برئاسة رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، وإبراهيم كالن، رئيس المخابرات الوطنية التركية، على الترتيب.
وجرى التفاوض على أساس المقترحات العشرين التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحت مسمى "خطة السلام" المقترحة في الشرق الأوسط، وهي المبادئ التي سبق أن أعلنت مصر على لسان وزير خارجيتها أنها تحتاج مزيد من التفاوض بشأنها، وبالفعل خضعت المرحلة الأولى التي وصلت الأطراف لاتفاق بشأنها إلى مناقشات ومفاوضات مطولة في شرم الشيخ وصولا إلى إعلان وقف إطلاق النار.

وتقوم المرحلة الأولى على ركيزتين أساسيتين عملية تبادل أسرى تشمل إطلاق سراح جميع الأسرى الإسرائيليين لدى الفصائل الفلسطينية، وسيتم فيها إطلاق سراح جميع الأسرى الأحياء دفعة واحدة وتسليم جثامين الأسرى المقتولين بعد العثور عليها لأن الخطوة الأخيرة تحتاج مزيد من الوقت لاعتبارات الوصول لهذه الجثامين في أماكن احتجازهم التي تعرضت للقصف الإسرائيلي خلال العمليات، وكذلك إطلاق قرابة 2000 أسير فلسطيني منهم 250 من ذوي المحكوميات العالية (المؤبدات) الموجودين في السجون الإسرائيلية.
وفي المرحلة الأولى، ينسحب الجيش الإسرائيلي إلى الخطوط التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل أيام وأرسلت للوسطاء والأطراف المعنية، ولم يتم نشر تفاصيل خطة الانسحاب المحددة وفق النقاط والمناطق، غير أن مطابقة ما نشره "ترامب" مع الخرائط الجغرافية لغزة يشير إلى الجيش الإسرائيلي سينسحب من المناطق الممتدة من مواصي خان يونس جنوب القطاع وحتى بيت لاهيا شمال وهذا يشمل مناطق دير البلح ومخيم البريج وسط قطاع غزة ومدينة غزة التي أوقف الجيش الإسرائيلي بالفعل عملياته فيها وتلقى تعليمات بإعادة الانتشار، حسب ما قالته إذاعة الجيش الإسرائيلي صباح اليوم.
وسيحتفظ الجيش الإسرائيلي في هذه المرحلة بالمناطق الممتدة من رفح، في الجنوب الشرقي، مرورًا بعبسان وبني سهيلا في خان يونس في الجنوب أيضًا وصولًا إلى بيت حانون في الشمال، وهذا يعني أن المناطق التي تعمل فيها المليشيات المدعومة إسرائيليا كمليشيا ياسر أبو شباب وحسام الأسطل ستبقى حاضرة في المشهد، وستظل إسرائيل محتفظة بمحور صلاح الدين "ممر فيلادلفي" ومحور موراج، وكلاهما محوريين ومهمين للجيش الإسرائيلي والمليشيات الموالية له في القطاع.

ولم يكن الوصول إلى هذه النتائج أمرًا يسيرا، بل استغرق الأمر وقتًا طويلًا من المفاوضات والمراوغات والحيل التفاوضية، وجرت هذه المفاوضات على وقع القصف والأوضاع المأساوية في قطاع غزة والدعم الأمريكي الذي سمح لتل أبيب أن تصل إلى هذا الحد، حتى أن المفاوضات انهارت أكثر من مرة آخرها بعد مقترح الرئيس الأمريكي لوقف الحرب في سبتمبر الماضي حين نفذت المقاتلات الإسرائيلية غارة جوية مفاجئة وصادمة استهدفت الوفد القيادي المفاوض لحركة حماس في العاصمة القطرية الدوحة، في 9 سبتمبر الماضي، وعقدت هذه الغارة من الأوضاع ودفعت الجانب القطري للانسحاب من الوساطة مؤقتا وأعلنت حركة حماس كذلك أنه لا معنى للتفاوض مع عدو يستهدف المفاوضين خلال بحث تفاصيل صفقة وقف الحرب.
ونجحت الدول العربية والإسلامية وأبرزها مصر والسعودية والإمارات وقطر والأردن وتركيا وإندونيسيا في إعادة دفع المفاوضات إلى مسارها مرة أخرى، وقدمت هذه الدول إلى الرئيس الأمريكي مقترحتها خلال الاجتماع الذي عقدته معه على هامش أعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك، ثم أعلن "ترامب" بعد لقاءٍ آخر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، نقاطه العشرين التي تختلف عن ما قدمته الدول العربية له، وبعدها استضافت مصر وفد حركة حماس وناقشا معًا الرد على المقترح الأمريكي واستمرت المفاوضات وصولا إلى الاتفاق الحالي.
هدنة هشة
وعقب الإعلان عن التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار سادت حالة من الفرح قطاع غزة ومعها تفاؤل كبير في الشارعين العربي والإسلامي بانتهاء الحرب، غير أن لحظة التفاؤل المستحق بعد عامين من حرب الإبادة على قطاع غزة لا تنفي وجود تخوفات من الناحية العملية بشأن احتمالية انهيار وقف إطلاق النار في أي لحظة.
وحتى الآن، تبقى الضمانات الحقيقية هي تعهدات الوسطاء بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، ومصر، وقطر، وتركيا بشأن استمرار وقف إطلاق النار والانتقال من المرحلة الأولى للمرحلة الثانية وهو انتقال لن يكون سهلا على الإطلاق، ولا يمكن للتفاؤل أن يُخفي تعقيدات الموقف الحالي فما زالت النقاط الأصعب لم يتم الاتفاق عليها، كما أن إسرائيل سبق أن كسرت الهدنة الثانية المبرمة في 19 يناير 2025، وعادت للقتال لمدة 7 أشهر كاملة قبل أن يتم التوصل للاتفاق الحالي.

وتبين دراسة محددات موقف كل طرف من أطراف التفاوض دوافع التوصل للاتفاق في مرحلته الأولى، فبالنسبة للجانب الإسرائيلي، ومن وراءه الجانب الأمريكي، فإن محفزات الوصول لوقف إطلاق النار الموقف الدولي الحالي الذي تتزايد فيه عزلة تل أبيب بصورة جلية، وضحت بما لا يدع مجال للشك في مؤتمر نيويورك للسلام (حل الدولتين) الذي رعته المملكة العربية السعودية وفرنسا وفي البيانات الصادرة ضد إسرائيل وانسحاب وفود الدول من قاعة الأمم المتحدة عند بدء نتنياهو كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وبجانب المواقف الرسمية، زاد الحراك الشعبي ضد تل أبيب خلال الفترة الأخيرة، بما فيه الاحتجاجات الطلابية والعمالية في أوروبا والولايات المتحدة واستمرار محاولات كسر الحصار عن طريق سفن "أسطول الصمود" وكل هذه التحركات شكلت ضغطًا على إسرائيل أظهرتها بمظهر الدولة المارقة المعادية للمجتمع الدولي ككل.
وعلى صعيد الوضع الداخلي، ظلت مسألة الأسرى الإسرائيليين حاضرة في المشهد طوال عامين، رغم أن نتنياهو لم يضعها في أولوياته، لكنها شكلت ضغطًا على الجانب الإسرائيلي، ومن ثم جاء المقترح الأخير بمثابة إنقاذ لتحريك الموقف واستعادة ما تبقى منهم.
أما الجانب الفلسطيني ممثلًا في حركة حماس والفصائل الأخرى فإن دافعه الأساسي ركز على وقف الحرب ودخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة ثم إطلاق سرح الأسرى، وأدركت الفصائل أن ورقة الأسرى الإسرائيليين لم تكن كافية بمفردها لثني تل أبيب عن عدوانها على قطاع غزة علاوة على أن الاحتفاظ بهؤلاء الأسرى له تكلفته وصعوباته الجمة في ظل الحرب، ولذا فإن الحركة الفلسطينية قبلت فكرة إطلاق سراحهم مجتمعين خلال 72 ساعة من بدء وقف إطلاق النار.

ويظهر مما سبق أن لكل طرف دوافعه الخاصة التي تلاقت مرحليا في هذه اللحظة، غير أنها قد تنفصل في أي وقت، فما زال اليمين المتطرف الإسرائيلي حاضرًا في المشهد، وهذا اليمين يريد استمرار الحرب تمامًا حتى القضاء على الفلسطينيين لا حماس فقط، وهذا السبب دفع وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سيموتريتيش في اتجاه مضاد للصفقة معلنًا بأنه لن يصوت لها في اجتماع الكابينت (المجلس الوزاري الأمني المصغر).
وفي ضوء كل هذا فإن الخشية من خرق الهدنة والعودة للحرب مرة أخرى تظل أمرًا مبررا للغاية، فطبيعة النخبة القيادية الحاكمة بما فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي نفسه، متطرفة وترى أنه من الضروري دفع الفلسطينيين إلى الهجرة خارج قطاع غزة التي تسميها تل أبيب بالهجرة الطوعية، وهي في جوهرها وجه آخر للتهجير القسري فرضته إسرائيل بالحديد والنار عبر تدمير كل مقومات الحياة في غزة على مدار عامين من الحرب.
مستقبل ملبد بالغيوم وعدم اليقين
وبالانتقال من الأقرب إلى الأبعد، نلاحظ أن التخوفات أكثر وأعمق، فنقاط ترامب العشرين أو مبادئه للتهدئة المسماة بخطة ترامب للسلام في الشرق الأوسط، مستقاة بشكل رئيس من خطط أخرى أعدتها جهات لها صلة بإسرائيل أو تابعة لها ومنها خطة الثقة العظيمة التي رعتها مؤسسة غزة الإنسانية GHF(الأمريكية- الإسرائيلية)، وخطة معهد توني بلير للتغيير العالمي وغيرها، وهذا يعني أن الخطة تُعطي إسرائيل أكثر مما ينبغي وتتبع وجهة النظر الإسرائيلية، وربما كان هذا سبب اقتراح إطلاق الأسرى الإسرائيليين دفعة واحدة ففي هذه الحالة ستُجرد حماس والفصائل الفلسطينية من آخر ورقة لديهم، وهي ورقة الأسرى وستحرر إسرائيل من عبئهم حال قررت العودة للقتال، مع الإقرار بأن ورقة الأسرى كانت منذ بدء الحرب مسألة هامشية بالنسبة للحكومة الإسرائيلية.
من ناحية أخرى، لم يتفق الاتفاق على بقية القضايا الكبرى ومنها طبيعة الإدارة التي ستدير غزة في اليوم التالي للحرب، وعن الدور الأمريكي والإسرائيلي فيها وبالطبع دور رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، وكذلك دور السلطة الفلسطينية التي لم يُلتفت إليها في المفاوضات الأخيرة ولم تحضر، وقضية الإدارة هذه تبقى فيها وجهات نظر متعارضة ولم تقبل واشنطن ولا تل أبيب بعد بفكرة مشاركة السلطة الفلسطينية بعد في الحكم بل إن الدوائر المعنية في تل أبيب وواشنطن ترى إصلاح السلطة أولًا، قبل مشاركتها وهذا الإصلاح لم يُقدم تصور متماسك له حتى الآن بل مجرد أفكار غائمة منها تغيير وجه السلطة الفلسطينية ونقل القيادة من الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن إلى جيل جديد (قد يكون حسين الشيخ نائبه الحالي، وماجد فرج رئيس جهاز المخابرات الفلسطيني على رأس المرشحين لذلك).

وبالتالي فإن السلطة الجديدة التي ستنشئ في غزة قد لا تكون توافقية بالكامل، فترامب يريد "هيئة عليا" تحت قيادته ومصر ترى نموذجًا إداريًا أقرب للجنة المصالحة الفلسطينية وسيكون لها الدور الأبرز في فرض الأسماء المسؤولة عن عملية الإدارة في مرحلة ما بعد الحرب على ما يبدو، والسلطة الفلسطينية تبحث عن دور لها في مستقبل غزة، وحركة المقاومة الإسلامية "حماس" والفصائل الفلسطينية الأخرى تتوجس من القادم وتخشى تجدد الحرب مرة أخرى بعد تسليم الأسرى، وبخلاف كل هذا فالسلطة الجديدة ستواجه أزمة شرعية قانونية، فهي وإن كانت سلطة انتقالية إلا أنها ستحتاج لتفويضات وقرارات لنشوئها، وهذا التفويض قد يصدر من مجلس الأمن بالطبع وقد يصدر عن السلطة الفلسطينية لكن عدم تحديد طبيعة هذه السلطة ومسؤولياتها سيكون أزمة تضاف إلى سجل الأزمات الحالية.
ويرتبط بالسلطة الجديدة، مشكلة وجود قوات أمن جديدة وهل هذه القوة ستكون تابعة للسلطة الفلسطينية أم للقوات الدولية والعربية التي تحدثت عنها مصادر عنها، مؤخرًا، واقترحت دخولها تحت مظلة الإدارة المؤقتة وبتفويض من مجلس الأمن الدولي لتكون بمثابة قوات فض اشتباك تعمل على مراقبة وقف إطلاق النار وتتسلم المهام الأمنية من الجيش الإسرائيلي بعد الانسحاب ومع ذلك فستبقى هناك مشكلة أخرى وهي أن الجيش الإسرائيلي يخطط لشن ضربات نوعية ضد من تبقى من مقاتلي وكوادر المقاومة الفلسطينية، على غرار ما يحدث في لبنان، وهذا سيكون أمرًا معقدا يحتاج تنسيق مع أي قوة جديدة تدخل للقطاع كما سيعد خرقا لاتفاق الهدنة التي قد تنهار بالفعل مع استمرار هذه الخروقات.
وعلاوة على ما سبق، فلا تُوجد حتى الآن خطط محددة وفق جدول زمني لانسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة، والخطة المقترحة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تنص على وجود منطقة أمنية عازلة حول قطاع غزة، مما يعني وجود مناطق مقتطعة من القطاع لن يُسمح للفلسطينيين بالعودة إليها، وعدم تحديد الإطار الزمني قد يؤدي إلى تأخير أمد الانسحاب ومماطلة إسرائيل بالطبع، كما أن المعلومات المتوافرة بشأن جولة المفاوضات التي قادت لاتفاق وقف إطلاق النار الحالي في مرحلته الأولى تؤكد وجود خلافات على استمرار وجود الجيش الإسرائيلي في محور فلادلفي/ محور صلاح الدين، ونقاط أخرى وقد تقرر إسرائيل الاحتفاظ بها وهذا سيعقد أيضًا جهود وقف إطلاق النار.
ومن الواضح أن الفصائل الفلسطينية تستشعر وجود هذه المخاطر وتطالب الوسطاء بضمانات والعمل من أجل إتمام الصفقة حتى مرحلتها النهائية وهذا كله مبرر بالنظر إلى ما حدث في الهدنة الثانية المنهارة في مارس الماضي، وتحذر الفصائل من تكرار النموذج اللبناني إذ لم تنسحب إسرائيل من المواقع الاستراتيجية الخمسة التي تحتلها في جنوب لبنان رغم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين تل أبيب وحزب الله في نوفمبر 2024 بوساطة أمريكية، وما زالت إسرائيل تماطل في هذا الانسحاب وتتذرع بنزع سلاح حزب الله.
وبالطبع فإسرائيل أمامها فرصة مماثلة في غزة لتتذرع بمسألة نزع سلاح الفصائل الفلسطينية، وهذا سيكون مطروحًا في الجولة الثانية من المفاوضات التي ستبدأ خلال أيام، وبالتأكيد فإن المفاوضات قد تتعقد، وقد تطيل إسرائيل أمدها عن عمد أو تتعمد إرباكها أو الحديث عن نقاط شكلية أو التوقف فيها وكل هذا سيؤثر حتما في الانتقال إلى الهدوء المستدام والوقف الكامل لأعمال الحرب.
وعلى نفس المنوال، لن تكون قضية إعادة الإعمار بأيسر من قضية نزع سلاح حركة حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى، ويمكن فهم بعض تحركات اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة خلال الأيام القليلة الماضية، بأنها تحركات استباقية لإعاقة عملية إعادة الإعمار، فاللوبي الصهيوني الآن يركز على بدء حملة جديدة لحشد الدعم ضد قضية إعادة الإعمار، وهذه الحملة ستستهدف الدور القطري والتركي في قطاع غزة، وستتمسك بالسردية الإسرائيلية المزعومة لتمويل قطر لحركة حماس، وهذا التحرك له دلالته بالتأكيد فتعطيل عملية إعادة الإعمار، وهي شديدة الصعوبة والتعقيد وتحتاج لجهد دولي وإقليمي منسق وتمويل كبير.. إلخ، يعني فعليا السماح بخطة التهجير دون تسميتها بخطة التهجير فكثير من مناطق قطاع غزة غير صالحة للعيش الآن، وتوفير الخدمات الأساسية لقطاع غزة لن يكون سهلا، ومن ثم فما البديل أمام الفلسطينيين هناك سوى محاولة العيش المستحيلة فوق الركام وعلى الأنقاض ووسط مخلفات الحرب الخطرة أو التفكير في الهجرة إلى بلد أخرى، وهذا عينه ما تفضله الحكومة الإسرائيلية الحالية وتسميه بخطة التهجير الطوعي، وهي ليست خطة طوعية كما أسلفنا.

وبناءً على كل ما سبق، فإن النظر إلى الواقع الحالي ينبئ بوجود مسارات مستقبلية محدودة ستسلكها هذه الأزمة حتما، الأول أن تنجح المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار في قطاع غزة، ومتوقع لها أن تنجح لأن الإرادة متوافرة لذلك والمواقف الإقليمية والدولية داعمة لها، ثم يحدث بعض التعثر في الانتقال للمرحلة التالية وهذا التعثر قد يأخذ شكل تعطيل متعمد عن طريق إطالة المفاوضات أو شن عمليات محدودة ضد الفصائل الفلسطينية وكوادرها أو إعاقة وصول المساعدات الإنسانية.. إلخ، ولا يتوقع في هذه الحالة أن يعود الجيش الإسرائيلي للحرب الكاملة مرة أخرى أو للحملات الكبيرة كما كان يفعل، وهذا يتيح له أن ينفي أنه عاد للحرب مجددًا ويمكنه من شن هجمات لتقويض ما تبقى من قدرات الفصائل الفلسطينية وهذه الحالة أقرب للنموذج اللبناني بالطبع مع بعض الاختلافات، ويبدو أنها الأكثر احتمالا حتى الآن، وهذا تقدير لحظي قد يختلف خلال الأيام المقبلة بناءً على المعطيات الجديدة.
قضايا نزع السلاح وإعادة الإعمار
أما المسار الثاني، وهو أقل احتمال من سابقه، ففيه يُحتمل انهيار الهدنة في المراحل التالية وقد يتم ذلك بسبب الخلافات على قضايا نزع السلاح وإعادة الإعمار وبقاء قادة حماس في القطاع أو خروجهم أو غيرها من التفاصيل، وهذا الانهيار لو حدث فسيكون بضغط قوي من وزراء اليمين الإسرائيلي ومعهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وهذه الرؤية، التي تبدو متشائمة من منظور بعض المراقبين، تبقى رؤية واقعية بالنظر إلى حالة الجموح الإسرائيلي وطبيعة النخبة الحاكمة في الوقت الراهن.
الضغط الأمريكي والعربي
وأخيرًا، سيكون المسار الثالث عبارة عن نجاح الخطة المقترحة للسلام والانتقال بعد المفاوضات وتفاصيلها إلى المرحلة التالية لوقف إطلاق النار، وهذا يحتاج لمواصلة الضغط الأمريكي والموقف العربي والإسلامي الموحد والضاغط من أجل إتمام الاتفاق، والعمل على إعادة إعمار قطاع غزة وتوفير الخدمات الأساسية للفلسطينيين، وإرغام إسرائيل على وقف الحرب والالتزام بالانسحاب من الكامل من قطاع غزة، ويُتوقع أن يحتفظ الجيش الإسرائيلي بالمنطقة الأمنية العازلة المقترحة من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بحسب الخرائط المنشورة، وهذا المسار لن يكون سلسًا لكن حال توافرت له الإرادة الحقيقية مع استمرار الجهود الكابحة للجموح الإسرائيلي فقد يتوج الأمر بالنجاح في نهاية المطاف، وهذا احتمال أقل من سابقيه لكن يبقى قائمًا في اللحظة الحالية التي خلقتها وفرضتها طبيعة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وما أحدثته من ارتدادات إقليمية وعالمية.
أحمد سلطان*
باحث في الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب



