ما بعد طوفان الأقصى.. هل تشهد إسرائيل 7 أكتوبر جديدة؟
بعد عامين على أحداث السابع من أكتوبر 2023، لا يزال السؤال يفرض نفسه على الساحة الإسرائيلية والعربية والدولية: هل يمكن أن تتكرر تلك الواقعة المزلزلة التي غيرت معادلات الصراع في المنطقة، وأدخلت إسرائيل في أطول حرب تشهدها منذ تأسيسها؟
فخلال عامين من الحرب التي أحرقت الأخضر واليابس داخل قطاع غزة، تحول القطاع إلى مقبرة جماعية لمليوني إنسان بين مشرد ومعدم، فيما تحاول تل أبيب استعادة توازنها الأمني والنفسي بعد الصدمة التي أحدثتها عملية "طوفان الأقصى".

قصور أم عبرة مستفادة؟
بُنيت أحداث السابع من أكتوبر على تخطيط عسكري دقيق من حركة حماس، ارتكز على تنفيذ عمليات نوعية واحتجاز رهائن لاستخدامهم كورقة ضغط في المفاوضات. في المقابل، كشفت الأحداث عن قصور استخباراتي وأمني إسرائيلي خطير، تمثل في التقليل من شأن قدرات الحركة العسكرية وعدم تقدير نواياها الفعلية.
وقد أكد تقرير للجيش الإسرائيلي مطلع عام 2025 هذا القصور، مشيرًا إلى أن المؤسسة العسكرية أساءت التقدير تجاه قدرات حماس واستعداداتها.
هذا الفشل لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج حالة من الغرور والتعالي أصابت النخبة السياسية والأمنية في إسرائيل، التي رأت في اتفاقيات "إبراهام" وتمدّدها في الخليج والمغرب تجاوزًا تامًا لما تسميه "الخطر الفلسطيني". تجاهلت تل أبيب التحذيرات المبكرة من تحركات حماس، وتعاملت معها بوصفها مجرد تدريبات روتينية. حتى إن الوفد السياسي للحركة في الدوحة، وفق تقديرات لاحقة، لم يكن على علم كامل بخطط الجناح العسكري.
تكرار للغرور الإسرائيلي
ما جرى في 7 أكتوبر أعاد إلى الأذهان مشهد الغرور الإسرائيلي قبل حرب أكتوبر 1973، حين اعتمدت القيادة العسكرية على تفوقها التقني والاستخباراتي وتجاهلت استعدادات الجيشين المصري والسوري، فكانت النتيجة هزيمة قاسية أعادت التوازن للمنطقة.
ويبدو أن ذلك الدرس لم يُستوعب بعد، فبعد عامين من حرب غزة، تعيش إسرائيل حالة من الزهو العسكري بعد سلسلة اغتيالات لقادة الصف الأول في حماس كـيحيى السنوار وإسماعيل هنية ومحمد الضيف، فضلًا عن اغتيال حسن نصر الله في لبنان، وضرب المفاعلات النووية الإيرانية في نطنز وفوردو.
لكن هذا التفوق الظاهري يخفي نقطة ضعف قاتلة، إذ إن الإفراط في الثقة يعمي العيون عن إمكانية عودة المقاومة في شكل جديد. فالحروب لا تُنهي الأفكار، بل تولد أجيالًا جديدة من الغضب والرغبة في الانتقام.
مخاوف تل أبيب
رغم ما تحققه تل أبيب من انتصارات تكتيكية، فإن التخوفات داخل المجتمع الإسرائيلي تتزايد على نحو غير مسبوق منذ قيام الدولة عام 1948، ومن أبرزها:
انعدام الأمن الشخصي:
فقد صُدم الإسرائيليون من مشهد الأسر والتشريد الذي أصاب مدنيين داخل إسرائيل نفسها، وهو أمر لم يعرفوه إلا في حروب لبنان، ما أدى إلى تراجع الثقة في قدرة الدولة على حمايتهم.
هيمنة اليمين الديني:
سيطرة اليمين الديني المتطرفة على القرار السياسي أضعفت مؤسسات الدولة، وخلقت تضاربًا بين القيادات العسكرية والسياسية. وتقلصت الدبلوماسية الإسرائيلية إلى حد العزلة، حتى من حلفاء تقليديين، وهو ما ظهر خلال الحرب الأخيرة على غزة.
الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة:
مع تزايد تعقيد الحرب، باتت إسرائيل أكثر اعتمادًا على الدعم الأمريكي في العمليات الحساسة، مثل قصف منشأة "فوردو" النووية الإيرانية. إلا أن هذا الاعتماد أثر قلقًا عميقًا داخل المؤسسة الأمنية من احتمال تغيّر الموقف الأمريكي في حال وصول إدارة جديدة أكثر تحفظًا.
هل نرى 7 أكتوبر جديدة؟
في ضوء هذه المؤشرات، يبدو أن تكرار سيناريو 7 أكتوبر ليس احتمالًا بعيدًا. فإسرائيل التي لم تتعلم من غرورها السابق، ما زالت تكرر أخطاءها في التقدير والافتراض، بينما يعيش الفلسطينيون مأساة إنسانية عميقة تولد غضبًا تاريخيًا سيجد طريقه إلى أشكال مقاومة جديدة.
قد لا تكون حماس، المنهكة من الحرب، هي صاحبة الفصل القادم، لكن جيلًا جديدًا — ربما من "جيل زد" الفلسطيني — يتشكل الآن وسط الأنقاض والحرمان، يحمل أفكارًا مختلفة عن المقاومة التقليدية، وقد يجمع بين التكنولوجيا والعقيدة والرفض الوجودي للاحتلال.
في الشرق الأوسط، لا تموت الحروب ولا الانتصارات، بل تتحول، فضلا عن أن غرور القوة الإسرائيلية قد يكون بذرة الضعف المقبلة، والدمار في غزة قد يكون رحمًا يولد منه 7 أكتوبر جديدة، ربما أكثر قسوة وضراوة، في زمن لا يزال فيه الأمن الإسرائيلي هشًا مهما بلغت ترسانته العسكرية.
محمد الدابولي*



