رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

طوفان الأقصى: حين استعاد الفلسطينيون صوتهم وفقدوا حياتهم

العدوان الإسرائيلي
العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة

يُعدّ يوم السابع من أكتوبر 2023 نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إذ فجّر عملية عسكرية غير مسبوقة في آثارها الميدانية والإنسانية والسياسية، وأعاد ترتيب أولويات الإقليم والعالم حيال القضية الفلسطينية. إلا أن هذا اليوم، الذي مثّل لحظة مقاومة وصدمة في آنٍ واحد، كشف عن تعقيدات جديدة في معادلة النضال، بين المكاسب الرمزية قصيرة الأمد والخسائر الممتدة على المستويين الإنساني والبنيوي.

العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة 
العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة 

أولًا: الكارثة الإنسانية – الأرقام تتحدث عن مجزرة ممتدة

تشير التقديرات الميدانية إلى أن عدد الشهداء الفلسطينيين تجاوز 67 ألف شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال وكبار السن. هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم العنف الإسرائيلي، بل تجسّد انهيار البنية المجتمعية في قطاع غزة على نحو غير مسبوق.

فوفقًا لتقارير حقوقية وإنسانية، قُتل ما يزيد على 8120 طفلًا خلال الأشهر الثلاثة الأولى فقط من الحرب، وفقد آلاف الأطفال أحد الوالدين أو كليهما، فيما تحوّل 77 طفلًا يوميًا إلى أيتام، و29 امرأة إلى أرملة، وتُسجّل 16 حالة إجهاض يومية نتيجة القصف أو تدهور الظروف الصحية.

إلى جانب ذلك، أصيب عشرات الآلاف بجروح خطيرة وإعاقات دائمة، وسط انهيار شبه كامل للمنظومة الطبية: مستشفيات مدمّرة، نقص حاد في الأدوية والمعدات، وعجز الطواقم الطبية عن تلبية الاحتياجات المتزايدة. هذا الانهيار أدّى إلى ارتفاع الوفيات غير المباشرة الناجمة عن الجوع، العدوى، والأمراض المزمنة.

ترافق ذلك مع تدمير واسع للبنية التحتية والمراكز الثقافية والأثرية، ما مسح ملامح هوية عمرانية وثقافية ممتدة لعقود، وجعل القطاع يعيش نكبة إنسانية شاملة، حيث باتت الحياة اليومية أقرب إلى البقاء الغريزي منها إلى الحياة المدنية.

العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة 
العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة 

ثانيًا: المكسب الرمزي – عودة القضية إلى الواجهة العالمية

على المستوى الرمزي والإعلامي، مثّل السابع من أكتوبر نقطة إحياءٍ جديدة للقضية الفلسطينية بعد سنوات من التهميش الدولي والانقسام العربي. فقد عادت فلسطين إلى صدارة النقاشات السياسية والإعلامية في الغرب، كما شهدت الشوارع في أوروبا وأمريكا اللاتينية والعالم العربي مظاهرات غير مسبوقة دعمًا لغزة ورفضًا للعدوان.

أعادت الأحداث كذلك توحيد الخطاب الشعبي العربي والإسلامي حول مركزية فلسطين، بعد أن كانت موجة التطبيع قد نجحت في تهميشها. وأصبحت مشاهد الدمار والمجازر حافزًا لتجديد الوعي الجمعي بفظاعة الاحتلال، وأعادت الاعتراف الأممي بالحقوق الفلسطينية إلى الواجهة، من خلال جلسات الأمم المتحدة، ومواقف مؤسسات مثل "اليونسكو" التي أكدت ضرورة حماية التراث الثقافي الفلسطيني.

إلا أن هذا المكسب الرمزي ظل هشًا ومحدود الأثر، إذ لم يُترجم إلى تغيير فعلي في ميزان القوى، ولم يوقف العدوان أو يضمن مساءلة المسؤولين الإسرائيليين. وهو ما يثير تساؤلات جوهرية حول قيمة الوعي إذا لم يقترن بالردع والعدالة.

العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة 
العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة 

ثالثًا: المأزق الأخلاقي والسياسي – بين الوعي الإنساني وشرعنة العنف

تضع هذه الحرب العالم أمام سؤال أخلاقي مركزي: هل يمكن أن يُبرّر دعم القضية الفلسطينية على حساب عشرات الآلاف من الأرواح؟ وهل يمكن اعتبار الكارثة الحالية "ثمنًا مقبولًا" مقابل إعادة الاعتبار إلى القضية سياسيًا وإعلاميًا؟

إن استمرار الصمت الدولي وتردّد المؤسسات الحقوقية في توصيف ما جرى كـ"إبادة جماعية" لا يعني فقط عجز النظام الدولي عن حماية المدنيين، بل يشير إلى خطر ترسيخ سابقة جديدة: قبول القتل الجماعي كأداة من أدوات "الحرب الحديثة"، ما يُهدد منظومة القانون الدولي برمتها.

 

 

رابعًا:  إعادة البناء – بين المادي والإنساني

الحديث عن إعادة الإعمار يجب أن يتجاوز الطابع الهندسي إلى البعد الإنساني والنفسي. فالمجتمع الغزّي يعيش أزمة هوية وجودية: آلاف الأطفال بلا أسر، أحياء كاملة بلا مدارس أو مستشفيات، ونسيج اجتماعي مفكك.

الترميم الحقيقي يبدأ بإعادة الحياة إلى الإنسان قبل الحجر، عبر دعم نفسي واجتماعي وصحي وتعليمي شامل، يمكّن الجيل الناشئ من تجاوز آثار الصدمة وإعادة بناء ذاته كجزء من مشروع وطني جامع.

خامسًا: بين المكسب الرمزي والخسارة الوجودية

السابع من أكتوبر سيبقى حدثًا مفصليًا أعاد تعريف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. فقد استُعيدت القضية الفلسطينية إلى الوعي العالمي، لكن بثمن إنساني غير مسبوق.

الاختبار الحقيقي الآن هو في تحويل الكارثة إلى فرصة للمساءلة والعدالة، لا إلى مجرد ذكرى بطولية. فالدعم الرمزي لا يبرّر موت الأحياء، والمقاومة لا تكتمل إلا بحماية الإنسان الذي تُرفع لأجله الراية.

إن إعادة بناء فلسطين لا تبدأ من الأنقاض، بل من الإنسان الذي بقي ليحكي، ويطالب، ويواصل الحياة رغم الركام.

دكتور سعيد محمد أبو رحمة

كاتب وباحث فلسطيني- قطاع غزة 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء