رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

طوفان الأقصى وصعود اليمين المتطرف: كيف استثمرت أوروبا الخوف لإعادة تشكيل خطابها السياسي؟

مظاهرات لدعم فلسطين
مظاهرات لدعم فلسطين في أوروبا

شكلت حرب السابع من أكتوبر نقطة تحوّل مهمة في الخطاب السياسي داخل أوروبا، حيث استغلت أحزاب اليمين المتطرف الأزمة لإثارة المخاوف الأمنية، إذ ربطت هذه الأحزاب تصاعد التوترات الإقليمية بتهديد مباشر للهوية الوطنية والاستقرار الداخلي، مما عزز دعم قواعدها الشعبية التي تخشى من تدفقات جديدة من اللاجئين أو من تصاعد التهديدات الإرهابية. 

هذا الخطاب الأمني ساعدها على استقطاب مزيد من الناخبين، خصوصًا من الطبقات الاجتماعية المتوسطة والمنخفضة التي تشعر بالتهديد من الأزمات الخارجية، فقد استخدمت الأحزاب اليمينية المتطرفة الأزمة لتعزيز خطابها المعادي للهجرة والمعارض للسياسات الأوروبية التقليدية، مستغلة المخاوف الأمنية والهوياتية التي أثارتها الحرب.

بشكل عام، أدت الحرب إلى تعزيز خطاب اليمين المتطرف عبر استثمارها في مشاعر الخوف وعدم اليقين، مما ساهم في زيادة قاعدة الدعم الشعبي لهذه الأحزاب ودفعها إلى موقع قوة أكبر داخل الحكومات والبرلمانات الأوروبية.

مظاهرات لدعم فلسطين في أوروبا
مظاهرات لدعم فلسطين في أوروبا

أولًا: الاستثمار في التغيرات الجيوسياسية بعد السابع من أكتوبر

زادت ادعاءات اليمين المتطرف بشأن سياسات الاتحاد الأوروبي في استقبال اللاجئين وعدم فرض رقابة صارمة على الحدود، مبيّنًا أنها تضع أوروبا في خطر متزايد،  كما استغلت بعض هذه الأحزاب عدم اتفاق الاتحاد الأوروبي على استراتيجية موحدة حيال الأزمة ليروجوا لفكرة أن التكتل الأوروبي يفشل في حماية مصالح أعضائه، مما يعزز الدعوات لسيادة وطنية أقوى وعزل أوروبا عن التأثيرات الخارجية.

كما أبرزت حرب السابع من أكتوبر الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي بين الدول التي تدعم مواقف أكثر تشددًا وبين أخرى تميل إلى الدبلوماسية والحلول السلمية؛ مما أتاح لأحزاب اليمين المتطرف أن تستغل هذا الانقسام لترويج برامجها القومية التي ترفض التسويات التوافقية، مما مكنها من تعزيز حضورها في البرلمانات الوطنية والأوروبية. وقد انعكس ذلك في نتائج الانتخابات التي أعقبت الحرب وشهدت نموًا واضحًا في مقاعد هذه الأحزاب.

مع دخول بعض أحزاب اليمين المتطرف إلى حكومات ائتلافية، شهدت سياساتهم تحولات نحو تلطيف الخطاب الراديكالي. فقد اضطرت هذه الأحزاب لموازنة مطالب قواعدها المتشددة مع الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية، خصوصًا في ظل التحديات التي فرضتها الأزمة الإقليمية الجديدة. 

هذا الانتقال البراجماتي مكنها من توسيع نطاق تأثيرها، بينما حافظت على قوتها الانتخابية بالاستمرار في استغلال القضايا الأمنية والهوياتية.

ثانيًا: التطبيع السياسي لليمين المتطرف 

أظهرت أحزاب اليمين المتطرف براعة في توظيف حرب السابع من أكتوبر لتوسيع دائرة تأثيرها، عبر خطاب يستند إلى الخوف من "الخطر القادم من الشرق الأوسط"، وليس فقط من الحرب بحد ذاتها، بل مما تمثله: اللاجئون، و"الإسلام الراديكالي"، وتهاون الحكومات الأوروبية مع ما تصفه تلك الأحزاب بـ"التهديدات الحضارية".

 في هذا السياق، تم استدعاء صور قديمة من أزمة اللاجئين في 2015، وكأن أوروبا على أبواب موجة جديدة من الهجرة. هذا التكتيك عزز الشعور بأن هذه الأحزاب فقط هي من "تقول الحقيقة" وتملك الشجاعة لحماية أوروبا.

مظاهرات لدعم فلسطين في أوروبا
مظاهرات لدعم فلسطين في أوروبا

وظف حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) الصراع لإعادة تأكيد دعواته لتشديد سياسات اللجوء، معتبرًا أن الأمن القومي بات مهددًا، وأن الاتحاد الأوروبي غير قادر على حماية الحدود. بالمثل، ركّز حزب "التجمع الوطني" الفرنسي، على أن التدخلات الخارجية تجلب التهديدات إلى الداخل، معيدًا التأكيد على خطابه القومي المناهض للهجرة، خصوصًا من الدول الإسلامية. وفي هولندا، استغل حزب "الحرية" الحرب لإقناع الجمهور بأن سياسات الاتحاد الأوروبي الليبرالية تجاه الهجرة لم تعد صالحة، وهو ما ساعده على تحقيق فوز كبير في الانتخابات الأخيرة. أما في إيطاليا، فرغم براجماتية حزب "إخوة إيطاليا" في الحكم، فقد تبنّى خطابًا أكثر صرامة تجاه الهجرة، مطالبًا بمقاربة أوروبية أمنية جماعية، واعتبر أن الصراع يعزز أولوية حماية المصالح الوطنية من التداعيات الخارجية.

تكمن أهمية هذا التحول في أن هذه الأحزاب لم تكتفِ بالتحريض ضد المهاجرين أو مهاجمة السياسات الأوروبية فحسب، بل أصبحت لاعبين مؤثرين في تشكيل الحكومات وصياغة السياسات؛ فالحرب لم تخلق هذا المد اليميني، لكنها سرّعت اندفاعه، ومنحته شرعية إضافية عبر بوابة الأمن والهوية.

ثالثًا: صعود اليمين ونهاية الراديكالية 

رغم اختلاف درجات التطرف والخطاب، استخدم اليمين المتطرف حرب السابع من أكتوبر كورقة سياسية قوية لإعادة صياغة النقاش العام حول الهجرة، الأمن، والهوية الوطنية، إذ ساهم الضغط اليميني على الأحزاب الوسطية؛ ما دفعها إلى تبنى مواقف أكثر تحفظًا تجاه الهجرة، حتى دون الحاجة إلى تحالف مباشر مع اليمين المتطرف.

 الحرب منحت هذه السياسات زخمًا إضافيًا، حيث برزت مقترحات لتقييد حق اللجوء، تسريع عمليات الترحيل، ومراجعة اتفاقية شينجن، ورغم المخاوف حول حقوق الإنسان، سياسات اللجوء، والموقف من الأقليات، إلا أن الوقائع السياسية والقانونية في أوروبا تفرض تقييدات تحول دون تحولات جذرية سريعة، فحتى أكثر الأحزاب تشددًا، كحزب البديل من أجل ألمانيا، عندما تقترب من الحكم، تُجبَر على التراجع عن دعوات مثل "الخروج من الاتحاد الأوروبي" أو "إلغاء اللجوء"، بسبب الاعتبارات الاقتصادية والدستورية، والضغط من الأحزاب الشريكة في الحكم. 

لذلك فإن التحول الحقيقي يكمن في تأثير هذه الأحزاب على أجندات الأحزاب التقليدية، لا في انقلاب كامل على النظام السياسي الأوروبي.

رابعًا: تقويض حرية التعبير المرتبط بالقضية الفلسطينية 

أدى صعود اليمين المتطرف في عدد من الدول الأوروبية إلى تضييق الخناق على مظاهرات دعم فلسطين، خاصة بعد السابع من أكتوبر، حيث بدأت عدة حكومات تتخذ إجراءات أكثر تشددًا ضد أي تحركات شعبية يُشتبه في أنها "مؤيدة لحماس" أو "مناهضة لإسرائيل". 

وقد ساهم خطاب الأحزاب اليمينية في رسم صورة نمطية تربط دعم القضية الفلسطينية بالتطرف أو معاداة السامية، مما برر فرض قيود قانونية وأمنية على المظاهرات والأنشطة التضامنية، حتى تلك التي تنطلق من منطلقات إنسانية أو حقوقية. هذا التوجه ظهر بوضوح في دول مثل ألمانيا وفرنسا والنمسا، حيث تم حظر مظاهرات، واعتُقل نشطاء، وأُغلقت منظمات بحجة الأمن القومي.

مظاهرات لدعم فلسطين في أوروبا
مظاهرات لدعم فلسطين في أوروبا

 كما شجعت بعض هذه الأحزاب على فرض رقابة على الجامعات والمجتمع المدني لمنع "التحريض"، ما قوض هامش حرية التعبير المرتبط بالقضية الفلسطينية. وبذلك، ساهم صعود اليمين المتطرف في خلق بيئة سياسية وأمنية تُجرّم التضامن مع فلسطين أو تُحاصره، مما يمثل تحولًا عميقًا في علاقة أوروبا مع القضية الفلسطينية ومظاهر التعبير عنها.

في ألمانيا، على سبيل المثال، تم حظر عدة تظاهرات مؤيدة للفلسطينيين بحجة "خطر تأجيج العنف" أو "معاداة السامية"، حيث شهدت مدن مثل برلين وهامبورج اعتقالات لنشطاء شاركوا في احتجاجات سلمية.

وفي فرنسا، فرضت السلطات قيودًا صارمة على التجمعات التضامنية بعد اندلاع الحرب، مستندة إلى قوانين مكافحة "التحريض على الكراهية"، وهو ما أثار انتقادات من منظمات حقوق الإنسان التي رأت في ذلك تقييدًا لحرية التعبير.

كما فرضت الحكومة في النمسا إجراءات أمنية مشددة على الفعاليات التي تتناول القضية الفلسطينية، بما في ذلك مراقبة الجمعيات الطلابية والمنظمات المدنية، تحت ذريعة حماية الأمن الوطني. كما شهدت بلجيكا محاولات حظر فعاليات تضامنية مع فلسطين في العاصمة بروكسل، مع تزايد خطاب اليمين المتطرف الذي يصور هذه الفعاليات كتهديد للأمن والاستقرار. 

هذه الممارسات تعكس كيف أدت سيطرة اليمين المتطرف إلى تعزيز الإطار الأمني والسياسي الذي يقيّد الأنشطة التضامنية، مما يضعف حرية التعبير حول القضية الفلسطينية في أوروبا.

وأخيرًا، بينما تسعى هذه الأحزاب إلى تعزيز خطاب الأمن والسيادة الوطنية، يتم استخدام ذلك كغطاء لفرض قيود واسعة على حرية التعبير وحرية التجمع، مما يحد من قدرة المجتمع المدني على التعبير عن المواقف السياسية والإنسانية بحرية. 

وفي ظل هذا الواقع، يبقى التحدي قائمًا أمام الفاعلين الحقوقيين والسياسيين المعتدلين في أوروبا لإيجاد توازن يحفظ أمن الدول دون أن يُقمع حق المواطنين في التضامن مع القضايا العادلة، بما فيها القضية الفلسطينية.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء