رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

سيناريوهات معقدة ومصير غير محسوم .. مؤشرات المرحلة الانتقالية في غزة

أطفال غزة تحت القصف
أطفال غزة تحت القصف

تعد العلاقة بين حركة حماس _منذ صعودها إلى السلطة في قطاع غزة عام 2006 _وبين إسرائيل واحدة من أكثر الجبهات سخونة وتعقيدًا في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، فلم يتغير الموقف الإسرائيلي الرافض لأي دور سياسي للحركة الإسلامية سواء كحكومة أو تمثيل رسمي في أي مفاوضات، وبرغم تعاقب الحكومات في تل أبيب ظلت النظرة لحماس أنها شريك غير شرعي في الحكم.

ومع مساعي بعض الدول لبدء تنفيذ خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تقضي بوقف الحرب مقابل عدد من الشروط منها تسليم سلاح حماس والوصول لحلول فيما يتعلق بوجودها في السلطة، ترفض إسرائيل مجددًا ذلك؛ لأنها تعتبرها منظمة لا تعترف بشرعيتها، تنتهج العنف، وتشكّل تهديدًا أمنيًا مدعومًا من أعداء إسرائيل الإقليميين، بالإضافة إلى الخشية من أن يؤدي تمكين حماس سياسيًا إلى تصعيد أمني أو تكرار نموذج غزة في مناطق أخرى.

من هذ المنطلق، نستعرض أسباب الرفض الإسرائيلي لحماس، وما تأثير 7 أكتوبر على مستقبل الحركة ونهاية الحرب في غزة وفق خطة ترامب؟

نتنياهو
نتنياهو

أولًا: أيديولوجية حماس تعمق القلق الإسرائيلي

تؤمن حماس _كحركة مقاومة إسلامية_ بأن الأرض الفلسطينية من النهر إلى البحر هي حق تاريخي للفلسطينيين لا يمكن التفريط فيه، وترتكز على مشروع أيديولوجي لا يعترف بشرعية إسرائيل، هذا الموقف الذي يُعاد تأكيده في أدبيات الحركة وخطاب قادتها، يضعها في تناقض جذري مع أي مشروع سياسي تقوده إسرائيل أو يهدف إلى التفاوض معها.

حتى وثيقة سياسية حماس الجديدة التي صدرت عام 2017 وتضمنت قبولًا بقيام دولة فلسطينية على حدود 1967، اعتبرتها تل أبيب مجرد "مناورة خطابية" لا تغير من جوهر الموقف الرافض للاعتراف بالدولة الإسرائيلية.

كما تستند إسرائيل في رفضها لحماس أيضًا إلى الموقف الدولي، حيث تصنف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا ودول أخرى الحركة كـ"منظمة إرهابية". هذا التصنيف يمنح إسرائيل غطاءً دبلوماسيًا وأمنيًا في تبرير سياساتها ضد حماس، ويجعل من الصعب على الحكومات الغربية الضغط على تل أبيب للقبول بمشاركة الحركة في العملية السياسية.

ثانيًا: السجل الأمني والعسكري يعمّق الأزمة

تتهم إسرائيل حماس بتنفيذ مئات العمليات المسلحة ضدها منذ تأسيسها في أواخر الثمانينيات، بما في ذلك هجمات تفجيرية خلال الانتفاضة الثانية، وإطلاق آلاف الصواريخ من قطاع غزة في جولات متكررة من التصعيد. وتعتبر تل أبيب أن حماس حولت غزة إلى "قاعدة عسكرية" تهدد العمق الإسرائيلي، وتستثمر الموارد والمساعدات الدولية في تعزيز ترسانتها العسكرية.

وقد بلغ التصعيد ذروته في هجوم 7 أكتوبر 2023، حينما نفذت حماس عملية كبيرة داخل الأراضي الإسرائيلية، وصفتها تل أبيب بأنها "الأسوأ منذ تأسيس الدولة"، مما أدى إلى تغيّر جذري في الموقف الإسرائيلي تجاه الحركة، من الرفض السياسي إلى السعي العلني لتفكيكها عسكريًا.

كما ينظر صانعي القرار في إسرائيل، إلى تجربة غزة بعد سيطرة حماس عليها عام 2007، باعتبارها  "نموذجًا يجب تجنبه". إذ تحوّل القطاع، من وجهة النظر الإسرائيلية، إلى منطقة خارجة عن السيطرة تحكمها جماعة مسلحة ، مما يثير المخاوف من إمكانية تكرار هذا السيناريو في الضفة الغربية إذا أُتيحت لحماس فرصة للسيطرة عليها عبر صناديق الاقتراع أو اتفاق سياسي.

ثالثًا: البُعد الإقليمي والاصطفافات الدولية

ارتباط حماس بما يعرف بمحور المقاومة الذي تقوده إيران يجعلها ليست خصما لإسرائيل على المستوى المحلي فقط، بل طرفًا في صراع إقليمي أوسع يشمل أطرافًا مثل "حزب الله" اللبناني وحركات أخرى ترفض وجود إسرائيل، ويعملون معًا في مواجهة مشتركة؛ فهي ليست حركة فلسطينية منعزلة عن محيطها الإقليمي إذ تلعب إيران دورًا رئيسيًا في دعم حماس من خلال التمويل والتدريب العسكري وتزويدها بالصواريخ والتقنيات القتالية، مما يعزز قدرة الحركة على مقاومة إسرائيل. 

كذلك ينعكس الصراع الإقليمي بين القوى الكبرى في الشرق الأوسط، وخصوصًا بين إيران من جهة، والدول العربية التي تسعى لتقارب مع إسرائيل مثل السعودية والإمارات من جهة أخرى، بشكل مباشر على ملف حماس. إذ تستخدم إيران دعمها لحماس كوسيلة لتعزيز نفوذها الإقليمي ومواجهة التحالفات المعادية لها، فيما تحاول بعض الدول العربية التقليل من دور حماس في الساحة السياسية الفلسطينية بما يتوافق مع مصالحها في استقرار علاقاتها مع إسرائيل.

كما ترى إسرائيل أن السماح لحماس بالتموضع السياسي ضمن السلطة الفلسطينية قد يمنحها شرعية دولية وإقليمية تعزز من قدراتها العسكرية والدبلوماسية. هذا الأمر قد يؤدي إلى تقوية محور المقاومة، وزيادة الدعم العسكري لحماس، ورفع مستوى التهديد الأمني على إسرائيل. لذلك، فإن رفض إسرائيل لحماس هو في جوهره رفض لتمكين سياسي يفضي إلى تعزيز تحالفات إقليمية معادية.

رابعًا: مستقبل الحكم في غزة بعد حماس

يتوقف مستقبل غزة بعد حماس على طبيعة خروج الحركة (قسرًا أم تفاهمًا)، وعلى قدرة الأطراف الفلسطينية والدولية على التوافق حول بديل شرعي قادر على الحفاظ على الأمن، وضمان إعادة الإعمار، وتوحيد النظام السياسي الفلسطيني.

أحد أبرز السيناريوهات المطروحة هو عودة السلطة الفلسطينية (فتح) إلى حكم غزة، هذا الخيار يحظى بدعم أمريكي وأوروبي، وينسجم مع رؤية دولية تسعى إلى توحيد الضفة والقطاع تحت قيادة واحدة.

قيادات حركة حماس
قيادات حركة حماس

 لكن تطبيق هذا السيناريو يواجه عقبات جوهرية، أبرزها فقدان السلطة لثقة شريحة واسعة من سكان غزة، وضعف بنيتها الأمنية والمؤسساتية هناك، منذ أن أُجبرت على الخروج من القطاع في عام 2007، كما أن فصائل المقاومة قد ترفض تسليم القطاع لأي طرف دون توافق وطني حقيقي.

في حال تعذر تسلُّم السلطة الفلسطينية للحكم، قد يظهر خيار إدارة عربية مؤقتة، بقيادة مصر أو عبر لجنة مشتركة من دول عربية، الهدف من هذا السيناريو هو منع انهيار مؤسسات القطاع وملء الفراغ الأمني والإنساني، لحين التوصل إلى ترتيب سياسي دائم.

من السيناريوهات المطروحة دوليًا أيضًا، خيار الإدارة الدولية أو الأممية، عبر قوة متعددة الجنسيات تُشرف على الأمن والإدارة المدنية في غزة لفترة انتقالية. قد تسهم مثل هذه الخطوة في توفير الحماية للمدنيين وضمان إيصال المساعدات الإنسانية، لكنها تبقى خيارًا محفوفًا بالرفض الشعبي الفلسطيني، الذي قد يرى في هذه الإدارة شكلاً جديدًا من الوصاية أو الاحتلال.

أطفال غزة وسط المجاعة
أطفال غزة وسط المجاعة

أما في حال خرجت حماس من الحكم دون بديل منظم، فإن خطر الانزلاق إلى الفوضى الأمنية يصبح واردًا بشدة. قد تتفكك الأجهزة الأمنية، وتبرز جماعات مسلحة محلية تتنافس على السيطرة، بما في ذلك تيارات متشددة أو سلفية جهادية. هذا السيناريو سيكون الأسوأ على المستوى الإنساني، إذ سيؤدي إلى انهيار الخدمات وغياب الأمن، ويفتح الباب أمام تدخلات إسرائيلية متكررة بحجة "منع الفوضى".

ورغم كل هذه السيناريوهات، لا يُستبعد أن تلجأ حماس إلى الاحتفاظ بنفوذ غير مباشر حتى لو غادرت المشهد الرسمي، يمكن أن تستمر في التأثير من خلال جمعيات مدنية، وشبكات خدماتية، وربما "حكومة ظل" غير معلنة. وبهذا تضمن استمرار نفوذها المجتمعي والسياسي، وتعقّد مهمة أي طرف يحاول ملء الفراغ بعدها.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء