بين البقاء والإقصاء: سيناريوهات إزاحة حماس من المشهد السياسي الفلسطيني بعد الخطة الأمريكية
في أعقاب الإعلان عن خارطة الطريق المثيرة للجدل، التي وضعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أصبحت حركة حماس _تمثل القوة الفاعلة المسيطرة على قطاع غزة_ في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي وأطراف إقليمية تسعى إلى فرض ترتيب جديد.
ويسعى "ترامب" إلى إعادة هيكلة الحكم في القطاع، عبر إخراج حماس من المشهد التنفيذي، وتشكيل إدارة انتقالية قد تشمل قوى فلسطينية مستقلة، ومؤسسات دولية، وربما دورًا مؤقتًا لبعض الدول العربية، وذلك في إطار محاولة أوسع لنزع سلاح الفصائل، وإعادة إعمار غزة، مقابل شروط سياسية صارمة، مع مهلة ثلاث لأربع أيام للرد وإلا ستتصرف أمريكا وإسرائيل بشكل أحادي، وفق تصريحات ترامب.

تتعاظم الضغوط على الحركة للتخلي عن سلاحها وامتيازاتها السياسية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات ملحة حول مستقبل حماس وقدرتها على الصمود أو التكيف مع المتغيرات الجديدة.
أولًا: رد فعل حركة حماس حول خطة ترامب
ربما يمكننا الجزم بأن حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة منذ عام 2007، تواجه حاليًا أحد أكثر المنعطفات السياسية حساسية في تاريخها في حال تمت هيكلة الحكم في القطاع، وإخراج الحركة من المشهد التنفيذي، وتشكيل إدارة انتقالية قد تشمل قوى فلسطينية مستقلة، ومؤسسات دولية، وربما دورًا مؤقتًا لبعض الدول العربية. ويأتي ذلك في إطار محاولة أوسع لنزع سلاح الفصائل، وإعادة إعمار غزة، مقابل شروط سياسية صارمة.
ورغم تلويح ترامب بعقاب حماس إذا رفضت الخطة خلال 4 أيام على أقصى تقدير، فإن التنفيذ على الأرض لا يزال محفوفًا بالتحديات؛ لا سيما أن حماس لا تزال تحتفظ ببنية أمنية وعسكرية، وقاعدة شعبية واسعة، بالإضافة إلى امتدادها الإقليمي. ويُعد إخراجها بالقوة أو عبر التفاوض مسألة معقدة، قد تأخذ أشكالاً متعددة من المقاومة أو إعادة التموضع.
وتتخوف الحركة من احتمالات استئناف الحرب بعد تسلم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الرهائن الإسرائيليين، مطالبة الوسطاء العرب ومنهم مصر وقطر بجملة من الإيضاحات حول الجداول الزمنية لانسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة ونطاقات الانسحاب وضمان عدم التعرض مستقبلا لقادة الحركة في الخارج".
ثانيًا: سيناريوهات القبول أو الفرض بالقوة
لا زال الغموض يحيط آليات تطبيق أي اتفاق مستقبلي، لا سيما في ملفات حساسة مثل سلاح المقاومة، الإدارة الأمنية، وإعادة الإعمار، فلا شك أن الضغط المفرط سيؤدي إلى انفجار أمني جديد، أو إلى حالة من الفوضى في حال غابت جهة قادرة على ملء الفراغ السياسي الذي تتركه حماس.
ولم تؤكد أو تنفي التصريحات المتفرقة لبعض قادة الحركة، الموقف الحقيقي من خطة ترامب، بيد أن السيناريو الأقرب يتمثل في حل وسط، تتنازل فيه حماس عن جزء من سلطتها التنفيذية مقابل ضمانات دولية، وربما دور غير مباشر في المشهد الفلسطيني العام، دون التخلي الكامل عن سلاحها أو مكانتها كقوة مقاومة.

وفي موقف تحذيري، شددت الحركة على أن أي محاولة لفرض الخطة دون توافق فلسطيني شامل، ستكون "مقدمة لتفجير الوضع الميداني، وتعميق الانقسام، وفتح الباب أمام فوضى إقليمية"، ودعت حماس المجتمع الدولي إلى "تحمل مسؤولياته"، والكف عن دعم ما وصفته بـ"مشاريع الهيمنة والتفكيك السياسي".
في المقابل، تلوح في الأفق سيناريوهات أكثر صرامة، تشمل نزع السلاح بالقوة أو فرض إدارة دولية، في حال فشلت جهود التفاوض أو الوساطة، وسط تحذيرات من تداعيات إنسانية وسياسية خطيرة إذا فُرضت الحلول بشكل أحادي.
ثالثًا: مصير قيادات حماس
في حال أبدت حماس مرونة في التعاطي مع الخطة وقبلت بشكل جزئي أو مشروط الدخول في مرحلة انتقالية سياسية، فإن ذلك سيتطلب منها تفكيك جزء من أجهزتها الأمنية وتسليم مفاتيح الإدارة في غزة لجهات انتقالية بإشراف عربي أو دولي.
هذا القبول، وإن ضمن لحماس موطئ قدم في النظام السياسي الفلسطيني المستقبلي، إلا أنه سيؤدي إلى خسارة جزء من شعبيتها ومكانتها كحركة مقاومة، خصوصًا في الأوساط الداعمة لفكرة "الممانعة".
سياسيًا، قد تتم إعادة توظيف بعض القيادات في أدوار مدنية أو مؤسساتية ضمن ترتيبات ما بعد الحرب، لكن من المرجّح أن يتم تحييد القيادات الأمنية والعسكرية البارزة، خصوصًا تلك التي ارتبطت بإطلاق الصواريخ أو إدارة العمليات القتالية. وقد يواجه البعض ضغوطًا للانتقال إلى الخارج أو قبول أدوار رمزية غير مؤثرة.
أما التيار الرافض داخل الحركة، فقد يتعرض لعزل داخلي، أو ينشق لتأسيس أجنحة أكثر تشددًا، مما يُعيد تشكيل الخارطة التنظيمية لحماس من الداخل.
رابعًا: مقامرة محتملة
في حال اختارت حماس المضي في رفض الخطة بشكل كامل، والتمسك بسيطرتها الأمنية وسلاحها، فإنها ستدخل في مواجهة مفتوحة مع القوى الإقليمية والدولية التي تدفع نحو تسوية تُقصيها من المشهد. هذا الرفض قد يُنظر إليه داخليًا كبطولة وصمود، لكنه قد يؤدي إلى إطالة أمد الحرب السياسية والعسكرية ضدها، ويدفع الجهات الدولية إلى تجاوزها في ترتيبات الإعمار والحكم.
في هذا السيناريو، تُصبح قيادات حماس، وخاصة الصف الأول، أهدافًا مباشرة للتصفية أو الاعتقال، وقد تشهد الفترة المقبلة تصعيدًا في سياسة الاغتيالات الإسرائيلية أو محاولات إقليمية لعزل الحركة ماليًا وسياسيًا.
القيادات العسكرية سيكونون في مرمى الاستهداف المباشر، إما عبر العمليات الأمنية أو الضغط الدولي لتسليمهم، وفي حال انزلقت الأمور نحو فوضى أمنية، فقد تضطر بعض القيادات إلى الهروب إلى الخارج، بينما يُعتقل أو يُقتل البعض الآخر في الداخل، مما يهدد بانهيار هيكلي في الهرم القيادي للحركة.
خامسًا: أين ستذهب قيادات حماس؟ خيارات محدودة في خريطة سياسية متغيرة
تبدو خريطة الدول المرشحة لاستقبال قيادات حماس محدودة للغاية، وتخضع لحسابات دقيقة بين التوازنات الدولية والولاءات الإقليمية، تأتي قطر في صدارة الدول المحتملة، نظرًا لاستضافتها الحالية لعدد من أبرز قيادات حماس، ومن المرجح أن تواصل الدوحة احتضان تلك القيادات ما دامت قادرة على موازنة علاقاتها مع واشنطن وتل أبيب.
إلى جانبها، تُعد تركيا خيارًا قابلًا للتفعيل، خاصة في الجانب السياسي من قيادة حماس، ورغم تطبيع العلاقات بين أنقرة وتل أبيب، إلا أن تركيا لا تزال تُبقي قنواتها مفتوحة مع الحركة، وتوفر غطاءً سياسيًا لبعض عناصرها. وقد تُستخدم إسطنبول كمنفى ناعم لبعض القادة في حال التوصل إلى تسوية دولية.
أما لبنان، فيبقى أحد الملاذات التقليدية للحركات الفلسطينية، خصوصًا في بيئة المخيمات أو مناطق نفوذ "حزب الله"، ومع أن وجود حماس في لبنان يقتصر غالبًا على الجانب التنظيمي والدعوي، إلا أن الظروف قد تُفرض لتوسيع هذا الدور، خاصة بالنسبة للقيادات العسكرية التي قد تجد في الضاحية الجنوبية أو جنوب لبنان مأوى مؤقتًا بعيدًا عن الرصد.
في المقابل، تبقى دول مثل مصر والأردن والإمارات والسعودية خارج قائمة الترحيب، بفعل القطيعة السياسية أو الحساسية الأمنية تجاه الحركة. كما أن السودان الذي كان حليفًا تقليديًا لحماس في عهد البشير، لم يعد يشكل بيئة آمنة بعد التطبيع مع إسرائيل.
وسط هذه الخارطة المعقدة، حماس قد تجد نفسها مجبرة على إعادة تموضع قيادتها في أكثر من دولة، تفاديًا للاستهداف المباشر أو العزلة الكاملة، ما يضعها أمام تحدٍ استراتيجي يتعلق بقدرتها على الحفاظ على وحدة قرارها وفعالية قيادتها من الخارج.
خاتمة
من جميع ما سبق، الحركة مجبرة أن تفاضل بين خيارين: الانخراط بشروط دولية مشروطة، أو التمسك بالمقاومة وتحمّل تبعات العزلة والصدام. وبين هذا وذاك، تبقى الكلمة الأخيرة مرهونة بميزان القوة على الأرض، وبالتحولات في المزاج الشعبي داخل غزة، والمواقف الإقليمية المتقلبة؛ فاستمرار القتال قد يُفقد الحركة تعاطف جزء من الشارع الغزي الذي يبحث عن استقرار بعد سنوات من الحصار والحرب.



