رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مشاريع التهجير من بن جوريون إلى نتنياهو: كيف جعلت إسرائيل "تدمير غزة" مشروعًا استراتيجيًا؟

ترامب ونتنياهو
ترامب ونتنياهو

منذ حرب السابع من أكتوبر الماضي، تكشفت أمام الرأي العام العربي والدولي، الوثائق الإسرائيلية لمشاريع التهجير للفلسطينيين، من داخل قطاع "غزة"، منذ خطة بن جوريون، وما تلاها من مشاريع تستهدف تهجير أهل الأرض الأصليين، وتضع الأراضي المصرية المحاذية للأراضي الفلسطينية المحتلة، محل اهتمام في مخططاتها، لكن بصور مختلفة.

ظلّت فكرة تفريغ الأرض الفلسطينية من سكانها الأصليين منذ نشأة الكيان الإسرائيلي عام 1948، هاجسًا مركزيًا يلاحق النخب السياسية والعسكرية في تل أبيب. فالمعضلة الديموغرافية – المتمثلة في وجود ملايين الفلسطينيين داخل حدود فلسطين التاريخية – اعتُبرت تهديدًا وجوديًا لمشروع "الدولة اليهودية". وهنا برزت سيناء المصرية باعتبارها "الأرض البديلة" التي حلم الإسرائيليون بترحيل الفلسطينيين إليها، مرة تحت غطاء "المشاريع التنموية"، وأخرى عبر ضغوط سياسية واقتصادية، وأحيانًا كخيار مطروح بعد كل حرب على غزة.

تهجير تحت لافتة التنمية

في الخمسينيات، حاولت إسرائيل عبر قنوات مع الأمم المتحدة و"الأونروا" الترويج لمشاريع زراعية في شمال سيناء، تستوعب آلاف اللاجئين الفلسطينيين. الهدف كان واضحًا: نقل الكتلة السكانية الفلسطينية بعيدًا عن حدود إسرائيل، وتفريغ قطاع غزة من سكانه. لكن الرفض المصري القاطع، خاصة في عهد جمال عبد الناصر، أسقط هذه الخطط في مهدها.

الاحتلال يعيد فتح الملف

بعد حرب يونيو 1967 واحتلال إسرائيل لسيناء وغزة والضفة الغربية، عاد الحديث مجددًا عن إعادة رسم الخريطة السكانية. بعض الوثائق الإسرائيلية أشارت إلى دراسات رسمية بحثت جدوى "ترانسفير" تدريجي للفلسطينيين نحو سيناء، لكن الهزيمة العسكرية لإسرائيل في حرب 1973، ثم توقيع اتفاقية السلام مع مصر، أغلقت الباب أمام أي مشروع مباشر على الأرض المصرية.

الرئيس الأمريكي 
الرئيس الأمريكي 

مشروع أمير ويتمان

أخر وثائق هذه المشاريع تجلت فيما نشره معهد "ميسجاف" الإسرائيلي لبحوث الأمن القومي وللاستراتيجية الصهيونية عن الخطة الإسرائيلية لتهجير كافة سكان قطاع غزة إلى شبه جزيرة سيناء في مصر، وشملت الدراسة التي أعدها المحلل الإستراتيجي أمير ويتمان، تحت عنوان" خطة التوطين والتأهيل النهائي في مصر لجميع سكان غزة: الجوانب الاقتصادية"، عدة نقاط رئيسية تعتمد عليها إسرائيل لتهجير سكان غزة إلى سيناء مقابل "امتيازات مادية ضخمة".

وأشارت دراسة صادرة عن المعهد الإسرائيلي، إلى أن هناك فرصة فريدة ونادرة لإخلاء قطاع غزة بالكامل، في ظل وجود نحو 10 ملايين وحدة سكنية خالية في مصر، يمكن استغلالها مقابل منح القاهرة مبالغ مالي ضخم.

وزعمت الدراسة أن "الدائنين" لمصر، مثل ألمانيا وفرنسا والمملكة العربية السعودية، لا يريدون أن يشهدوا الفشل التام للاقتصاد المصري، بحيث يكون لديهم أيضًا حافز لإبقاء الاقتصاد المصري واقفًا على قدميه حتى لو انتهى بالاستثمار الإسرائيلي في إعادة تأهيل جميع سكان غزة في الشقق الموجودة في مصر، فبالنسبة للدول الأوروبية، وبشكل رئيسي دول أوروبا الغربية، نقل جميع سكان غزة إلى مصر وإعادة تأهيلها مع الحد بشكل كبير من خطر الهجرة غير الشرعية إلى أراضيهم ميزة كبيرة، ومن المتوقع أيضًا أن تستفيد المملكة العربية السعودية بشكل كبير من هذه الخطوة لأن إخلاء قطاع غزة يعني القضاء على حليف مهم لإيران ومساهمة كبيرة في الاستقرار بالمنطقة.

 

نتنياهو
نتنياهو

 

خطة جيلا جامليل

لم يكن ما كشف عنه معهد "ميسجاف" الإسرائيلي لبحوث الأمن القومي وللاستراتيجية الصهيونية من تفاصيل دقيقة للخطة الإسرائيلية التهجير كافة سكان قطاع غزة إلى شبه جزيرة سيناء في مصر هو أول الخطط أو أول ما يتم الكشف عنه، فقد كشف موقع "سيحا ميكوميت" اليساري، عن وثيقة صادرة عن وزارة الاستخبارات الإسرائيلية، بتاريخ 13 أكتوبر 2023، أوصت بالنقل القسري لسكان قطاع غزة إلى سيناء بشكل دائم، وتسخير المجتمع الدولي لهذه الخطوة، وتقترح الوثيقة أيضًا الترويج لحملة مخصصة لسكان غزة من شأنها "تحفيزهم على الموافقة على الخطة". 

الوثيقة المكونة من عشر صفحات تحتوي على شعار وزارة الاستخبارات برئاسة الوزيرة جيلا جامليل، وتم توزيعها على الجهاز الأمني ​​نيابة عن شعبة السياسات في الوزارة، وأوصت بتنفيذ عملية نقل المدنيين من غزة باعتبارها النتيجة المرجوة من الحرب.

وأوصت الوثيقة الإسرائيلية بالتحرك "لإجلاء سكان غزة إلى سيناء" خلال الحرب، عبر إقامة خيام ومدن جديدة في شمال سيناء، تستوعب السكان الفلسطينيين الذين سيتم تهجيرهم من القطاع، وبعد ذلك "إنشاء منطقة عازلة معقمة لعدة كيلومترات داخل مصر، وعدم السماح للفلسطينيين بالعودة أو الإقامة قرب الحدود الإسرائيلية".

وتنقسم خطة التهجير إلى عدة مراحل، أولها إجلاء سكان غزة إلى الجنوب، في حين ستركز ضربات سلاح الجو الإسرائيلي على الجزء الشمالي من القطاع، بينما المرحلة الثانية، تبدأ التوغل البري للجيش الإسرائيلي إلى غزة، مما يؤدي إلى احتلال القطاع بأكمله من الشمال إلى الجنوب، والعمل على ما وصفته بـ "تطهير الأنفاق والمخابئ تحت الأرض من مقاتلي حماس"، وفي الوقت نفسه الذي يحتل الجيش الإسرائيلي فيه قطاع غزة، سينتقل مواطنو غزة قسرًا إلى الأراضي المصرية ويغادرون القطاع، ولن يسمح لهم بالعودة إليه بشكل دائم، حيث جاء في الوثيقة "من المهم ترك الممرات باتجاه الجنوب صالحة للاستخدام، مع السماح بإجلاء السكان المدنيين باتجاه رفح".

مشروع جيورا أيلاند

وفي عام 2000، نشر مركز بيجن للدراسات الاستراتيجية، التابع لجامعة بار إيلان الإسرائيلية، مشروعًا قدمه اللواء الإسرائيلي جيورا أيلاند، مستشار الأمن القومي الإسرائيلي، يعرف باسم "البدائل الإقليمية لفكرة دولتين لشعبين"، متضمنًا مجموعة من الخيارات السياسية، ويستند فيه إلى افتراض أن حل القضية الفلسطينية ليس مسؤولية إسرائيل وحدها، بل هو مسؤولية تشترك فيها 22 دولة عربية.

ونصت الوثيقة السياسية، على تزويد "الدولة الفلسطينية" بظهير شاسع من الأراضي المقتطعة من شمال سيناء، تصل إلى 720 كم، وتبدأ من الحدود المصرية مع غزة، وحتى حدود مدينة العريش، وهذه الأراضي عبارة عن مستطيل، ضلعه الأول 24 كم، ويمتد بطول ساحل البحر المتوسط من مدينة رفح غرباً، وحتى حدود مدينة العريش، أما الضلع الثاني فيصل طوله إلى 30 كم من غرب "كرم أبوسالم"، ويمتد جنوبًا بموازاة الحدود المصرية مع إسرائيل، على أن تحصل القاهرة على مساحة بديلة داخل صحراء النقب (منطقة وادي فيران)، الواقعة تحت سيطرة تل أبيب، وتؤدي هذه الزيادة إلى مضاعفة حجم قطاع غزة نحو 3 مرات، والبالغ حاليًا 365 كم.

ودعت الوثيقة، إلى ضم الأراضي الأردنية المجاورة لنهر الأردن إلى سيادة الدولة الفلسطينية الجديدة، مع تعويض الجانب الأردني عن تلك المنطقة، بضم أراض مجاورة خاضعة لسيادة المملكة العربية السعودية، مع ضم نحو 13 بالمئة من الضفة الغربية إلى الأراضي الإسرائيلية.

اعتمد مشروع جيورا آيلاند، على فكرة الترغيب في المكاسب، من خلال قيام "تل أبيب" بالسماح للقاهرة، بشق نفق يربط بين مصر والأردن، ويبلغ طوله 10 كم، ويقطع الطريق من الشرق للغرب (على بعد 5 كم من إيلات)، ويخضع للسيادة المصرية الكاملة، وإتاحة تمكين الفلسطينيين من إنشاء ميناء دولي كبير (في القطاع الغربي من غزة الكبرى)، ومطار دولي على بعد 25 كم من الحدود مع الكيان الصهيوني.

تطرقت الوثيقة إلى تفاقم قضية المياه بالنسبة لمصر، وإمكانية قيام "تل أبيب"، بالضغط على البنك الدولي، والمؤسسات المشابهة، بضخ استثمارات وإقامة مشروعات ضخمة لتحلية وتنقية المياه في القاهرة، وتوفير الخبرات التكنولوجية، ورؤوس الأموال الهائلة لتغطية هذا الجانب.

مشروع يوشع بن آريه

وبعد نحو أربع سنوات من مشروع جيورا أيلاند، وبأفكار مشابهة، قدم الرئيس السابق للجامعة العبرية "يوشع بن آريه"، ويرتكز مشروع "تبادل الأراضي الإقليمي" على خمسة مقومات أساسية، يتأسس كل منها على الآخر، طبقاً لوجه نظر "آريه"، فمساحة أراضي الضفة وغزة غير كافية لقيام دولة فلسطينية كاملة السيادة، وعليه فيكون الحل هو الحصول على أراضٍ مصرية لحل الأزمة، ويضيف البروفيسور الإسرائيلي أن مصر شاركت في حرب 48 وكانت سبباً في نزوح اللاجئين إلى قطاع غزة، كما أن القطاع نفسه كان تحت الإدارة المصرية لمدة 19 عامًا، ولذلك على مصر التدخل والمساهمة في الحل.

تضمن مشروع "بن آريه"، تخصيص أراضي في سيناء للدولة الفلسطينية، وتحديدًا منطقة العريش الساحلية، مع إنشاء ميناء بحري وخط سكك حديد دولي بعيد عن إسرائيل، ومدينة كبيرة تحتضن السكان، وبنية تحتية قوية، ومحطة لتوليد الكهرباء، ومشروع لتحلية المياه، في المقابل ستحصل مصر على أراض في صحراء النقب جنوب إسرائيل بنفس المساحة التي ستمنحها للفلسطينيين في سيناء، وتبلغ نحو 700 كيلومتر مربع، مع توفير ضمانات أمنية وسياسية لإسرائيل بعدم وجود بناء للمستوطنات في المنطقة الحدودية مع مصر، والسماح لمصر بإنشاء شبكة طرق سريعة وسكك حديدية وأنابيب لنقل النفط والغاز الطبيعي.

 مشروع إيجال آلون

استندت الدولة الإسرائيلية في مسارها السياسي على رؤية وزير الدفاع الأسبق،"إيجال آلون" التي تعتمد على أن عقيدة السيادة الإسرائيلية على جزء كبير من الأراضي التي تحتلها ضرورية للدفاع عن أمنها القومي، ورسم توجهاتها الإستراتيجية السياسية والعسكرية.

وضع إيجال آلون، مشروعه في مارس1967، متضمنًا تحديد الحدود الشرقية للدولة العبرية بنهر الأردن وخط يقطع البحر الميت من منتصفه تماما مع المملكة الأردنية الهاشمية، وضم المناطق لغور نهر الأردن والبحر الميت بعرض بضعة كيلومترات إلى نحو 15 كيلومتر وإقامة مجموعة من المستوطنات والتجمعات الزراعية والعسكرية والمدنية فيها بأسرع ما يمكن مع إقامة ضواح ومستوطنات سكنية يهودية في   القدس الشرقية.

مع تجنب ضم السكان العرب إلى الدولة العبرية بقدر الإمكان حتى ولو أدى ذلك إلى تبني خيار التهجير بحق السكان الموجودين بالفعل في فلسطين 48 لمراعاة الاعتبارات الديمغرافية، وإقامة حكم ذاتي فلسطيني في الضفة الغربية في المناطق التي لن تضمها "إسرائيل"، وضم قطاع غزة إلى الدولة العبرية بسكانه الأصليين فقط مع نقل لاجئي 1948 الموجودين في القطاع وتوطينهم الضفة الغربية أو إلى العريش التي كانت محتلة آنذاك، فضلًا عن حل مشكلة اللاجئين على أساس تعاون إقليمي يتمتع بدعم ومساعدة دولية سياسية ومادية على أن تقوم" إسرائيل" بإقامة قرى "نموذجية" للاجئين- طبقا لما ورد في المشروع- سواء في الضفة الغربية أو في سيناء.

خطة شارون


وفي عام 1970، سعى القائد العسكري الإسرائيلي آنذاك أريل شارون (أصبح لاحقًا رئيسًا للوزراء) لتفريغ قطاع غزة عبر مئات العائلات الفلسطينية في حافلات عسكرية إلى مناطق في سيناء التي كانت تحت الاحتلال الإسرائيلي، ضمن تحرك لمنح تصاريح للفلسطينيين الذين يرغبون في المغادرة من غزة للدراسة والعمل في مصر وتقديم حوافز مالية لتشجيعهم، وذلك بهدف إحداث تغيير في التوزيع السكاني في غزة والقضاء على المقاومة وتخفيف الاكتظاظ السكاني، حيث كان عدد السكان في ذلك الوقت يبلغ 400 ألف نسمة، إلا أنها لم تحقق نتائج ملموسة كبيرة في نهاية الأمر.

المشروع الأمريكي

في عام 1968 ناقشت لجنة في الكونجرس الأمريكي خطة "تهجير طوعي" لنقل 200 ألف فلسطيني من غزة إلى دول أجنبية من بينها ألمانيا الغربية والأرجنتين وباراغواي ونيوزلندا والبرازيل وأستراليا وكندا والولايات المتحدة، إلا أنها قوبلت كذلك برفض فلسطيني.

خطة إليزابيث مونوريو

من ضمن وثائق مشاريع التهجير التي تعود لبدايات الصراع العربي الإسرائيلي، وتم الإفراج عنها من قبل وزارة الخارجية البريطانية، أن الحكومة البريطانية، بعد فشل الحرب الثلاثية، البريطانية الفرنسية الإسرائيلية، على مصر ردًا على تأميم الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر قناة السويس في 26 يوليو عام 1956، درست خطط ومشاريع عدة شملت دمج جزء من سيناء، وقطاع غزة، وجزيرتي تيران وصنافير، وجزء من الأردن لإنشاء منطقة عازلة بين مصر وإسرائيل، في إطار تسوية الصراع بين إسرائيل والعرب، وتأمين تدفق النفط من الشرق الأوسط إلى الغرب. 

وكان من بين المشروعات المطروحة مشروعا باسم "خطة سيناء"، اقترحتها على الحكومة البريطانية إليزابيث مونوريو، رئيسة قسم الشرق الأوسط في مؤسسة الإيكونيميست في 13 ديسمبر عام 1956، أي قبل ثلاثة أشهر من انسحاب إسرائيل من سيناء التي تلكأت في الانسحاب من سيناء، لكنها اضطرت لمغادرتها بضغط دولي في شهر مارس عام 1957، رغم انتهاء الحرب في نوفمبر من العام السابق. 

تمحورت الخطة حول فكرة رئيسية وهي استغلال سيطرة إسرائيل على سيناء لإقناع مصر بالتنازل عن جزء منها لإقامة منطقة دولية باسم "قطاع سيناء"، يشمل هذا القطاع المقترح قطاع غزة بالكامل ونحو 33 كيلومترا من سيناء تمتد من البحر المتوسط إلى خليج العقبة، بالإضافة إلى جزيرتي تيران وصنافير، اللتين خضعتا للاحتلال الإسرائيلي في نوفمبر عام 1956 بعد العدوان الثلاثي، وبشرت الخطة بتوطين مئات آلاف من الفلسطينيين في "مدن شمال سيناء" المقترح، بما يحقق هدف "إزالة الخطر اليومي المتمثل في انفجار الوضع في فلسطين".

أما عن كيفية إدارة هذا القطاع وطرق تأمينه، فاقترحت مونوريو، التي كانت في حينها تتمتع بنفوذ وصلات قوية في الشرق الأوسط، وبسمعة كبيرة بعد تأليفها كتبًا عدة عن المنطقة، أن تكون الإدارة دولية، وتمارسها إحدى وكالات الأمم المتحدة المتخصصة، وتقدم تقريرًا سنويًا إلى الجمعية العامة، واقترحت للتأمين تشكيل قوة مدنية تتمتع بمساندة المنظمة الدولية وتحوذ ضمانات واسعة لممارسة السلطة في المنطقة، ولا تملك هذه القوة إلا سلاحًا شرطيًا خفيفا لفرض الأمن والنظام وتسيير الحياة اليومية، ووفق الخطة، سوف تمنع قوة الشرطة مرور أي أسلحة عبر المنطقة العازلة أو إليها، على أن تمارس القوة الأممية المهام المكلفة بها لمدة 10 سنوات على الأقل، تخضع بعدها لمراجعة الأمم المتحدة .

وفي اقتراحها، أكدت مونوريو أن القطاع المقترح يجب أن يُقتطع فقط من سيناء المصرية، وأضافت أن في ذلك ميزة، موضحة أنه "من المستحيل اقتطاع جزء من إسرائيل"، ودفاعًا عن توقيت طرح الخطة قبل جلاء إسرائيل عن سيناء، قالت المؤلفة البريطانية إن "التنفيذ سيكون أكثر صعوبة بمجرد عودة الأرض (شبه جزيرة سيناء) إلى أيادي المصريين".

وأشارت إلى أن “اقتطاع جزء من الأراضي المصرية التي استولت عليها، وعبرت عن اعتقادها بأن “الفرصة ربما لا تتوفر مرة أخرى بدون حدوث انفجار آخر، ربما يكون أكبر بدرجة لا يمكن التعامل معه بالطريقة الممكنة الآن".

مشروع ريتشارد وود

وفي عام 1968، فطرح ريتشارد وود، عضو البرلمان البريطانى المحافظ مشروعا آخر سماه «خطة لإدارة شبه جزيرة سيناء وتنميتها». قال وود إنه لتأسيس سلام دائم فى الشرق الأوسط، بين الجمهورية العربية المتحدة (مصر) وإسرائيل، فإنه من المهم إنشاء منطقة عازلة بين البلدين». ووفق الخطة، فإن المنطقة تمتد من البحر المتوسط إلى خليج العقبة، ومن قناة السويس إلى حدود سيناء مع إسرائيل. وفى حال إنشاء هذه المنطقة "سوف يختفى قطاع غزة فى إسرائيل".

ستقام المنطقة المزمعة من خلال تشكيل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة اتحاد شركات ورجال أعمال "كونسورتيوم" لشراء الأراضي، ثم تنشأ وكالة تتولى تنمية المنطقة، ويدفع هذا "الكونسورتيوم" لمصر 300 مليون جنيه إسترليني لمساعدتها اقتصاديًا تحت رقابة خبراء من الأمم المتحدة، وسوف يدفع المبلغ على مدى 20 عامًا، على أن تدار عبر الأمين العام للأمم المتحدة بالوكالة التي ينشئها "الكونسورتيوم" الذي سيشتري الأرض، ولن تكون الوكالة هادفة للربح، وعليها أن تسدد الأموال للدول المشاركة في "الكونسورتيوم"، على أن تحال أي أموال متراكمة لاحقًا إلى الأمم المتحدة.

بالنسبة لوضع قناة السويس، فكما جاء في الخطة، تقع القناة في غرب المنطقة العازلة المقترحة، وسوف تحصل مصر على رسوم المرور "طالما أنها تسيطر على القناة وفقًا لترتيبات مع الأمم المتحدة".

ومع ذلك، كشفت الوثائق أن روبرتس، من إدارة الشئون الشرقية فى الخارجية البريطانية، أبلغ النائب ريتشارد ودد، بموقف حكومته؛ إذ شكك في استعداد القاهرة التخلي عن السيادة على منطقة سيناء، أو حتى أن يوضع قطاع غزة تحت سيطرة وكالة دولية.

مشروع بي إس ليتي

لم ينتهي ملف سيناء عند هذا الحد، فقد طرح رجل أعمال بريطاني يسمى "بي إس ليتي"، على وزارة الخارجية، مشروعًا يستهدف إنشاء منطقة سماها "يونوأربيا" ناصحًا بأنه "ينبغي أن تقدم الدبلوماسية البريطانية أكبر مساهمة في التوصل إلى حل للصراع في الشرق الأوسط".

يتلخص المشروع المقترح في إنشاء منطقة تتألف من أراضٍ من إسرائيل ومصر والأردن كحل بعيد المدى دون أن يكون تسوية دائمة بين الدول الثلاث، وتشكل المنطقة قطاعًا لا يزيد قطره على 5 أميال (نحو 8.5 كيلومترات)، ويكون قطاع غزة بمينائه مدخلًا له، ويشمل أجزاء من العقبة (في الأردن) وإيلات (في إسرائيل).

 اقترحت الخطة أيضا إقامة المنطقة لمدة 10 سنوات على الأقل، على أن يخضع المشروع للمراجعة كل 5 سنوات، والهدفان الرئيسيان من إنشاء هذه المنطقة هما: "إنشاء دولة عازلة على طول الحدود المضطربة، وفي الوقت نفسه توطين 600 ألف لاجيء فلسطيني في هذه المنطقة"، يتضمن المشروع حملة دعائية لإقناعهم بأن مستقبلهم سيكون أفضل وأكثر رخاء من العودة إلى منازلهم القديمة سواء في قطاع غزة أو غيره.

وفق المشروع، تشتري الأمم المتحدة بنظام حق الانتفاع من إسرائيل ومصر والأردن الأراضي المستهدفة، وتفوض سلطاتها إلى الناس الذين سوف يسكنون المنطقة عبر هيئة حاكمة تكون بمثابة مجلس وزراء يتألف من ثمانية أشخاص، أربعة إسرائيليين وأربعة عرب (مصريان وأردنيان)، وفيما يتعلق بعوائد القناة، فإنها ستدفع إلى المجلس، على أن تحصل مصر على مبلغ مقابل أعمال الصيانة، إضافة إلى نسبة من رسوم المرور.

وفي رسالة رسمية إلى "بي إس ليتي"،  قال السكرتير الشخصي لوزير الخارجية البريطاني، "جيه أيه إن جراهام"، إن هناك" صعوبات عملية" تعترض تنفيذ المشروع المقترح، وقال إنه "يمكن وضع مشروع إنشاء قطاع تديره الأمم المتحدة موضع التنفيذ فقط لو كان لدى مصر أو إسرائيل أو كليهما استعدادًا للتخلي عن السيادة عن المنطقة موضع الاهتمام، أو إمكانية إجبارهما على ذلك من جانب الأمم المتحدة"، وأضاف أن الدولتين "حساستان بشأن مسألة السيادة". 

مشروع الأونروا

فكرة التوطين تلك فعليا في أعقاب إنشاء وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا"، في نهاية عام 1949، حين عرضت الوكالة على السلطات المصرية في أوائل خمسينيات القرن الماضي، خطط لاستكشاف تنمية صحراء سيناء، ضمن تحركات أمنية واقتصادية واجتماعية لتوطين عشرات الآلاف من الفلسطينيين من غزة إلى سيناء، مع وعد القاهرة بتحفيزات مالية من خلال "صندوق إعادة الإدماج"، إلا أن هذا التحرك قوبل برفض مصري، وفلسطيني معًا، وهو ما قاد في النهاية إلى أولى حالات التعبئة الجماهيرية الفلسطينية والمقاومة المنظمة بعد عام 1948، حتى انتفاضة غزة عام 1955 (عرفت لاحقًا باسم انتفاضة أو هبة مارس)، مما دفع مسؤولي الأمم المتحدة على التخلي عن مشاريع إعادة توطين اللاجئين، والاعتراف بالمطالبات الفلسطينية بهوية سياسية خاصة بهم.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية، وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء