رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

التطبيع مقابل الحكم: مرتكزات الرؤية الأمريكية–الإسرائيلية لإعادة تشكيل قطاع غزة

ترامب ونتنياهو
ترامب ونتنياهو

متفاخرًا بعلاقته الوثيقة بإسرائيل ومتعجرفًا كعادته دائمًا، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مؤتمر صحفي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يوم الأثنين، معلنًا قبول تل أبيب خطته للسلام. ولم يكد يمضي وقت طويل على إعلانه حتى جاء أول رد فلسطيني على لسان الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي زياد النخالة قائلًا: "إن إعلان ترامب يعبر عن الموقف الإسرائيلي بالكامل، وإسرائيل تحاول عبر الولايات المتحدة فرض ما لم تستطع تحقيقه في الحرب".

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

 

وبين الرؤيتين المتناقضتين، يبقى تصور شكل غزة المستقبلية غير متفق عليه من جميع الأطراف، فالولايات المتحدة تحشد لخطة ترامب المعلنة في 20 بند وتدعم إسرائيل ممثلة في رئيس وزرائها هذه الخطة مع وجود معارضة من وزراء اليمين المتطرف كبتسلئيل سموتريتش، وزير المالية الإسرائيلي، وإيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي، وعلى النقيض منها ترى فصائل فلسطينية أن التصور الأمريكي، المدعوم إسرائيليا، لا يحقق مطالبها ويضر مستقبلا بحظوظ إقامة الدولة الفلسطينية، وهي كذلك تدرك أنه ليس لديها الكثير تفعله من أجل إجهاض هذه الخطة.

وفي الواقع، شغل مستقبل غزة الدوائر السياسية والعسكرية والاستخباراتية في المنطقة العربية وفي الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل، منذ لحظة الـ7 من أكتوبر، وقُدمت في هذا الإطار مجموعة من التصورات والخطط من أجل اليوم التالي للحرب، كان منها المقترح المصري لإنشاء لجنة المساندة المجتمعية لتتولى إدارة شؤون القطاع بعد وقف الحرب، وهو تصور حظي بدعم الجامعة العربية في قمتها المنعقدة بالقاهرة، في مارس الماضي، ومع ذلك فكل هذه التصورات والخطط لم تجد مسارًا ينقلها من الأوراق والعقول التي عملت عليها لأرض الواقع، ثم جاءت خطة "ترامب" التي حظيت حتى كتابة هذه السطور بإشادات ودعم من عدة أطراف إقليمية ودولية.

إعادة النظر في خطة ترامب لغزة

وليس من العسير، الآن، إدراك أن خطة الرئيس الأمريكي لدونالد ترامب أتت بعد مشاورات لمناقشة مقترحات عديدة بشأن خطط اليوم التالي منها مقترح رئيس الوزراء البريطاني توني بلير وفريقه بشأن غزة ومن قبله خطة الثقة العظيمة لغزة وغيرها، وكل هذه التصورات ساهمت في تشكل الرؤية الأمريكية الترامبية لمستقبل غزة ولخطط وقف الحرب، وهي رؤية قائمة على أساس مرتكزات ثلاث، كما سيرد.

نتنياهو
نتنياهو

والخطة المقترحة لا تنفصل عن السياق الإقليمي، فهي جزء من عملية إعادة تهيئة الأمور في منطقة المشرق المسماة أمريكيًا بـ"الشرق الأوسط"، ولذا ألمح الرئيس الأمريكي في مؤتمره الصحفي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى أن الشرق الأوسط الجديد غد قريبًا أخيرًا، وهذا الشرق الجديد لطالما بشرت الإدارات الأمريكية به وكذلك فعلت تل أبيب حتى أن شيمون بيريس، الرئيس الإسرائيلي سابقًا، نشر كتابه "الشرق الأوسط الجديد"، مبشرًا فيه بالرخاء والتنمية التي لن تتحقق إلا بالتطبيع والعلاقات مع إسرائيل.

وفي الشرق الأوسط الجديد مكانة محورية لإسرائيل، وفق مخططيه، وستكون تل أبيب مركزًا لتصدير التقنية والتعاون الاقتصادي بحيث تصبح العلاقات الإقليمية قائمة على فكرة التطبيع مقابل التنمية، وهذه المقاربة التي رُوجت طويلا من أنصار الاتجاه التطبيعي ومن ورائهم إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، غير أنها في جوهرها ليست إلا علاقة خضوعية قائمة على فكرة "السلام مقابل الخضوع"، بدلا من فكرة "السلام مقابل السلام" التي راجت مع الاتفاقيات الإبراهيمية في 2020، والفكرة الأخيرة نفسها كانت بديلا لـ"الأرض مقابل السلام"، التي طرحتها المبادرة العربية أوائل الألفية الحالية.

وعلى أساس هذه الحالة من الولع بالشرق الأوسط الجديد، يتحدث دونالد ترامب عن تحقيق الأمن والازدهار وتوسيع اتفاقيات أبرهام لتضم دولا جديدة ويطمح أن تنضم لها إيران يومًا ما، وكل هذا انطلاقًا من غزة المتخيلة التي رسمها الرئيس الأمريكي في ذهنه ووضعها تحت رئاسته في مقترحه الأخير، لتكون مقدمة لتغيير جذري في المنطقة والإقليم ككل.

مرتكزات الرؤية الأمريكية لغزة المتخيلة

عمليًا لا يمكن تسمية المقترح الأمريكي بالخطة فهو أقرب للرؤية العامة منه للخطة العملية، وهذا لا ينفي وجود خطط أخرى ستستوحي منها الإدارة الأمريكية الأفكار حال وصلت لمرحلة التطبيق الفعلي للخطة، وعلى كلٍ فهذه الخطة أو الرؤية مليئة بالثغرات التي تهدد بنسفها تمامًا في أي مرحلة.

وبنظرة تحليلية لمرتكزات هذه الخطة، نجد أنها تقوم على مرتكزات أساسية، أولها فكرة نزع سلاح حركة المقاومة الإسلامية "حماس" والفصائل الفلسطينية الأخرى، وكي يتحقق هذا الهدف لجأت واشنطن لتدويل أزمة حماس وهذا في المرتكز الثاني الخاص بالقوات متعددة الجنسيات كي تجد حماس نفسها في مواجهة دول لا دولة أو كيان واحد، لكن قبل الانتقال للمرتكز الثاني يجب أن نذكر أن الهدف أو المرتكز الأول لن يتحقق سوى بالسماح للجيش الإسرائيلي بمواصلة عملياته العسكرية ضد الحركة.

وبما إن الولايات المتحدة تقدم خطة ترامب كإطار لوقف إطلاق النار، فإن استمرار العمليات يجب أن يتم وفق صورة أخرى وهذه الصورة هي العمليات الأمنية النوعية أو الإغارات التي ستقوم بها وحدات من قوات النخبة/ الكوماندوز الإسرائيلي ضد ما تبقى من كوادر ومقدرات الفصائل الفلسطينية بعد الوقف الرسمي لإطلاق النار، وهو على غرار ما يحدث، حاليا، في جنوب لبنان ضد حزب الله تمامًا، فمنذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار هناك في نوفمبر 2024 وحتى الآن نفذت إسرائيل نحو 500 ضربة ضد كوادر الحزب، وضربات معدودة ضد قيادات بالجماعة الإسلامية اللبنانية، فرع جماعة الإخوان في لبنان، والفصائل الفلسطينية بما فيها حماس هناك.

ولهذا الغرض، يجب أن تكون هناك منطقة عازلة حول القطاع ككل، كما تقترح خطة ترامب، وأن تحتفظ قوات الجيش الإسرائيلي بالمحاور التي تشق قطاع غزة (فيلادلفي/ صلاح الدين وموراغ  في الجنوب، ونتساريم، وكيسوفيم في الوسط، وبيت حانون- إيرز في الشمال)، ويمكن أن يحتفظ أيضًا بأي من المحاور التي شقها خلال العمليات وهي عديدة، بحيث يتخذها نقاط ارتكاز وانطلاق لأعمال الإغارة التي تنفذها قواته الخاصة/ الكوماندوز إن لزم الأمر، بجانب الغارات التي قد تنفذها الطائرات الإسرائيلية وفق متطلبات الوضع الميداني حينئذ.

المرتكز الثاني للخطة يقوم على أساس دخول قوات متعددة الجنسيات إلى غزة، وهذا يجب أن يتم بقرار من مجلس الأمن الدولي تحت البند السابع الذي يبيح للمجلس اتخاذ قرارات التدخل العسكري لحفظ السلم والأمن الدوليين، وهذه القوات الأممية ستحل محل الجيش الإسرائيلي والمليشيات المحلية التي شكلها كمليشيا ياسر أبو شباب، وستتم عملية إحلال القوات بالتوازي مع انتشار الشرطة الفلسطينية الجديدة، التي دربت مصر الآلاف من عناصر بالفعل، لتتولى مهمة الأمن الداخلي، ومع هذا الانتشار سيقتضي الأمر تنسيقًا بين القوات الأممية وقوات الشرطة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي في حالات العمليات التي قد يقوم بها ضد كوادر أو بنى تحتية تابعة للمقاومة الفلسطينية.

أما المرتكز الثالث فهو القيادة الأمريكية للعملية برمتها، ومن ثم فليس غريبًا أن يعلن الرئيس الأمريكي أنه سيترأس بنفسه مجلس السلام الذي سيشرف على الحكومة الانتقالية في قطاع غزة، وهذا المجلس سيضم في عضويته رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، وهذه القيادة ستصبح السلطة العليا في القطاع والمشرفة على عملية التمويل وإعادة الإعمار.

ولكي تنجح القيادة الأمريكية لغزة فيجب أن تكون هناك حلقات داخلية تساعد هذه القيادة في إتمام مهمتها، ومن ثم فالمتوقع أن تستعين هذه القيادة بفرق عملياتية من الاستخبارات والمنسقين العسكريين والمدنيين، وهؤلاء ستكون مهمتهم الاستخبارات والتنسيق العسكري والمدني وترتيب الانتقال من مرحلة لأخرى، وغالبا سيتم توظيفهم من شركات أمن/ مرتزقة أمريكية خاصة، مع وجود محدود للموظفين الأمريكيين الرسميين.

القيادة الأمريكية وإدارة الانتقال

وعلى أساس هذه المرتكزات، تشرع السلطة الانتقالية في غزة في العمل بالتنسيق مع دول الجوار وفي مقدمتها مصر، وهذا بافتراض الوصول لتوافق نهائي حولها وهو أمر مشكوك فيه حتى الآن رغم موجة الترحيب بخطة ترامب في الساعات التي تلت إعلانها، وستتولى في البداية إدارة الشؤون الإنسانية بما في ذلك استعادة الخدمات الأساسية كياه الشرب والكهرباء والصرف الصحي وتنظيم عملية توزيع المساعدات مع وكالات الأمم المتحدة والهلال الأحمر والأطراف المستقلة، ثم تشرع تاليا في التحضير لعملية إعادة الإعمار بالتعاون مع دول وهيئات أخرى.

وستعمل السلطة الانتقالية تحت إشراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على برامج نزع التطرف كما تسميها وهذه البرامج في جوهرها تهدف لإجراء عملية تغيير ثقافي عميق للفلسطينيين بحيث يقتنعوا بالواقع الجديد وتزال من أذهانهم فكرة المقاومة المسلحة للاحتلال والعداء لإسرائيل.. إلخ، إذ تطمح واشنطن لإجراء عملية تغيير ثقافي واسعة على غرار ما فعلته في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية.

وبالتوازي مع هذه الخطوات، ستكون الإدارة الأمريكية وحلفائها الأقرب أي الإسرائيليين يعملون على إجراء تغييرات على السلطة الوطنية الفلسطينية أو ما يسمونه إصلاح السلطة الفلسطينية وهذا يشمل تغير وجهها القديم أي الرئيس محمود عباس والدفع بوجه جديد قد يكون نائبه حسين الشيخ أو غيره، وهذا على أساس التوافقات التي ستتم لاحقا، وتهيئتها لتتولى مهمة إدارة غزة بدلا من السلطة الانتقالية الدولية، وهذا خلال 5 سنوات، تنقل بعدها المسؤولية الأمنية والإدارية وغيرها للسلطة الجديدة، وهذا بعد أن تكون تل أبيب قد اطمأنت أن لا أمل لحماس أو فصائل المقاومة المسلحة في العودة من جديد، كما تأمل ويأمل "ترامب" الذي نصب نفسه رئيسًا لقطاع غزة ولكل الهيئات التي ستعمل داخله في اليوم التالي للحرب.

أحمد سلطان*

باحث في الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء