بعد انهيار الخلافة المكانية: العراق في مواجهة داعش دون مظلة التحالف الدولي
خلال الأسابيع القليلة الماضية، أعلنت أجهزة الأمن والاستخبارات العراقية تنفيذ سلسلة عمليات نوعية تستهدف تعطيل مراكز قيادة وسيطرة تنظيم داعش، المدرج على قوائم الإرهاب، وكان اللافت في هذه العمليات أنها استهدفت قيادات داعشية بارزة خارج العراق، وبحلول الأول من أكتوبر الجاري، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون" أن واشنطن وحلفائها في التحالف الدولي لدحر داعش والذي يقود عملية العزم الصلب، سيقلصون مهمتهم العسكرية في العراق.

وتقول وزارة الدفاع الأمريكية إن هذه الخطوة تمثل مرحلة جديدة من نقل المهام الأمنية للقوات العراقية، وهذا يشير في الأحوال الطبيعية إلى أن الأجهزة الأمنية العراقية صارت قادرة على تولي المهام العملياتية بنفسها في مواجهة بقايا تنظيم داعش الذي يؤكد في كل مناسبة ممكنة عزمه مواصلة القتال ضد الحكومة والجيش العراقي.
وسبق أن أبرمت الحكومة العراقية والأمريكية اتفاقية في عام 2024 لإنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق بحلول سبتمبر 2025، ولاحقًا، قالت الحكومة العراقية إنها ستعيد النظر فيها لاعتبارات الضرورة والحاجة العملياتية لهذه القوات، ومع ذلك فقد بدأت القوات الأمريكية، مطلع سبتمبر المنصرم، عملية إعادة تموضع انسحبت بموجبها من قواعد في العاصمة بغداد وفي محافظة الأنبار تجاه أخرى في إقليم كردستان العراق، وسوريا.
ومن الواضح أن تقليص مهمة الولايات المتحدة والتحالف الدولي لدحر داعش بما في ذلك عمليات الانسحاب المذكورة لا يرتبط بالتطور الحاصل في القدرات العراقية لمكافحة الإرهاب فقط، وإنما بسبب الوضع الإقليمي المعقد ووجود نذر توحي باحتمالية تجدد القتال مرة أخرى بين إيران وإسرائيل بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية، فواشنطن لا تريد أن تبقى قواتها في العراق محاصرة بين فكي كماشة قد تطبق عليها إذا تعقدت الأمور في قادم الأيام.
وبطبيعة الحال فإن النشاط الإرهابي لتنظيم داعش يبقى واحدًا من التهديدات الخطيرة للعراق، في الفترة الراهنة، فالتنظيم برهن على قدرته على الصمود والتكيف ومواصلة العمل في ظل ظروف صعبة. وقبيل نحو 6 أسابيع، خصصت صحيفة التنظيم الأسبوعية "النبأ" افتتاحيتها للحديث عن فرعه في العراق، وعنونت الصحيفة افتتاحية العدد 508 بـ"عراق المراغمة"، وهو عنوان ينطوي على معنى يريد التنظيم إيصاله وهو أن الفترة الحالية فترة استنزاف ومراغمة لعدوه، وهذا يتفق مع الاستراتيجية التي تحول التنظيم للعمل لها منذ انهيار خلافته المكانية مارس 2019.
ومرحلة المراغمة، في العقل الاستراتيجي لداعش، تعني أن التنظيم يركز أولًا على الحفاظ على كوادره واستقطاب كوادر جديدة لجبر الثغرات التي خلفتها عمليات مكافحة الإرهاب في صفوفه، وبالتوازي مع ذلك يقوم التنظيم بشن ضربات خاطفة باستخدام تكتيكات متنوعة في مقدمتها عمليات الإغارة أو الكمين واستخدام العبوات الناسفة وغيرها، وهذه التكتيكات هي أسلوب حرب العصابات التقليدية التي يطورها داعش بما يتناسب مع بيئة العمليات. ويهدف التنظيم من هذه العمليات لكسر إرادة ومعنويات عدوه واستنزاف مقدراته العسكرية والمالية واللوجستية، تمهيدًا لمرحلة تالية يقوم فيها التنظيم بالعمل على العودة للسيطرة المكانية أو ما يسميه بمسك الأرض.

تطور نوعي ومخاطر متوقعة
والملاحظ أن قدرات الأجهزة الأمنية والاستخبارية العراقية تطورت بشكل واضح، في الفترة الأخيرة، وهذا مكنها من تنفيذ عمليات نوعية ضد التنظيم ففي سبتمبر الماضي وحده نجح جهاز المخابرات الوطنية العراقي في تحييد شبكة تمويل داعشية تعمل في غرب إفريقيا، بعد رصده خطوط تواصل هذه الشبكة مع قادة التنظيم في العراق وخارجه، وهذه عملية كبيرة بلا شك، ثم تعاونت المخابرات العراقية مع التحالف الدولي في عملية لاستهداف القيادي الداعشي عبد الرحمن الحلبي في سوريا، والذي كان أحد القادة العمليتين للتنظيم وأحد مسؤولي العمليات الخارجية بالتنظيم، وبين هذا وذاك واصل الجيش والقوات الأمنية العراقية ضرباتهم ضد داعش خصوصًا في المنطقة الغربية حيث يركز داعش وجوده حاليا.
ويأتي هذا التطور كثمرة لمسار عمل وجهد متواصل خلال السنوات الأخيرة، ومع ذلك تبقى هناك شكوك على قدرة الأجهزة الأمنية والاستخبارية العراقية على احتواء تهديد تنظيم داعش بمفردها، فالتنظيم لديه خبرة طويلة في العمل السري داخل العراق من جهة، ومن جهة أخرى كان التحالف الدولي وفي القلب منه الولايات المتحدة يؤديان دورًا هامًا في عمليات مكافحة الإرهاب تشمل مشاركة المعلومات الاستخبارية، وتدريب العراقيين على تحسين الاستجابة الاستخباراتية في ساحة العمليات، وكذلك المشاركة الميدانية في العمليات النوعية ضد كبار قادة التنظيم سواء عبر الفرق التكتيكية الخاصة أو عن طريق الضربات الجوية، ولعل عملية اغتيال والي العراق الداعشي أبو خديجة العراقي، في مارس الماضي، من أبرز الأمثلة على ذلك.
وبعد هذا الانسحاب وتقليص مهمة التحالف الدولي، ستواجه الأجهزة الأمنية والاستخباراتية العراقية تحديات بعضها يتعلق بالحصول على المعلومات الاستخباراتية وبعضها يتعلق بفهم وتحليل المعلومات وأخرى تتعلق بالاستجابة العملياتية، كما أن هذه الأجهزة ستفقد موارد وفرص كانت لديها في الفترة الأخيرة، وعلاوة على ذلك فإن بعض العيوب البنيوية المتعلقة بالاستخبارات العراقية لم يتم علاجها فتعدد الوكالات المعنية بالاستخبارات في العراق يبقى عائقًا أمام تحقيق الهدف النهائي وذلك لاعتبارات تتعلق بإطار التنسيق بين هذه الوكالات ونطاقات عمل كل منها، وهذا مؤشر على واحد من أوجه القصور المحتملة التي ستترتب على انسحاب قوات التحالف وتقليص مهمتها.
المستقبل: التهديد لا يزال قائمًا
ومن البديهي إدراك أن نقص المعلومات الاستخباراتية أو إساءة فهمها سيؤثر نسبيا على عمليات مكافحة الإرهاب، وفي حال حدث هذا فإنه سيمنح تنظيم "داعش" فرصة للتعافي، وهذا التعافي نفسه يحتاج لفترة طويلة في ظل الأوضاع الحالية، ويبدو أن قيادة داعش الحالية تحت إمرة أحمد زيدان العيساوي تسعى لذلك مواصلةً السير على نهجها سلفها (أبو خديجة العراقي) الذي اتبع مبدأ الاقتصاد في القوة والتركيز على إعادة بناء التنظيم وتعزيز شبكاته في العراق أو في دول الجوار وفي مقدمتها سوريا.
كما يُتوقع أن يخف الضغط نسبيًا على تنظيم "داعش" بعد انسحاب التحالف، لكن قدرة التنظيم على الاستفادة من هذا تبقى محكومة بقدراته وإمكانياته البشرية والمادية، وفي كل الأحوال فسيبقى التنظيم يشكل تهديدًا متوسطًا إلى مرتفعًا لحالة الأمن في العراق.
وفي المقابل، إذا استطاعت أجهزة الأمن والاستخبارات العراقية أن تستوعب المتغيرات التي سيخلفها تقليص مهمة التحالف الدولي في العراق، وعلمت على منع "داعش" من الاستفادة منه عن طريق ضرب قواعد ارتكازه والحيلولة دون توظيفه للسكان المحليين في الصراع فإنها ستكون قد حققت إنجازا كبيرا على صعيد العمل الأمني والاستخباراتي والعسكري، أما على المستوى السياسي فاتباع تلك الإجراءات فقط لن يؤدي إلى الهزيمة الكاملة لداعش، وإنما يجب الشروع في مسار سياسي شامل للتأكيد على الثوابت الوطنية العراقية وإطلاق حوار جاد لمعالجة جذور الأسباب التي أوجدت داعش وإلا فإن التنظيم سيواصل البقاء وسيظل يروج شعاره الأثير "باقية وتتمدد" وسيغدو المستقبل مجرد جولات من الكر والفر بينه وبين الأجهزة الأمنية والعسكرية في بلاد الرافدين.



