انقسام سياسي وتمرد مسلح: هل ينجح الحوار الوطني في إنقاذ موزمبيق؟
في أقصى جنوب شرق القارة الإفريقية، تحتل موزمبيق الموقع الفريد على المحيط الهندي، وقد مرت المستعمرة البرتغالية السابقة بتحولات كبيرة بداية من اعلان الاستقلال عام 1975، واندلاع الحرب الأهلية التي امتدت لقرابة عقدين من الزمان، واختتمت بتوقيع معاهدة سلام بين "الجبة الليبرالية لتحرير موزمبيق" حركة المقاومة الديمقراطية، وبداية مرحلة بناء الدولة الديمقراطية، وعلى مدى خمسين عام احتفظت "جبهة تحرير موزمبيق " بالحكم، ومن خلال انتخابات متعددة ظلت الحزب الحاكم يتمتع بأغلبية برلمانية ورئاسية، مما أغلق الأفق السياسي.
ومن جهة أخرى، تتمتع موزمبيق باحتياطات هائلة من الغاز الطبيعي، والمعادن النادرة مثل الجرافيت والنحاس والدهب، والياقوت، لكن لعنه الموارد قد أصابتها، فما بين انغلاق أفق سياسي وتكريس سيطرة الحزب الحاكم، وما بين وضع اقتصادي متردي، يحاول الرئيس " دانييال تشابو" بادرة للحوار الوطني الشامل، داعيًا جميع الأطياف – من الأحزاب السياسية، مرورًا بالشباب والنساء، وصولًا إلى المعارضة – للمشاركة في رسم مستقبل البلاد. هذه المبادرة تأتي في لحظة دقيقة، حيث يسعى الرئيس إلى بناء الثقة وتعزيز المصالحة الوطنية، وسط مطالبات محلية ودولية بأن يكون الحوار حقيقيًا لا مجرد شعارات.
أولًا: الواقع السياسي والاقتصادي المتردي
سياسيًا، فمنذ ما يقرب من 50 عامًا يسيطر الحزب لحاكم "جبهة تحرير موزمبيق"، أو حزب "فريليمو" على السلطة، وخلال الجولات المتعددة للانتخابات الرئاسية والتشريعية فاز مرشحو الحزب بأغلبية كبيرة، وبالتالي نحن أمام وضع في موزمبيق لا يختلف عن السياق الإفريقي والذي عانى منذ الاستقلال من ظاهرة "الحزب الواحد المهمين" وذلك على الرغم من أن الدستور يسمح بالتعدد الأحزاب السياسية، وبالتالي فكرة السيطرة على السلطة وانغلاق الأفق السياسي متواجدة لحد كبيرا، أما القشة التي قسمت ظهر البعير هي انتخابات أكتوبر، شهدت البلاد انتخابات متنازع عليها في19 أكتوبر 2024، رافقها احتجاجات كبيرة وسقوط مئات الضحايا وصلت لحوالي 360 قتيل. حيث شنت الأجهزة الأمنية حملة اعتقالات ضد التظاهرات التي اندلعت في أعقاب الانتخابات، وقد أضطر البرلمان في مارس الماضي لإقرار قانون الحوار الوطني الشامل بهدف إصلاح القوانين الانتخابية وإعادة الاستقرار. الذي يهدف إلى مراجعة دستور البلاد وصلاحيات الرئيس، بالإضافة إلى منح العفو للمدانين بالاضطرابات التي أعقبت الانتخابات.
ويستند هذا القانون، الذي وصفه طرفا الانقسام السياسي في مجلس النواب بأنه "تاريخي"، إلى اتفاق 5 مارس الذي وقّعه الرئيس "دانيال تشابو" وأحاله إلى البرلمان للنظر فيه، وبالتالي أصبح الإطار القانوني للدعوة إلى الحوار بين الحكومة والمعارضة والمجتمع المدني، وبحسب زعيم الحزب الحاكم "فيليكس سيلفيا" بأنه يفتح حقبة جديدة من السلام، الحكومة عرضت أن يُناقَش ضمن هذا الحوار إصلاح الدستور، صلاحيات الرئاسة، قانون الانتخابات، والعفو عن بعض المتهمين في أحداث ما بعد الانتخابات .
اقتصاديًا، فموزمبيق تواجه تحديات ضخمة: ارتفاع البطالة – خصوصًا بين الشباب فبحسب مؤشرات البنك الدولي- وصل معدل البطالة الإجمالي المعلن في 2024 هو حوالي 3.53٪ من القوة العاملة، كما وصلت بطالة الشباب (الفئة 15-24 سنة) في موزمبيق وصلت إلى 7.368 ٪ في 2024، حوالي 64٪ من سكان الموزمبيق يعانون من عدم الأمان الغذائي، أي أنهم معرضون لنقص التغذية أو انعدام وصول كاف للغذاء، أضف الى ذلك، الأزمات المناخية (الجفاف، الفيضانات) تضغط كثيرًا على الزراعة التي يعتمد عليها عدد كبير من الفقراء كمصدر رزق أساسي، كما أن بعض التقديرات تصل الى أن 55%من الشعب الموزمبيقي يعيش تحت خط الفقر، يترافق هذا الوضع مع تسجيل موزمبيق المرتبة 146 من أصل 180 بلدًا على مؤشر الشفافية الدولي موزمبيق تُصنف كواحدة من أكثر الدول التي يُعتقد أن الفساد فيها متفشٍ في القطاع العام، ويمكن اعتبار فضية "سندات التونة"- تورط وزير المالية الموزمبيقي في وقائع رشوه تقدم له في سبيل الموافقة على منح قروض للحكومة تسببت في أزمة اقتصادية حادة- كواحدة من أبرز وقائع الفساد المنتشرة في موزمبيق، وتقع موزمبيق في المرتبة 25 من197 دولة على المؤشر الدولي للهشاشة، وترتيب يبرز مدى انتشار مظاهر هشاشة الدولة.

ثانيًا: الاضطرابات السياسية ونتائج انتخابات أكتوبر 2024
بعد اعلان نتيجة الانتخابات، اندلعت الاضطرابات في 24 أكتوبر 2024، وهو ما جعل النظام الحاكم يقمع هذه الاحتجاجات والتي خلفت حوالي 360قتيل، واعتقال ما يقرب من 4000شخص، أما الحدث الأبرز وهو استغلال حالة الاضطرابات التي سادت الأجواء في العاصمة "مابوتو" والتي اسفرت عن الهجوم على السجن المركزي وفرار أكثر من 6000سجين، ومما زاد الامر تعقيدًا هو اغتيال "إلفينو دياس" المعارض ومحامي زعيم المعارضة " مونديان" وذلك برفقه وباولو غوامبي، المرشح البرلماني عن حزب" بوديموس" المعارض، ما دفع "مونديان" الى الفرار تجاه دولة "جنوب إفريقيا" ، ويمكن القول الضغط الدولي من جهة، وأن وحدة الاضطرابات من جهة أخرى، كانت وراء اجبار الرئيس"تشابو" الإذعان لوقف القمع، وفعليًا، قدم الرئيس مبادرته للحوار الوطني للبرلمان لإقراره، وقد التقى ببعض الأحزاب المعارضة ، والتقى ب "مونديان" في مارس الماضي، ثم تم تقديم القرار للبرلمان لإقراره كاطار قانوني لإجراء مصالحة وحوار وطني .
ثالثًا: التمرد المسلح في مقاطعة "كابو ديلجاوا"
وقد شهدت المقاطعة "كابو ديلجادو" تمردًا عنيفًا بدأ عام 2017، تُعدّ حاليًا بؤرةً للصراع العنيف في موزمبيق وقد أودى هذا التمرد بحياة الآلاف، ودمّر بلدات وقرى بأكملها، وأسفر عن أكثر من مليون نازح داخلي. وتقود حركة أهل السنة والجماعة هذا التمرد، وهي جماعة مسلمة سلفية، ترفض وجود السلطة الحالية، وتسعى للسيطرة على الحكم وتطبيق الشريعة الإسلامية، وهي الآن جزء من تنظيم داعش في إقليم الجنوب الإفريقي تعرف بولاية "موزمبيق"، استغلت حركة الشباب أو أنصار السنة في كابو ديلجادو "فراغ البطالة بين الشباب" والتفاوت الاجتماعي المتفشي في المقاطعة للتجنيد والتطرف والتوسع. وقد مكنها ذلك من تحقيق أهدافها الإرهابية داخل المقاطعة، مما أثار استياء السكان المحليين المعوزين. والواقع ان المقاطعة تشهد حالة من انعدام الأمن بفضل الهجمات المتبادلة ما بين القوات الأمنية والجماعة، أيضا هناك بعض التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين، هناك انتشار لظاهرة اللصوصية. وقد صعدت الجماعة الإرهابية هجماتها منذ أغسطس الماضي لتتسبب في نزوح ا يقرب من 60 ألف شخص، مع تزايد في حالات الأطفال المختطفين الذين يجبرون على التجنيد او العمل والزواج من المسلحين.
والواقع فهناك عاملان أساسيان، هو قدرة الجماعة على التجنيد بين سكان المقاطعة، وذلك إما بالترغيب أو الترهيب، من المعروف أن المجندين من الصيادين وصغار التجار، مزارعين، يمكن النظر إلى التشدد الديني للجماعة أيضًا على أنه تمرد عرقي لشباب من أثنية "" و "الماكوا " في مقاطعة ذات أغلبية مسلمة ضد زعماء دينيين صوفيين محليين، ومنظمة "المجلس الإسلامي" لموزمبيق (سيسلامو)، الذي يعتبرونه أحد أقرب حلفاء الحزب الحاكم، العامل الاخر هو غياب سيطرة الدولة عن بعض المناطق وبالتالي افساح المجال للجماعة لاكتساب أراضي جديدة، اضف إلى ذلك سيطرتها على بعض مواقع النفط أو مناجم الذهب.
وفي محاولة منها لصد خطر التنظيم الإرهابي، فقد جاءت الاستجابة الحكومية، لنشر قوات عسكرية تابعة لتجمع دول مجموعة الجنوب افريقي (SADC)، وقد تم نشر البعثة" SAMIM"، في 15 يوليو 2021 كاستجابة إقليمية لدعم جمهورية موزمبيق في التعامل مع الإرهاب في كابو، ومعقدة، تراوحت بين الأمن وسيادة القانون والمساواة بين الجنسين وحماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية.

رابعًا: شمولية الحوار والتحديات الموجودة
طرح الرئيس الموزمبيقي "دانييل تشابو" مبادرته للحوار الوطني الشامل تحت شعار "مستقبل موزمبيق يبنيه الجميع"، مؤكدًا أن الدعوة مفتوحة أمام جميع الأطراف: من الأحزاب السياسية المختلفة، إلى المعارضة، مرورًا بالشباب والنساء والمجتمع المدني. هذه اللغة التصالحية جاءت لتعطي انطباعًا بأن القيادة الجديدة تدرك أن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق إلا عبر إشراك كل المكونات الوطنية في العملية السياسية. لكن على أرض الواقع، لا تزال هناك فجوة واضحة بين الخطاب السياسي والالتزامات العملية. المعارضة الرئيسية، وعلى رأسها حزب (الحركة الوطنية للمقاومة الموزمبيقية RENAMO، أبدت استعدادًا مشروطًا للمشاركة، مشترطة إصلاحات انتخابية وضمانات للشفافية. أما زعيم المعارضة "فينانسيو موندلاني" فقد عبّر عن رفضه الانخراط في حوار شكلي، مؤكدًا أن "المعارضة لن تكون مجرد ديكور سياسي، بل طرفًا حقيقيًا في صنع القرار".
وبالتالي يظهر التحدي الأكبر" كيف يمكن تحويل الحوار من مجرد شعارات براقة إلى عملية سياسية ملموسة تعيد الثقة بين السلطة والمعارضة؟" ويمكن القول أن نجاح هذه الخطوة سيعتمد بالأساس على جدية الحكومة في الاستماع لمطالب المعارضة، وعلى وجود آليات متابعة وتنفيذ واضحة، بعيدًا عن الصورة الرمزية التي كثيرًا ما رافقت مثل هذه المبادرات في السابق.
والخلاصة، فإن الطريق أمام أي اجماع حقيقي وتحقيق مصالحة مجتمعية هو اتخاذ إجراءات حقيقية لتحقيق عدالة انتقالية، وتعويض الضحايا، محاسبة المتورطين في الانتهاكات، الافراج عن المعتقلين ،واتخاذ خطوات حقيقية فيما يختص بإصلاح النظام السياسي(فترة الرئاسية، قانون الانتخابات) والقضائي، وإرساء قواعد الأمن والاستقرار، وأخيرا تحقيق العدالة في توزيع الثروة، وعلى أي حال ،فموزمبيق اليوم تقف بين خيارين، إما أن يكون الحوار الوطني حقيقي- وهو ما نادت به المعارضة- أو أن يبقى كلامًا بلا تأثير، وإذ ما اتضح انه الخيار الثاني، فيبدو ان هناك دورة من العنف والاضطرابات يمكن أن تندلع مره أخرى.



