بين مطامع الغاز وصراع الهوية.. موزمبيق تتحول إلى مسرح لصراع الموارد والتطرف
تبرز موزمبيق كنقطة ساخنة جديدة على خارطة الإرهاب العالمي، إذ تسيطر جماعة أنصار السنة الموالية لتنظيم داعش بشكل غير مباشر على عدة قرى وجزر ساحلية، من بينها جزر فاميزي وميكونغو وميتيندو، حيث تستغل التضاريس الوعرة والمسالك البحرية لشنّ عملياتها وتهريب الإمدادات.
أولًا: خلفية تاريخية عن الإرهاب في موزمبيق
بدأ التمرد في مقاطعة كابو ديلغادو شمال موزمبيق، في شهر أكتوبر عام 2017، عندما شنت جماعة مسلحة تُعرف محليًا باسم "أنصار السنة" (وتُعرف أيضًا باسم الشباب، دون علاقة مباشرة بجماعة الشباب الصومالية) أول هجماتها على مراكز للشرطة في بلدة موكيمبوا دا برايا الساحلية، بدأت الجماعة بعد ذلك بتنفيذ سلسلة من العمليات في القرى النائية، باستخدام أسلوب حرب العصابات.
وفي عام 2019، أعلنت الجماعة ولاءها لتنظيم "داعش"، الذي بدوره تبنّى لاحقًا عدة عمليات لها، وضمّها إلى ما يُعرف بـ "ولاية وسط إفريقيا" التابعة له، ثم تصاعدت وتيرة العنف بشكل متسارع، وأصبحت موزمبيق واحدة من أبرز النقاط الساخنة الجديدة للإرهاب في إفريقيا.
مؤخرًا، شهدت مقاطعة كابو ديلغادو تصعيدًا خطيرًا في الهجمات المسلحة خلال الأشهر الماضية، مع عودة قوية للجماعات المرتبطة بتنظيم "داعش"، ففي الفترة بين يوليو وسبتمبر 2025، تعرضت عدة بلدات، من بينها موكيمبوا دا برايا وأنكوابي ومويودومبي، لهجمات دامية استهدفت مدنيين وقرى بأكملها، مما أدى إلى نزوح أكثر من 57 ألف شخص خلال أقل من شهرين.
ثانيًا: الأساليب التكتيكية للجماعة
يتقاطع الصراع في شمال موزمبيق بين ثروة الغاز الطبيعي التي تجذب أنظار القوى الدولية، وجذور التهميش الاجتماعي واتشهد مقاطعة كابو ديلغادو شمال موزمبيق تصاعدًا مقلقًا في وتيرة العنف منذ سنوات، في ظل نشاط الجماعة.
وتنوّعت أساليب العنف بين حرق المنازل، نصب الكمائن، والخطف، ما يؤشر إلى استعادة التنظيم لزمام المبادرة في بعض الجيوب الريفية. وتأتي هذه التطورات وسط تحذيرات منظمات إغاثة من تفاقم الأزمة الإنسانية، في ظل ضعف الاستجابة الأمنية وتضاؤل الموارد المخصصة لحماية المدنيين.
وتتسم أنماط الهجمات بالعنف الشديد والتخطيط غير التقليدي، بما يعكس تكتيكات حرب العصابات المعتمدة على السرعة والمباغتة، وتشمل هذه الأساليب الهجمات الليلية على القرى المعزولة، إلى جانب ذبح المدنيين وخطف النساء والأطفال بهدف التجنيد أو طلب الفدية.
كما تنشط الجماعة في نصب الكمائن على الطرق الريفية الرئيسية، وتفجير العبوات الناسفة أو إطلاق النار على قوافل عسكرية ومدنية، وغالبًا ما تترافق الهجمات مع نهب للمؤن والإمدادات، مما يُسهم في تفاقم أزمة النزوح والجوع في المنطقة.

ثالثًا: الجهود الدولية لاحتواء الأزمة في مالي
تدخلت جهات دولية وإقليمية بجهود دفاعية وإنسانية لاحتواء تمدد الجماعات المتطرفة في شمال موزمبيق، فدفعت مجموعة من قوات سادك (SADC) وقوات من رواندا إلى نشر وحدات قتالية وتدريبية لدعم الجيش الموزمبيقي واستعادة المدن الاستراتيجية، بينما قدّمت دول غربية ووكالات أممية دعماً لوجستياً واستخبارياً وعمليات إغاثة إنسانية.
شملت المساعدات تمويل مشاريع إعادة إيواء للنازحين، وبرامج لتأهيل القوات المحلية، وتنسيق استخباراتي لمتابعة تحركات المتشددين ومنع تدفقات السلاح، كماحاول المجتمع الدولي أيضاً ربط الحل الأمني بمبادرات تنموية للتخفيف من جذور التطرف، بينما أثارت بعض الترتيبات الأمنية جدلاً بشأن استخدام شركات أمنية خاصة وحقوق الإنسان.
ورغم هذه الجهود المتعددة الأطراف، يبقى التحدّي قائماً نتيجة صعوبة الوصول للمناطق النائية، وهشاشة البُنى المحلية، وضرورة استمرار الدعم التنموي إلى جانب الإجراءات العسكرية، بعد أن أدى تصاعد التهديدات إلى تأجيل عدد من الاستثمارات الأجنبية الكبرى، وخصوصًا في قطاع الغاز الطبيعي.
رابعًا: حلول متعددة المسارات لكسر شوكة داعش في شمال موزمبيق
يتطلب التغلب على خطر الجماعات المسلحة التابعة لتنظيم "داعش" في شمال موزمبيق استراتيجية شاملة تتجاوز الحل العسكري التقليدي، فبينما يبقى التدخل الأمني ضروريًا لاحتواء التمدد المسلح، فإن الحل الحقيقي يكمن في معالجة الجذور الاقتصادية والاجتماعية التي أتاحت لهذه الجماعات استقطاب السكان المحليين.
وتشمل الحلول المقترحة: توسيع مشاريع التنمية في المناطق المهمشة، وتحقيق العدالة في توزيع عائدات الموارد الطبيعية، إلى جانب توفير فرص عمل وتعليم خاصة لفئة الشباب، التي تُعد الخزان البشري الرئيسي لتجنيد المتطرفين.
كما يعتبر تعزيز الحكم المحلي والشفافية في إدارة الأزمات، وتوسيع برامج المصالحة وإعادة الإدماج لمن يرغبون في الانفصال عن التنظيم، جزءً من المعالجة المستدامة، بجانب التعاون الإقليمي والدولي في مجالي الاستخبارات ومكافحة تمويل الإرهاب، باعتباره ركيزة أساسية لضمان تجفيف منابع التطرف ومنع تمدده نحو دول الجوار.
دعاء إمام*
باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية



