رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تعددية عرقية ودينية: كيف يغذي الصراع في شرق إفريقيا تمدد الإرهاب؟

عناصر مسلحة في شرق
عناصر مسلحة في شرق افريقيا

في قلب القارة الأفريقية، وعلى تخوم البحر الأحمر والمحيط الهندي، تقع منطقة شرق أفريقيا التي تضم ست عشرة دولة تمثل إحدى أكثر مناطق العالم تعقيدًا من حيث التنوع الثقافي والعرقي والديني، والتداخلات الجيوسياسية، والتاريخ الاستعماري، والتناقضات الاقتصادية. ورغم ما تزخر به هذه المنطقة من موارد طبيعية وموانئ استراتيجية، فإنها تعاني من دوامات عنف متكررة، تعكس هشاشة البنى السياسية والاجتماعية، وتؤسس لواقع أمني بالغ الخطورة، لا يقتصر على دولها، بل يمتد تهديده إلى الإقليم والعالم.

عناصر مسلحة بشرق إفريقيا
عناصر مسلحة بشرق إفريقيا

شرق أفريقيا: جغرافيا معقّدة وتداخلات متشابكة

تشمل منطقة شرق أفريقيا، في تعريفاتها الموسعة، دول السودان، جنوب السودان، إرتريا، إثيوبيا، جيبوتي، الصومال، كينيا، أوغندا، تنزانيا، رواندا، بوروندي، الكونغو الديمقراطية، مدغشقر، جزر القمر، سيشل، وموريشيوس. وهي منطقة ذات موقع استراتيجي حيوي يربط القارات، وتتحكم بممرات التجارة الدولية عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

تمتلك هذه الدول ثروات هائلة من الموارد الطبيعية، وتعدّ وجهة للاستثمارات الدولية الكبرى. إلا أن هذه الفرص الاقتصادية تتقاطع مع مشكلات بنيوية مزمنة، أبرزها ضعف الدولة، وتعدد الولاءات، وغياب العدالة، مما جعل المنطقة ساحةً لصراعات داخلية وحروب بالوكالة، فضلاً عن كونها أحد أبرز مسارح التنافس الإقليمي والدولي.

العنف كظاهرة بنيوية: من الفرد إلى الدولة

العنف في شرق أفريقيا ليس ظاهرة عابرة أو أحداثًا متفرقة، بل هو حالة ممتدة، متجذرة في التاريخ الاستعماري، والتكوينات الإثنية، والبنى الاجتماعية والاقتصادية المختلة.

جذور العنف: تشابك السياسة والثقافة والاقتصاد

يمكن تلخيص أبرز العوامل المغذية للعنف في شرق أفريقيا في خمس مجموعات رئيسية:

أولًا: تفكك الدولة وضعف مؤسساتها: معظم دول المنطقة تعاني من هشاشة في المؤسسات الأمنية والقضائية، وفقدان احتكار الدولة للعنف المشروع.

ثانيًا: انتشار السلاح وغياب الرقابة: الأسلحة المتاحة بكثافة، والمليشيات المتنوعة (قبلية، جهوية، سياسية) تتفوق أحيانًا على الجيوش النظامية.

ثالثًا: اقتصاد الحرب: ويتضح في إطار التهريب، والتعدين غير المنظم، وتجارة البشر والسلاح تغذي العنف وتُضعف الاقتصاد الرسمي.

رابعًا: التدخلات الإقليمية والدولية: الصراعات في شرق أفريقيا غالبًا ما تُدار أو تُموَّل من جهات خارجية لها مصالح متشابكة.

خامسًا: الانقسامات العرقية والدينية والثقافية: العنف يستند أحيانًا إلى تبريرات ثقافية أو دينية، ما يعمق الانقسام ويُعقّد المعالجة.

 

من العنف إلى الإرهاب: تطبيع العنف بوابة الكارثة

حين يصبح العنف جزءًا من الحياة اليومية، ووسيلة لحل النزاعات، يبدأ المجتمع في "تطبيعه"، أي قبوله والتعايش معه. وهذه الحالة تفتح الباب واسعًا أمام الجماعات الإرهابية التي تستثمر هذا القبول، وتحوّل العنف من سلوك عشوائي إلى مشروع منظم، يقوم على بثّ الرعب، وفرض الهيمنة، وتفكيك الدولة.

العلاقة بين العنف والإرهاب تتضح في ثلاثة مستويات:

أولًا: الثقافي والفكري: بعض البيئات تعتبر العنف وسيلة "مشروعة" لحفظ الكرامة أو "الدفاع عن القبيلة"، كما تستغل الجماعات الإرهابية الموروثات الدينية والثقافية لتبرير أعمالها.

ثانيًا: القبول الاجتماعي: كثافة العنف تجعل الجماهير تتعود عليه، فلا تستنكره، ما يمنح الإرهابيين حاضنة اجتماعية.

ثالثًا: الأثر السياسي والاجتماعي: الإرهاب يعمّق الأزمات، يُفكك النسيج المجتمعي، ويقوّض الدولة، ويعيد تشكيل الولاءات على أسس دموية.

 

حركة الشباب الصومالية
حركة الشباب الصومالية

تداعيات العنف: انهيار المجتمع والدولة معًا

تفرز موجات العنف في شرق أفريقيا سلسلة من الآثار المدمرة، أبرزها: تمزق النسيج الاجتماعي، وتفشي الكراهية، وازدياد العنف الأسري، وتحول العنف إلى ثقافة، ونزوح ولجوء بملايين السكان، خاصة النساء والأطفال الذين يتحملون العبء الأكبر، فضلا عن فقدان الدولة للشرعية، وانهيار مؤسساتها الأمنية والقضائية، وتعطّل التنمية، وهروب الاستثمارات، وتصدير الأزمات إلى الدول المجاورة، تهديد الملاحة الدولية، وخلق بيئات خصبة للتنظيمات العابرة للحدود.

فهم العنف بوصفه ظاهرة اجتماعية – سياسية معقدة 

ينبغي التعامل مع العنف ليس فقط كجريمة، بل كنتاج تاريخ طويل من التهميش، وانهيار القيم المشتركة، وفقدان الأمل في الدولة، العنف لا ينشأ من فراغ، بل من انسداد في الأفق السياسي، ومن بيئات اجتماعية مهددة، ومن ثقافة تُبرّر استخدام القوة.

لهذا، فإن مقاربة العنف تتطلب فهمًا عميقًا للسياق المحلي، والرموز الثقافية، وأنماط التعبير عن الغضب والاحتجاج. فبعض ما يُوصف بأنه "تطرف ديني" هو في الحقيقة تعبير عن *احتجاج اجتماعي مسيّس* لا يجد سبيلاً آخر للتعبير عن ذاته.

محورية المجتمعات المحلية في الحل

أي خطة لا تراعي "الفاعلين المحليين" ستكون خطة مفروضة من الأعلى، وبالتالي عرضة للفشل أو الرفض المجتمعي. الحلول التي تنجح في شرق أفريقيا هي تلك التي تستند إلى: المصالحة المجتمعية، وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع من خلال تقديم خدمات، والاستماع للمطالب، وعدم التعامل مع المواطنين بوصفهم أعداء محتملين، وتمكين الفئات المهمشة*: خصوصًا النساء، والشباب، والأقليات الذين غالبًا ما يكونون وقود العنف، وضحاياه في آن واحد.

مقاربات المعالجة: تفكيك منظومة العنف من الجذور

لا يمكن احتواء ظاهرة العنف في شرق أفريقيا عبر المقاربات الأمنية وحدها. بل المطلوب *خطة شاملة متعددة الأبعاد، تستند إلى فهم دقيق لأسباب العنف، وتراعي الخصوصيات المحلية. ويمكن تلخيص هذه المعالجة في المداخل التالية:

أولًا: المعالجة الأمنية المنضبطة: من خلال ضبط السلاح المنتشر، وتفكيك المليشيات، وإصلاح الأجهزة الأمنية لتكون مهنية وغير مسيسة.

ثانيًا: العدالة الانتقالية والاجتماعية، عن طريق محاسبة المتورطين في جرائم الحرب، وإنشاء آليات إنصاف للمجتمعات المتضررة، ودعم القضاء المحلي والمجتمعي.

ثالثًا: نزع السلاح وإعادة الإدماج: من خلال تأهيل المقاتلين السابقين وإعادتهم إلى الحياة المدنية، وإدماج الأطفال المجندين، ودعم أسرهم.

رابعًا: مكافحة التطرف العنيف: من خلال بناء برامج توعوية وتعليمية تستهدف الفكر المتطرف قبل أن يتحول إلى عنف، وإشراك الزعامات الدينية والمجتمعية.

 خامسًا: التنمية المستدامة: عن طريق خلق فرص عمل بديلة عن اقتصاد الحرب، ودعم الزراعة المحلية، والمشاريع الصغيرة، وتحسين التعليم والخدمات الأساسية.

سادسًا:بناء دولة مدنية عادلة: في إطار إصلاح الدساتير والنظم السياسية، وحماية الحريات، وتمكين النساء والأقليات، واستعادة ثقة المواطن في الدولة عبر تقديم خدمات حقيقية.

سابعًا: التعاون الإقليمي والدولي، وفق محددات دور الاتحاد الأفريقي وهيئة، ودعم مشروعات التنمية الإقليمية العابرة للحدود، ومنع التدخلات الخارجية المدمرة.

عناصر مسلحة بشرق إفريقيا
عناصر مسلحة بشرق إفريقيا

دعوة نحو عقد اجتماعي جديد

لا يقتصر العنف في شرق أفريقيا على الخسائر المباشرة في الأرواح والممتلكات، بل يفرز آثارًا تراكمية طويلة المدى، تبدأ بتفكك المجتمع، ولا تنتهي عند انهيار الدولة. والإرهاب ليس سوى أعلى درجات هذا العنف المنظم، يتغذى على الفراغات التي تتركها الدولة، ويستثمر في ثقافة الخوف والكراهية والولاءات القبلية.

المعالجة الجذرية لهذا الواقع لا يمكن أن تتحقق دون رؤية متكاملة، تنطلق من احترام حقوق الإنسان، وإشراك المجتمعات المحلية، وتكامل الأمن والتنمية والعدالة بوصفهم المثلث الذهبي لأي مقاربة فاعلة ومستدامة لمعالجة العنف والإرهاب في شرق أفريقيا. لا يمكن تأمين منطقة يفتقر أهلها إلى الماء والغذاء والتعليم والتمكين السياسي. ولا يمكن إقناع السكان بنبذ العنف بينما الدولة نفسها تمارسه أو تغض الطرف عن ممارسته.

ليس من المبالغة القول إن شرق أفريقيا اليوم تقف على مفترق طرق: إما أن تختار طريق البناء والسلام المستدام، عبر تجديد الدولة وبناء ثقافة سلم مدنية، أو أن تواصل الانزلاق في دوامة العنف التي تُغذي الإرهاب، وتُقوض الأمل، وتعيد إنتاج الكارثة في كل جيل جديد.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء