إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.. هل تقترب ساعة الصدام العسكري؟
في 3 أكتوبر الجاري، حذّر النائب المعارض أفيغدور ليبرمان الإسرائيليين من ضرورة البقاء بالقرب من الملاجئ خلال عطلة عيد العرش (سوكوت) القادم-الذي يبدأ مساء الاثنين (6 أكتوبر) ويستمر سبعة أيام-والاحتفال بحذر، لأن إيران تتعافى بسرعة من حرب يونيو، بين البلدين وتستعد لشن هجوم مفاجئ، حيث كتب ليبرمان على موقع X: "من يعتقد أن الصراع مع إيران قد انتهى فهو مضلّل ومُضلّل". وأن "الإيرانيون يعملون بجدّ، ويعززون دفاعاتهم وقدراتهم العسكرية يومًا بعد يوم. لقد عادوا إلى العمل في المواقع النووية".
وورد أن مسؤولي الدفاع انتقدوا بشدة تعليقات عضو الكنيست المتشدد ووصفوها بأنها غير مسؤولة ومنفصلة عن الواقع. فسيتناول التحليل الإجابة عن سؤال ليبرمان، هل من المتوقع تجدد صدام عسكري وشن الحرب مُجددًا بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المُتحدة من جهة أُخري؟

طهران وتل أبيب: تلاسُن إعلامي، ورسائل تهديدية
وجدت تصريحات النائب المعارض أفيغدور ليبرمان صدي في الإعلام الإيراني كما الإسرائيلي، حيث تحدث مسؤولون دفاعيون، نقلاً عن القناة 13 الإسرائيلية، إن تصريحات ليبرمان قد تؤدي إلى "سوء تقدير" قد تفترض فيه إيران أن إسرائيل تُعدّ لهجوم فتردّ استباقيًا، علماً إن إسرائيل اختارت عدم الرد رسميًا "كي لا تُعزز" تصريحات ليبرمان.
ولكن في طهران، نشرت صحيفة كيهان، وهي صحيفة تابعة لمكتب خامنئي، افتتاحية يوم السبت –عشية تصريحات ليبرمان-تؤكد إن تجدد المواجهة بين إيران وما أسمته "الجبهة الأمريكية الصهيونية" أمر محتمل جدًا، مستشهدةً بتصريحات ليبرمان نفسه كدليل على أن إسرائيل تستعد لحرب أخرى قد لا تفوز بها. وأضافت كيهان: "ليس بالضرورة أن يكون الخصم هو من سيضرب أولاً هذه المرة". فبينما تتحدث مؤسسات الدفاع الإسرائيلية عن هدوء المشهد، تؤشر طهران بمدي غليان ترتيباتها، وتستخدم تصريحات أحد أهم المُعارضين الإسرائيليين ليبرمان كعضو بالكنيست الإسرائيلي ومُتقلد لأكثر من وزارة على مدار العقدين الماضيين.
علماً أنه قد سبق وهاجم ليبرمان، رئيس حزب "إسرائيل بيتنا" ووزير الدفاع السابق، وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة والذي أنهى الحرب الإسرائيلية الإيرانية التي استمرت 12 يومًا في يونيو، قائلاً إن الاتفاق سيؤدي إلى حرب أخرى خلال عامين أو ثلاثة أعوام في ظل ظروف أسوأ بالنسبة لإسرائيل. كما قال في يوليو الماضي إن إيران "مهووسة" بالانتقام، وإنه على إسرائيل استباق ذلك.

إيران وإسرائيل والولايات المُتحدة.. حذر مُتبادل
تُزعزع موجة جديدة من العقوبات الدولية القاسية السياسة الإيرانية وتُثقل كاهل اقتصادها المُتعثر أصلًا، ورغم تزايد مخاوف حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة من احتمالية شنّ جولة أخرى من الغارات الجوية الإسرائيلية على البلاد، فإن إدارة ترامب ترى في عقوبات الأمم المتحدة، التي وافقت الدول الأوروبية على فرضها مع اقتراب الموعد النهائي المُحدد، ضرورية للضغط على إيران للعودة إلى المفاوضات بشأن برنامجها النووي.
وتشمل عقوبات "سناب باك" التي فرضتها الأمم المتحدة، والتي دخلت حيز التنفيذ بالفعل، حظرًا على الأسلحة التقليدية، وحظرًا على تخصيب اليورانيوم، وقيودًا على برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، إلى جانب حظر السفر وتجميد الأصول. ولكن حلفاء الولايات المتحدة قلقون من أن هذا النهج محفوف بالمخاطر، وأنه يُهدد بجرّ المنطقة إلى دوامة جديدة من الصراع. يُعد شركاء الولايات المتحدة في الخليج العربي معرضين للخطر بشكل خاص. فالمنطقة مليئة بالمنشآت العسكرية الأمريكية، بما في ذلك في البحرين والكويت وقطر والسعودية والإمارات. فبعد الضربات الأمريكية في يونيو، ردت إيران بـالهجوم على القواعد العسكرية في قطر ولو كان هجوم رمزي مُنسق له مُسبقًا، إلا أنه نال من سمعة الاستقرار القطري إقليميًا.
خاصة وأن إيران رافضة لاستئناف المُفاوضات مع الجانب الأمريكي وإدارة ترامب التي لا تدخر جُهد في استفزاز المسؤولين الإيرانيين، كما أنه من وجهة نظر إيران، استخدمت إسرائيل والولايات المتحدة المفاوضات لخداع إيران -حيث استبقت إسرائيل المحادثات المقررة يوم 15 يونيو بشن هجوم يوم 13 يونيو، ومنح ترامب إيران أسبوعين للتفاوض، ليعود ويهاجمها بعد ثلاثة أيام بقصف مواقعها نووية، فقوضت هذه الخدع ما تبقى من ثقة لدى إيران بمحاوريها للتفاوض بحسن نية. علاوة على ذلك، أعرب كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وترامب عن رغبتهما في تغيير النظام في إيران. كما صرح نتنياهو في خطابه أمام الأمم المتحدة الأسبوع الماضي: "يجب ألا نسمح لإيران بإعادة بناء قدراتها النووية العسكرية. يجب التخلص من مخزون إيران من اليورانيوم المخصب"، مما يعني أن الترقب الإسرائيلي لكل تحرك إيراني مُفعل بشدة وحذر.
علمًا أنه في الأشهر التي تلت الهجمات على منشآتها النووية، زادت إيران من أعمال البناء في موقع رئيسي تحت الأرض، مما يشير إلى أن طهران قد تعيد البناء بحذر، بالإضافة لتقاربها مع روسيا وتعزيز التعاون الثُنائي بينهم فيما يتعلق بالتقنيات النووية كسبيل لها خارج التعاون مع الجانب الغربي سواء الأوروبيين أو الأمريكان، كما هددت إيران بمنع المفتشين النوويين من دخول البلاد إذا أُعيد فرض العقوبات، وفي البرلمان، يدعو المشرعون إلى الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي، وهي خطوة يعتقد الكثيرون أنها ستسبق تسليح البرنامج النووي الإيراني.
أوروبا مازالت تُهادن وتضخ رؤي نحو التسوية السلمية
من المُلاحظ في المشهد الثُلاثي بين إيران وإسرائيل والولايات المُتحدة، الموقف الأوروبي المُتطلع لإتاحة التسوية السلمية عبر المُفاوضات، وإيجاد سُبل لاستيعاب الغضب الإيراني على عكس إدارة ترامب الذي يرغب في قيادة الملف النووي الإيراني بفرض أساليب الإجبار الخشنة من عقوبات وكأن هدفه كسر شوكة الغرور الإيراني وليس التوصل لحل وتسوية.
فنجد توصيات من مُتخصصين ومسؤولين أوروبيين بالتوجه لتوسيع نطاق الجهد ليشمل ما هو أبعد من مجموعة الدول الأوروبية الثلاث: بأن يندمج الاتحاد الأوروبي وسويسرا والنرويج في تسريع السُبل الدبلوماسية بين إيران وإسرائيل والبيت الأبيض.
وسُبل للتعاون وإبداء تصرف لحسن النية باقتراح بعض المُراقبون الأوروبيون، امتناع الغرب عن فرض قيود على شحنات النفط الإيراني الذاهبة إلى الصين، مقابل استمرار إيران في وقف التخصيب، ليمنح هذا ترامب نصرًا سياسيًا في مطلبه "التخصيب الصفري" بتكلفة زهيدة.
ختامًا، رغم الرؤي التعاونية التي تعرضها وتؤسس لها الدول الأوروبية، فإن حسابات الواقع بالنسبة للأطراف الثلاث إيران وإسرائيل والولايات المُتحدة مُتغيره بتغير المعطيات الواقعية.
بالنسبة لإيران:
فبات لديها قناعة ترسخت ليها أنه في ظل وجود إدارة ترامب وحكومة نتنياهو بأحلامه التوسعية وعدم التزامهم بأي التزامات تفاوضية أو سُبل دبلوماسية، فليس لها غنى عن تكثيف تخصيبها النووي ويؤكد ذلك مساعيها لتعزيز تعاونها مع روسيا، ذلك مع إدراكنا جيداً أن الأسلوب الأشهر لإيران هو لغة التفاخر والتهديد خاصة فيما يتعلق بالجبهة الأمريكية الإسرائيلية حتى لو كان ذلك التفاخر أخر حدوده تصريحات إعلامية، وتلك العقيدة والأسلوب ينقلنا لموقف إيران من العقوبات المُتزايدة التي سعى ترامب لمُحاصرته لها بها، وأن طهران لن تستجيب لفكرة الرضوخ كما يرغب ترامب. ولكنها حاليًا في طور الترميم الداخلي لن تُشن هجوم على إسرائيل.
بالنسبة لإسرائيل:
إذا أكتمل وقف الحرب في غزة بمراحله المُنتظر تحقيقها، سهل على نتنياهو إشعال الحرب على الجبهة الإيرانية لأن استمرار مشهد القتال هو بمثابة درعه الوحيد للاستمرار على رأس الحكم الإسرائيلي، ولكن ذلك الاحتمال توقعه متوسط إلى بعيد بسبب الوضع الداخلي الإسرائيلي غير القادر على تحمل ضربات بقوة المشهد الأخير من حرب الـ 12 يوم من الضربات الإيرانية.
على نحو أخر، فمن المتوقع أن تُعمق أوروبا تعاونها مع شركائها في مجلس التعاون الخليجي، كسبيل لتعزيز آليات التفاوض والدبلوماسية، إذ يُعدّ تجنب أو احتواء تجدد الحرب بين إسرائيل وإيران أولوية مشتركة. ويمكن لمنصة جديدة تضم قطر والسعودية والإمارات أن تقود جهود خفض التصعيد الإقليمي. نظرًا للترابط بين أزمة غزة، والملف الإيراني، والاستقرار في منطقة المشرق العربي، فإن هذا من شأنه أن يوفر للأوروبيين أساسًا أقوى بكثير للسعى إلى تحقيق الأمن الشامل في الشرق الأوسط.
نانسي طلال زيدان*
كاتبة وباحثة متخصصة في العلوم السياسية



