ترامب يعيد هندسة المؤسسة العسكرية: إصلاح استراتيجي أم تصفية حسابات؟
بعد 3 أيام من الخطاب المطول للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام قادة الجيش، في قاعدة كوانتيكو بولاية فيرجينيا الأمريكية، أصدر وزير الحرب (الدفاع سابقا) بيت هيسغيث قرارًا بإقالة رئيس أركان البحرية جون هاريسون، فيما يبدو أنه استمرار لنهج التغيير الذي هبت رياحه مع قدوم "ترامب" للسلطة مرة أخرى.

ومثلت الإقالة حدثًا مفاجئًا في أوساط البحرية والجيش الأمريكي ككل، فرئيس الأركان المقال كان قد عُين في منصبه بعد أيام من وصول دونالد ترامب للسلطة في يناير الماضي، وتمتع بمستوى خاص من النفوذ في منصبه إذ أن رئيس أركان البحرية هو المساعد الأقدم والتالي في السلطة لمنصب وزير البحرية، وتولى "هاريسون" الإشراف على عملية تعديلات وزارية سابقة لتعيين هونغ كاو، الذي عُين كوكيل لوزارة البحرية، والأخير مرشح سابق لمجلس الشيوخ الجمهوري عن ولاية فرجينيا، اختاره الرئيس الأمريكي لشغل المنصب في البحرية وصدق على تعيينه الكونغرس لاحقا.

هندسة العسكرية الأمريكية
ونسق جون هاريسون، رئيس الأركان المقال، ووزير البحرية جون فيلان عملية تعيين مساعدي وكيل البحرية قبل تعيينه فما وصف داخل الدوائر المعنية بأنه محاولة لانتزاع سلطة "كاو"، لكن وزير البحرية ورئيس أركانه (المقال) بررا خطواتهما بأنها للحفاظ على مركزية اتخاذ القرار في الوزارة.
وبالإضافة لكون القرار الأخير ضمن حملة التغيير القيادي في الجيش والمؤسسة العسكرية الأمريكية ككل، والتي جرى خلالها إعادة تسمية وزارة الدفاع بوازرة الحرب، فإن إقالة جون هاريسون تتقاطع مع رؤية "ترامب" لإجراء إصلاحات، كما يسميها، على الجيش والبحرية الأمريكية، وضمن هذه الحملة أقال بيت هيسغيث، سابقًا، رئيس هيئة الأركان المشتركة وقادة البحرية والقوات الجوية وخفر السواحل، وتعهد الرئيس الأمريكي بإحياء صناعة بناء السفن والتفوق على أعداء أمريكيا وحلفائها في آن واحد، وهو ما لم يتم حتى الآن فبرنامج صناعة السفن ما زال متأخرًا عن الجدول الزمني المفترض له حتى الآن.
على أن الخطوة الأخيرة لوزير الحرب الأمريكي قد تؤدي إلى نتيجة مغايرة لرؤية ترامب بشأن البحرية الأمريكية، فالاضطرابات القيادية والصراعات قد تعيق قدرات البحرية الأمريكية على تنفيذ برنامجها لبناء السفن، وهو البرنامج الذي يُشرف عليه مكتب البحث والتطوير الخاضع لسلطة وزير البحرية جون فيلان مباشرة، بينما تبقى السلطات الحقيقية التي يتمتع بها وكيل البحرية الجديد هونغ كاو محل شك في ظل التغيرات التي أجراها الوزير ورئيس أركانه المقال على عملية صناعة القرار والتي تصعب مهمة "كاو" في وزارة البحرية.
الحاجة إلى التطوير
وفي ذات السياق، نجد أن رؤية ترامب لتطوير الجيش والبحرية الأمريكية تنبع من وجود مشكلات حقيقية تعتريهما بفعل الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة من أفغانستان للعراق وانخراطها في منطقة المشرق التي تسميها بالشرق الأوسط، ولذا دعم ترامب ومعه الجمهوريون في الكونغرس مشروعات للتطوير والإصلاح المؤسسي، من منظور إدارة ترامب، شملت إقالة قادة عسكريين وتخفيض عدد الموظفين الأمريكيين في الكونجرس (فصل 5400 منهم في فبراير الماضي)، وإجراءات أخرى، وعلى صعيد البحرية خصص الكونغرس تمويلا ضخما يقدر بـ43 مليار لها كي تمضي قدما في مشروع إنقاذ السفن، وهذا المبلغ خصص للحصول على 16 سفينة جديدة بدافع منافسة الصين التي تشاغل واشنطن في عملية تنافس جيوستراتيجي عالمية.
وسبق أن طرحت العديد من الرؤى لإصلاح الجيش الأمريكي بما يتناسب مع المهام التي ستطلب منه مستقبلا، بعد جولاته الطويلة في أفغانستان والعراق، وهذه الرؤى ركزت على 3 عناصر أساسية هي الجاهزية القتالية، والاستثمار في عملية الاستعداد لخوض الحروب المستقبلية، والتنظيم العسكري الذي يشمل حجم القوة العسكرية المطلوبة.
وحين وصل ترامب إلى الرئاسة لأول مرة، عام 2016، وقام بتغيير استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لتتحول لتنافس مع الصين وروسيا (التنافس الجيوستراتيجي)، وجد أن الجيش الأمريكي استنزف في حربه على الإرهاب على مدار نحو 20 عامًا، ومع أن سلاح البحرية كان الأقل انخراطا في هذه الحرب، مقارنة بالأسلحة الأخرى في الجيش بما في ذلك القوات الجوية والبرية، إلا أنها انعكست عليه سلبا وأدت لتراجع جاهزيته بسبب انخفاض حجم أسطوله إلى النصف تقريبا، ولذا فإن استدارة "ترامب" الاستراتيجية فرصة للبحرية الأمريكية لتستدرك ما فاتها وتعمل مرة أخرى على إعادة بناء نفسها عبر مشروع بناء السفن الذي يبقى متأخرا حتى الآن.
مشكلة القيادة غير الرشيدة
ورغم أن رؤية ترامب تركز على غاية طموحة هدفها الحفاظ على الهيمنة الأمريكية في ظل نظام عالم يتغير ويتحول من نظام القطب الواحد التقليدي الذي نشأ بعد الحرب الباردة وانهيار أقرب المنافسين للولايات المتحدة أي الاتحاد السوفيتي، فإن هذه الرؤية تصطدم بالقيادة غير الرشيدة، خاصةً مع وجود وزير الحرب الحالي في منصبه.
على أن مشكلة القيادة هذه ليست جديدة فقد كانت موجودة في الفترة التالية لهجمات 11 سبتمبر وأدى انخراط الولايات المتحدة في الحرب الكونية على الإرهاب إلى تعزيز الفجوة بين المدنيين (وزير الدفاع في الولايات المتحدة مدني)، والعسكريين، وأحد الأسباب لتوتر هذه العلاقة وزيادة الفجوة هو أن المدنيين يطمحون دائمًا لتحقيق الأهداف من خلال الأوامر التي يعطونها للمستوى العسكري وبالفعل كان العسكريون يستجيبون لهذه الأوامر الصادرة من المستوى السياسي (المدني) بغض النظر عن اقتناعهما بها، لكن حالات الفشل المتكررة وعدم إدراك الأهداف المرسومة خلق أزمة بينهما.
وفي هذه الأثناء، كان جيل قيادي جديد يصعد في أوساط العسكريين وهؤلاء اتصفوا بالرغبة في تجنب العمليات غير المضمونة النتائج، لا سيما مع زيادة تسيس وزارة الدفاع التي تحولت إلى وزارة الحرب، فرغم أن أي من العسكريين لم يحاسب على الإخفاق بعد 11 سبتمبر، إلا أن تكرار الإخفاق عمق الأزمة بين العسكريين والمدنيين، وبالتوازي معها نظر صغار الضباط إلى كبارهم بشيء من الاختلاف خاصةً أن القادة الكبار اكتسبوا خبرتهم العملياتية من الانخراط في حروب ضد تنظيمات إرهابية ولم يكتسبوا خبرة في مواجهة خصوم الولايات المتحدة المحتملين كروسيا والصين، وحين جاء ترامب أراد أن يغير هذا الجيل القديم ويقلص وجود المدنيين في المؤسسة العسكرية وهو ما يعني منح العسكريين سلطة أكبر، لكن نقص الكفاءة قد يؤدي إلى صراعات داخل البنتاغون خاصةً مع وجود وزير دفاع مثل بيت هيسغيث الذي لا يحمل صفة العسكريين القدامى ولا المدنيين الأكفاء مما يجعل مسار الإصلاح المؤسسي مليء بالعقبات والتعقيدات.



