من القاعدة إلى داعش: كيف تحولت آسيا الوسطى إلى ملاذ جديد للتطرف؟
تشهد منطقة آسيا الوسطى – الممتدة من بحر قزوين غربًا حتى حدود الصين شرقًا – تحولات متسارعة تجعلها واحدة من أخطر بؤر التوتر في العالم خلال العقد الأخير. فمع انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، وصعود طالبان من جديد إلى الحكم، وعودة الصراع بين القوى الإقليمية على النفوذ، أصبحت المنطقة بيئة مثالية لإعادة إنتاج الحركات المتطرفة وعلى رأسها تنظيم داعش الذي يحاول تعويض خسارته في العراق وسوريا بتمركز جديد في "خاصرة آسيا".
إرث الاضطراب بعد تفكك الاتحاد السوفيتي
منذ انهيار الاتحاد السوفيتي مطلع التسعينيات، واجهت دول آسيا الوسطى تحديات ضخمة في بناء دول حديثة متماسكة. منها الانقسامات الإثنية والدينية، وصراعات السلطة، وضعف المؤسسات الديمقراطية، وكلها عوامل أفرزت هشاشة أمنية جعلت المنطقة أرضًا خصبة لتغلغل الأفكار المتشددة.
إلى جانب ذلك، عانت المنطقة من صراعات دموية، مثل الحرب الأهلية الطاجيكية (1992–1997)، والتي ساهمت في بروز حركات إسلامية مسلحة مثل "الحركة الإسلامية في أوزبكستان" التي تحولت لاحقًا إلى حليف أساسي لتنظيم "القاعدة.

من القاعدة إلى داعش.. تبدل المشهد
لعبت أفغانستان – بما تحويه من جغرافيا وعرة وتاريخ طويل من الصراع – دور الحاضنة الرئيسية للتنظيمات الإرهابية التي انتشرت في آسيا الوسطى. ففي تسعينيات القرن الماضي، اتخذت القاعدة طالبان مظلة لها، ومنها جندت مقاتلين من طاجيكستان وأوزبكستان وقرغيزستان.
لكن بعد سقوط "خلافة داعش" في العراق وسوريا عام 2019، بدأت قيادة التنظيم في البحث عن بدائل استراتيجية للتمدد. وجد داعش ضالته في آسيا الوسطى، حيث ضعف الحكومات، وتضاريس جبلية شبيهة بجبال أفغانستان، وقرب من الصين وروسيا، ما يمنحه ميزة استراتيجية لمهاجمة "أعدائه البعيدين" عبر بوابة جديدة.
داعش في خراسان.. رأس الحربة
أصبح فرع داعش في "ولاية خراسان" القوة الأبرز في المشهد الإرهابي بالمنطقة. فرغم أن نشاطه يتركز أساسًا في أفغانستان وباكستان، فإن له خلايا وأنصارًا في طاجيكستان وأوزبكستان، ويسعى لتوسيع عملياته نحو عمق آسيا الوسطى.
تقارير أممية كشفت أن آلاف المقاتلين من المنطقة الذين انخرطوا سابقًا في الحرب السورية – خاصة من أوزبكستان وقرغيزستان – بدأوا يعودون إلى بلدانهم حاملين خبرات عسكرية وتنظيمية، وهو ما استثمره داعش في تكوين نواة قوية لمرحلة جديدة من نشاطه.
العوامل التي تغذي التطرف
نجاح التنظيمات الإرهابية في المنطقة لا ينفصل عن بيئة داخلية هشة تتسم بعدة عناصر:
أولًا: الفقر والبطالة:
النسبة العالية من الشباب العاطل عن العمل تجعلهم فريسة سهلة لخطاب الجهاد والوعود المادية.
ثانيًا: الفساد وضعف الحكم الرشيد:
غياب العدالة وانتشار المحسوبية يقوض ثقة المواطنين في حكوماتهم.
ثالثًا: التهميش الديني والثقافي:
السياسات القمعية ضد الحركات الإسلامية المعتدلة دفعت كثيرًا من الشباب إلى الاتجاه نحو تيارات أكثر تشددًا.
رابعًا: الهجرة والاغتراب:
ملايين العمال المهاجرين من آسيا الوسطى يعملون في روسيا وغيرها، وهناك تتم استقطابهم من قبل شبكات متطرفة قبل إعادتهم إلى بلدانهم.
حرب دعايات.. منابر متطرفة في الفضاء الإلكتروني
أدرك داعش مبكرًا أن "المعركة الإعلامية" لا تقل أهمية عن العمليات العسكرية. لذلك كثّف من دعايته عبر منصاته الإلكترونية بلغات محلية مثل الأوزبكية والطاجيكية، موجهًا خطابًا عاطفيًا يحاكي هموم الشباب، ويربط بين "الجهاد" وبين استعادة الكرامة والعدالة.
كما اعتمد على أسلوب "الذئاب المنفردة"، حيث يحفّز الأفراد على تنفيذ عمليات في بلدانهم دون العودة لقيادة مركزية، وهو ما حدث في أكثر من هجوم محدود النطاق خلال السنوات الماضية.

تنافس القاعدة وداعش
رغم أن تنظيم "القاعدة" له جذور قديمة في المنطقة عبر "الحركة الإسلامية في أوزبكستان" و"الحزب الإسلامي التركستاني"، إلا أن "داعش" يحاول إزاحته من المشهد عبر تقديم نفسه باعتباره "المشروع العالمي للخلافة". هذا التنافس انعكس على محاولات استقطاب نفس الفئات المستهدفة، وأدى أحيانًا إلى مواجهات بين عناصر الطرفين.
المقاتلون العائدون.. قنبلة موقوتة
أحد أخطر التحديات يتمثل في عودة مئات المقاتلين من سوريا والعراق إلى أوطانهم. هؤلاء يمتلكون خبرات قتالية، وشبكات تمويل، وأيديولوجيا صلبة، ما يجعلهم عنصرًا فاعلاً في تجديد المشروع الإرهابي.
تقديرات أممية تشير إلى أن آسيا الوسطى صدّرت آلاف المقاتلين إلى ساحات الصراع في الشرق الأوسط، وعودة نسبة منهم تهدد بتحويل المنطقة إلى "موصل جديد".
التداعيات الإقليمية والدولية
ترى موسكو وبكين أن تمدد الإرهاب في آسيا الوسطى تهديد مباشر لأمنهما القومي. فروسيا تعتمد على ملايين العمال المهاجرين من المنطقة، وتخشى من عودة المقاتلين الإرهابيين إليها. أما الصين، فتخشى من انتقال التطرف إلى إقليم شينجيانغ الذي تسكنه أقلية "الإيجور" المسلمة.
لهذا السبب عززت روسيا حضورها العسكري في طاجيكستان وقرغيزستان عبر قواعد وقوات خاصة، فيما دفعت الصين نحو تعاون أمني أوسع عبر "منظمة شنغهاي للتعاون".
الصوفية.. حائط صد ثقافي
رغم المد السلفي الجهادي، ما زالت الطرق الصوفية – خاصة النقشبندية – تلعب دورًا مهمًا في تشكيل الوعي الديني بالمنطقة. فهي تقدم خطابًا روحيًا معتدلاً يشكل حاجزًا نسبيًا أمام الفكر المتطرف. لكن ضعف المؤسسات الدينية الرسمية وغياب الدعم الكافي يجعل تأثيرها أقل فاعلية أمام الدعاية الإلكترونية القوية للتنظيمات الإرهابية.
مستقبل قاتم؟
السيناريوهات المستقبلية في آسيا الوسطى تحمل الكثير من القلق. فالتنظيمات الإرهابية قد تجد في المنطقة ملاذًا استراتيجيًا طويل الأمد إذا لم تعالج جذور المشكلة. ويبدو أن المواجهة العسكرية وحدها غير كافية، بل تحتاج إلى إصلاحات سياسية واقتصادية تعيد الثقة بين المواطن والدولة، وتعزيز التنمية المحلية لمنع استغلال الجماعات للمظالم الاجتماعية، مع ضرورة وجود مواجهة فكرية وإعلامية تكسر خطاب التطرف وتقدم بدائل أكثر إقناعًا، فضلا عن التعاون الأمني الإقليمي والدولي لضمان ضبط الحدود ومنع انتقال المقاتلين.
خاتمة
يمكن القول إن آسيا الوسطى اليوم تقف على مفترق طرق؛ فإما أن تتحول إلى ساحة حرب جديدة مفتوحة للتنظيمات الإرهابية، أو أن تستثمر دولها في بناء منظومة سياسية وأمنية واقتصادية تعالج أزمات عقود من التهميش والفقر والفساد.
لكن المؤكد أن تمدد داعش والقاعدة لن يبقى محصورًا داخل المنطقة، بل ستكون له تداعيات مباشرة على الأمن العالمي، ما يجعل من آسيا الوسطى "الجبهة القادمة" في الحرب على الإرهاب.
عمرو فاروق*
كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي



