رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

السودان بين الجيش والدعم السريع.. حرب على الثروة والسلطة

عبد الفتاح البرهان
عبد الفتاح البرهان وحمدان دقلو

منذ 15 إبريل 2023 يعيش السودان واحدة من أعنف الحروب في تاريخه الحديث. مواجهة مفتوحة بين القوات المسلحة بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي"، سرعان ما تحولت من صراع على السلطة إلى حرب مدمرة على مستقبل بلد يعاني أصلًا من أزمات سياسية واقتصادية ممتدة.

الأرقام وحدها تكشف حجم الكارثة: أكثر من 150 ألف قتيل، وتشريد ما يقارب 12 مليون سوداني داخل وخارج البلاد، بينما يحتاج نحو 30 مليون مواطن إلى مساعدات إنسانية عاجلة، وفق بيانات الأمم المتحدة. لكن خلف هذه المأساة تقف عوامل أعمق من مجرد خلاف بين جنرالين.

البرهان مع قيادات الجيش السوداني
البرهان مع قيادات الجيش السوداني

جذور الأزمة: دارفور نموذجًا

إقليم دارفور، الذي شكّل الحاضنة الرئيسية لقوات الدعم السريع، يمثل الصورة الأكثر وضوحًا للتهميش السوداني. على الرغم من ثرواته الطبيعية الضخمة مثل الذهب في جبل عامر، والنفط في الجنوب، اليورانيوم، والمياه الجوفية، إلا أن الإقليم ظل من أفقر مناطق السودان.

يقع إقليم دارفور غرب السودان، ويمتد من الصحراء الكبرى في شمال الإقليم إلى السافانا في وسطه و في جنوبه، ويحوي أهم المرتفعات الجبلية مثل جبل مرة، حيث توجد أكثر الأراضي الزراعية خصوبة، وينقسم الإقليم إداريا إلى خمس ولايات: شمال دارفور وعاصمتها مدينة الفاشر، وجنوب دارفور وعاصمتها مدينة نيالا، وغرب دارفور وعاصمتها مدينة الجنينة، وشرق دارفور وعاصمتها مدينة الضعين، ووسط دارفور وعاصمتها مدينة زالنجي، ويمتلك الإقليم ثروة حيوانية ضخمة، من الابل والبقر والغنم ، ويرجع سبب تسميته بهذا الاسم إلى قبيلة الفور، ودارفور تعني موطن الفور، وهي إحدى أكبر قبائل الإقليم. 

ويسكن دارفور عدد كبير من القبائل التي تنقسم إلى مجموعتين: "القبائل المستقرة" في المناطق الريفية مثل: الفور، والمساليت، والزغاوة، والداجو، والتنجر، والتامة، إضافة إلى "القبائل الرحل" التي تتنقل من مكان لآخر مثل: الأبالة، والمحاميد، ومهريه، وبني حسين، والرزيقات، والمعالية. وتتكلم القبائل المستقرة اللغات المحلية بالإضافة إلى العربية، وبعضهم من العرب، أما غالبية قبائل الرحل فهم عرب ويتحدثون اللغة العربية.

حمدان دقلو مع قيادات الدعم السريع 
حمدان دقلو مع قيادات الدعم السريع 

حميدتي.. من ذراع البشير إلى خصمه

محمد حمدان دقلو "حميدتي" لم يبدأ كقائد سياسي، بل كزعيم ميليشيا قبلية اعتمد عليها البشير في مواجهة تمردات دارفور وقمع الاحتجاجات الشعبية. لكن بمرور الوقت، تحوّل الدعم السريع إلى مؤسسة عسكرية مستقلة تمتلك مصادر تمويل ضخمة، خصوصًا بعد سيطرتها على مناجم الذهب وانخراطها في شبكة تهريب معقدة.

خارج الحدود، نجح حميدتي في بناء شبكة علاقات واسعة: شارك بقواته في حرب اليمن ضمن "عاصفة الحزم"، ما فتح له أبواب الخليج، أقام قنوات مع روسيا عبر مجموعة "فاجنر"، نسج خيوط اتصال مع إثيوبيا وتشاد، وحتى مع إسرائيل في إطار التطبيع غير المعلن.

هذه المعطيات دفعت الرجل لرفع سقف طموحه، من مجرد قائد مليشيا إلى زعيم يرى نفسه مؤهلًا لقيادة السودان. هنا وقع الصدام مع الجيش، الذي يصر على دمج الدعم السريع ضمن قواته، فيما يرفض حميدتي هذا المسار ويمضي باتجاه فرض أمر واقع بقوة السلاح.

الجيش السوداني.. إرث البشير وأزمة الشرعية

على الجانب الآخر، يواجه الجيش السوداني أزمة ثقة داخلية. فبالنسبة لقطاع واسع من السودانيين، ما يزال الجيش يُنظر إليه كامتداد لنظام البشير وحاضنة للإخوان المسلمين. ومع ذلك، يبقى المؤسسة الوطنية الأقدم والأكثر تنظيمًا، ما يمنحه وزنًا لا يمكن تجاوزه.

الصراع مع الدعم السريع بالنسبة للجيش ليس مجرد خلاف سياسي، بل معركة وجودية ضد كيان مسلح يهدد بقاء الدولة نفسها. ومن هنا جاءت المواجهة الأخيرة التي انزلقت سريعًا إلى حرب شاملة.

أبعاد دولية.. السودان ساحة مفتوحة

الحرب السودانية لا يمكن فصلها عن حسابات القوى الإقليمية والدولية، فترى روسيا في السودان بوابة ذهبية للذهب واليورانيوم، وممرًا استراتيجيًا إلى البحر الأحمر، بينما الإمارات والسعودية تتابعان الصراع بحذر، نظرًا لعلاقاتهما السابقة مع حميدتي وحرصهما على استقرار البحر الأحمر، وتميل مصر إلى دعم الجيش، خوفًا من تفكك الدولة على حدودها الجنوبية، في الجهة الأخرى تستغل إسرائيل حالة الانقسام السوداني لتعزيز نفوذها الإقليمي ودفع مسار التطبيع.

بهذا المعنى، تحوّل السودان إلى ساحة صراع نفوذ إقليمي ودولي، حيث لا يقتصر الأمر على مواجهة محلية، بل على "حرب بالوكالة" بين قوى تبحث عن نصيبها من ثروات وموقع هذا البلد الممزق.

يمكن قراءة الصراع من زاويتين مترابطتين:

الحرمان النسبي:

 حيث تراكمت مشاعر التهميش والإقصاء في الأطراف، ما فجّر موجة تمردات انتهت بصعود الدعم السريع.

الواقعية الجديدة:

 حيث تُفسَّر الحرب كجزء من طبيعة النظام الدولي الفوضوي، حيث القوى الخارجية تغذي النزاع لتحقيق مصالحها على حساب استقرار السودان.

إلى أين يتجه السودان؟

المشهد الحالي يشي بأن السودان عالق بين جيش نظامي يحاول الحفاظ على هيبة الدولة، وقوات شبه عسكرية تتمدد بثقة وتطمح لفرض سيطرتها. وفي الخلفية، قوى إقليمية ودولية تتحرك وفق مصالحها، بينما المواطن السوداني هو الخاسر الأكبر، بين نزوح وقتل وتجويع.

الحرب التي بدأت كصراع على السلطة تحولت بالفعل إلى "حرب على كل شيء": السلطة، الثروة، الهوية، ومستقبل الدولة. وما لم يظهر مشروع وطني جامع يعيد بناء الثقة بين المكونات السودانية، سيظل السودان على صفيح ساخن، مفتوحًا على كل سيناريوهات التفكك والتقسيم.

شيماء حسن*  

 باحث دكتوراة متخصصة في الشأن الإفريقي 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء