رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

داعش يعزز وجوده.. القارة السمراء تحت تهديد "الخلافة السوداء"

تنظيم داعش في إفريقيا
تنظيم داعش في إفريقيا

في افتتاحية العدد الجديد من صحيفة النبأ الأسبوعية (515)، الناطقة بلسان تنظيم "داعش"، المدرج على قوائم الإرهاب، حث التنظيم أنصاره على الالتحاق به من أجل الجهاد، وفق تعبيره، وهي دعوة مكررة لا يكف التنظيم عنها في أي وقت، لكنه أراد منها إرسال رسالة جديدة وهي أنه يتمدد في إفريقيا ويحتاج إلى أنصاره لتعزيز وضعه هناك.

تنظيم داعش في إفريقيا 
تنظيم داعش في إفريقيا 

ففي الصورة التعبيرية المخصصة للمقالة الافتتاحية المعنونة بـ"اقعدوا مع القاعدين"، نشرت النبأ صورة تُظهر مقاتلين أفارقة يمضون حاملين راية داعش السوداء، لتعطي الصورة مع العنوان انطباعا بأن مقاتلي التنظيم ماضين في سبيلهم بينما يقعد القاعدين المتخلفين عن ركبهم خلفهم.

وبتحليل مضمون المقالة الافتتاحية يتبين أنها تدور حول فكرة واحدة هي الالتحاق بالجبهات التي فتحها داعش في غرب ووسط وشرق القارة الإفريقية وفي بقية الدول التي ينشط فيها، مع تركيز خاص على إفريقيا التي أصبحت تحتل الجزء الأكبر من اهتمامه العملياتي أو الدعائي على حد سواء.

الهروب الاضطراري إلى إفريقيا

فخلال الأسبوع المنصرم، سجلت لجان الرصد والمتابعة التابعة لديوان الإعلام المركزي لداعش تنفيذه لـ28 هجوم في سائر مناطق نشاطه، منها 23 هجومًا في دول إفريقية أي أن نسبة الهجمات التي ينفذها داعش في القارة تمثل نحو 78.6 % من إجمالي هجماته، وتبلغ نسبة الهجمات في سوريا 17.8% (إجمالي 5 هجمات في نفس الفترة الزمنية)، وأما العراق فحل في ذيل القائمة بنسبة 3.57% (هجوم واحد فقط).

وفي نفس الأسبوع، خصصت صحيفة النبأ الأسبوعية معظم صفحاتها للحديث عن نشاط التنظيم في إفريقيا فمن بين 5 صفحات مخصصة لتغطية أخبار أنشطة داعش الميدانية، غطى التنظيم أخبار أفرعه الإفريقية في 3 صفحات ونصف، فيما خصص صفحة واحدة لسوريا وأقل من نصف صفحة للعراق. ويعكس التركز العملياتي والاهتمام الدعائي أولوية داعش في الوقت الحالي.

من الهزيمة إلى "البقاء والتمدد

وعلى وقع النكسات التي تلقاها التنظيم، ومنها هزيمة فرعه السابق المسمى ولاية سيناء في مصر، وانهيار خلافته المكانية قبل 6 سنوات، ارتأى التنظيم أن الساحات الأبرز لتمدده هي القارة الإفريقية وأفغانستان التي تعثر فيها لاحقا، ولم يكن التنظيم يولي اهتمامًا كبيرًا قبل ذلك للأفرع الإفريقية، وهو ما كشفته رسالة خاصة في أرشيف التنظيم أرسلها أبو مصعب البرناوي، أمير التنظيم في غرب إفريقيا، لقيادة داعش العليا قبل سنوات، شكا فيها من ضعف قدراتهم ونقص خبراتهم وطلب من قيادة التنظيم أن ترسل له مدربين وتنقل له خبرات كما فعلت مع فرعه في سيناء، وفق نص الرسالة التي أطلع عليها كاتب هذه السطور.

 

تنظيم داعش في إفريقيا 
تنظيم داعش في إفريقيا 

وبعد هزيمته، رأى "داعش" أن النشاط في إفريقيا سيمنحه فرصة للتأكيد على سرديته الخاصة القائمة على فكرة البقاء والانتشار والتي صاغها في شعاره الشهير "باقية وتتمدد"، ومن ثم كان ضروريا بالنسبة له استقطاب الجماعات المسلحة المحلية في الكونغو الديمقراطية، وسط إفريقيا، والساحل والصحراء، وموزمبيق، جنوب شرق القارة، بجانب الجماعات المبايعة له في غرب إفريقيا وحوض بحيرة تشاد، والصومال، في شرق القارة، وهو ما فعله بالفعل في الفترة التالية لسقوط خلافته المكانية في 2019.

ومن الملاحظ أن داعش لديه عنصريته الخاصة القائمة على التمييز بين أتباعه، بخلاف ما يدعي أن جميعهم سواء لديه، ففرعه في الساحل الإفريقي، وفرعه في وسط إفريقيا كانا قد أرسلا بيعاتهم التي تعني التعهد بالولاء والتبعية لقيادة داعش العليا منذ 2015 و2018 على الترتيب، لكنه لم يقبل تلك البيعات إلا مكرها، وذلك في 2019، حين خرج زعيمه الكاريزمي أبو بكر البغدادي، في آخر فيديو مرئي له في أبريل 2019، معلنًا قبول كل البيعات التي كانت معلقة قبل ذلك.

تصاعد النشاط الإرهابي

ومنذ تلك الفترة وحتى الآن، تصاعد نشاط التنظيمات المرتبطة بداعش في سائر مناطق القارة، عدا الشمال الإفريقي، وبدا واضحًا أن التنظيم نقل تكتيكاته التي طورها في العراق وسوريا إلى إفريقيا، واكتسب التنظيم زخمًا كبيرًا في مناطق غرب ووسط إفريقيا وموزمبيق في جنوب شرق القارة، أما في الشرق فبقي الفرع الصومالي له عبارة عن قاعدة تمويل تعمل على إدارة عملية تحويلات التنظيم المالية لأفرعه حول العالم، بما في ذلك القيادة العليا في العراق وسوريا، بالتنسيق مع الإدارة العامة للولايات التي تمثل القيادة المسؤولة عن جميع أفرع داعش.

وتشير تقارير أممية صادرة عن لجنة الجزاءات المعنية بداعش والقاعدة في مجلس الأمن الدولي، إلى أن التنظيم يوسع قاعدة العمليات والتجنيد في القارة الإفريقية لا سيما مع قيامه بتجنيد مقاتلين أجانب ونقلهم إلى مناطق نشاطه في دول القارة السمراء.

ومن الواضح أن التنظيم أصبحت لديه قاعدة تجنيد جديدة وواسعة يستفيد منها في نشاطه في تلك الدول، ويُحتمل أنه يستخدم الدول الإفريقية كقاعدة ارتكاز عملياتية لنقل عملياته إلى دول أخرى مصنفة كدول آمنة من خطر الإرهاب، وخلال الأشهر الماضية، عثرت قوات مكافحة الإرهاب الصومالية على إحدى الأوراق الخاصة بالتنظيم في شرق إفريقيا، وكشفت هذه الورقة المأخوذة بالأساس من معسكر تدريبي للتنظيم أن هناك عدد كبير من المقاتلين الأجانب، لا سيما القادمين من دول عربية، إلى التنظيم.

ويبدو أن "داعش" يوظف كوادره الحاليين، ولا سيما المقاتلين الأجانب، في تجنيد آخرين وشن هجمات في بلدانهم،  إذ فككت قوات الأمن المغربية، أواخر فبراير الماضي، خلية للتنظيم كانت تنشط في الإعداد لتأسيس فرع له في المغرب، وهذا يعني أن التنظيم يواصل السير على نهجه الخاص من أجل البقاء والتمدد ويعمل على فتج جبهات جديدة في أي مكان.

تنظيم داعش في إفريقيا 
تنظيم داعش في إفريقيا 

مستقبل غامض للقارة

وفي الواقع فإن المعطيات الحالية تبرهن على أن مستقبل القارة الإفريقية سيكون صعبا إذا لم يتم مواجهة تمدد تنظيم داعش وغيره من التنظيمات الإرهابية، وهذه المواجهة لا يجب أن تقتصر على الجانب العسكري فقط، بل على معالجة جذور الإرهاب الذي يستفيد من الديناميكيات الجيوبولتيكية والاضطرابات في القارة من أجل البقاء والتمدد.

ويستفيد داعش من الصراعات المحلية في دول القارة في استقطاب أتباع وفروع جديدة ولذا فمن الضروري العمل على تهدئة هذه الصراعات ومحاولة حلها أو إنهائها على الأقل في الوقت الحالي، وكذلك يجب العمل على ضبط أمن الحدود ومنع المتسللين الراغبين في الانضمام للتنظيم من العبور ومعالجة المظالم المحلية وتوفير التنمية لتلك الدول، وهذه مهمة شبه مستحيلة الآن.

غير أن العمل على هذه المشكلة الآن، بجانب عوامل أخرى سياسية واقتصادية واجتماعية وتربوية.. إلخ، يوفر فرصة لنوع من الضبط سيساهم في نهاية المطاف في الحد من ظاهرة الإرهاب، وإلا فإن إرهاب داعش المتمدد سيبقى موجودًا طالما وجدت الأسباب التي أدت لنشأته وطالما وجد التنظيم أتباعا جدد يستطيع تجنيدهم وتوجيههم لنش هجمات إرهابية حول العالم.

أحمد سلطان*

باحث في الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء