رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

العشائر الفلسطينية بين الاستهداف الإسرائيلي وصمود الهوية الوطنية

العشائر الفلسطينية
العشائر الفلسطينية

لم تعد الحرب الإسرائيلية على غزة مقتصرة على الجانب العسكري المباشر، بل توسعت إلى ميادين أكثر تعقيدًا ترتبط بالهندسة الاجتماعية والسياسية للمجتمع الفلسطيني. فإسرائيل، في إطار سعيها لتفكيك البنية الوطنية الموحدة، لجأت إلى محاولة استمالة العشائر الفلسطينية والتعويل عليها كأداة بديلة للسلطة والفصائل، في مشهد يُعيد للأذهان أساليب استعمارية تقليدية اعتمدت على "الوكلاء المحليين" لضبط المجتمعات المستعمَرة.

غير أن التجربة الفلسطينية، بصلابة مجتمعها ووعي عشائرها، تُظهر أن هذا المخطط يواجه تحديات عميقة قد تحوّله إلى عبء إضافي على المشروع الإسرائيلي بدلاً من أن يكون ورقة قوة.

العشائر الفلسطينية 
العشائر الفلسطينية 

أولًا: الجذور الاستعمارية لفكرة استمالة العشائر

استخدام القوى الاستعمارية للعناصر المحلية ليس جديدًا. فقد اعتمدت بريطانيا في مستعمراتها، كما فرنسا في شمال إفريقيا، على زعامات محلية لضبط المجتمعات دون الحاجة إلى وجود عسكري مباشر دائم. كانت هذه الزعامات أشبه بـ"واجهات اجتماعية" تمنح الاحتلال غطاءً محليًا وتُعيد إنتاج السيطرة بأدوات أهلية.

إسرائيل، في محاولتها لتجنيد شخصيات عشائرية نافذة في غزة، تستعيد هذا النهج. فهي تدرك أن السيطرة عبر قوى محلية أقل تكلفة من الاحتلال المباشر، وأكثر فاعلية في إضعاف المؤسسات المركزية الفلسطينية. الهدف النهائي هو إنتاج كيانات ضعيفة مجزأة، سهلة التوجيه، تُغطي فراغ الحكم وتُعطل أي إمكانية لقيام سلطة وطنية موحدة.

ثانيًا: أدوات إسرائيل في محاولات التجنيد

تكشف التقارير الصحفية عن تكتيكات متعددة اتبعتها إسرائيل في هذا السياق: الإغراء بالسلطة والنفوذ المحلي، وعرض امتيازات للعائلات النافذة في حال تعاونها، سواء عبر أدوار إدارية أو أمنية أو تسهيلات اقتصادية. فضلا عن العقاب الميداني من خلال استهداف منازل أو مقار عائلات رفضت التعاون، في رسالة ردع واضحة مفادها: التعاون أو العقاب، وخلق ميليشيات محلي، ودعم مجموعات مسلحة صغيرة مثل جماعة "ياسر أبو شباب" لتكون نموذجًا أوليًا لميليشيات عشائرية يمكن توظيفها في ضبط الأحياء أو السيطرة على المعابر.

طرح فكرة تقسيم غزة إلى مناطق عشائرية تُدار محليًا، بحيث تتفاوض إسرائيل مع كل منطقة منفردة، وهو سيناريو يعيد إنتاج "الإمارات القبلية" تحت وصاية خارجية.

ثالثًا: المخاطر المترتبة على المشروع الإسرائيلي

محاولة تفكيك النسيج العشائري في غزة لا تعني مجرد تغيير إداري محلي، بل تنطوي على تهديدات وجودية للهوية الفلسطينية: منها تفتيت الوحدة الوطنية، وتحويل العشائر إلى سلطات بديلة يضرب فكرة المشروع الوطني الجامع ويُحوّل المقاومة إلى صراع محلي، بجانب إضعاف الشرعية السياسية: من خلال سلطة محلية تُنتَج بتوجيه خارجي تفتقد أي قبول شعبي، مما يجعلها هشّة ومعزولة. وزرع الفتنة الداخلية باستغلال الخلافات التاريخية بين العائلات لإشعال نزاعات دموية تتيح التدخل الإسرائيلي بشكل أعمق. وتحويل غزة إلى فسيفساء عشائرية: وهو ما يعني تآكل إمكانية التفاوض مع كيان فلسطيني موحد في المستقبل.

رابعًا: التحديات أمام إسرائيل

رغم محاولات الاختراق، تواجه إسرائيل جدارًا من العقبات:

رفض العشائر التعاون:

أغلب العائلات رفضت الانخراط خوفًا من وصمة "الخيانة"، وهو ما يجعل المشروع ضعيفًا من الداخل.

الشارع الفلسطيني الرافض:

الوعي الشعبي الفلسطيني يرفض أي تعاون مع الاحتلال، مما يضع أي متعاون في عزلة مجتمعية خانقة.

الخطر الانتقامي من الفصائل:

العائلات التي قد تنخرط في هذا المسار ستكون عرضة لاستهداف مباشر من الفصائل الفلسطينية، مما يجعل تكلفة التعاون عالية جدًا.

هشاشة السيطرة الإسرائيلية:

حتى في حال نجاح محدود، فإن هذه الكيانات العشائرية لن تصمد دون حماية عسكرية مباشرة، وهو ما يُضعف قيمتها الاستراتيجية على المدى الطويل.

خامسًا: البعد القانوني والإنساني

استهداف العائلات بالقصف عقابًا على رفضها التعاون يدخل في إطار العقاب الجماعي، وهو انتهاك صريح للقانون الدولي الإنساني. كما أن فرض سياسات التقسيم العشائري يُعد شكلًا من أشكال الهندسة الاجتماعية القسرية، التي تُجرّمها المواثيق الدولية باعتبارها محاولة لتغيير البنية الداخلية للشعوب بالقوة.

العشائر الفلسطينية 
العشائر الفلسطينية 

سادسًا: العشائر كصمام أمان

العشائر الفلسطينية ليست مجرد بُنى اجتماعية تقليدية، بل لعبت تاريخيًا دورًا مركزيًا في حماية الهوية الوطنية وصون وحدة المجتمع. رفضها الانخراط في المخطط الإسرائيلي ليس فقط موقفًا أخلاقيًا، بل أيضًا موقف سياسي واعٍ يدرك أن أي تعاون لن ينتج سوى كيانات هشة تعيش في ظل الاحتلال.

بذلك، تتحول العشائر إلى صمام أمان اجتماعي يمنع انهيار النسيج الفلسطيني الداخلي، ويُعيد تأكيد أن أي مشروع سياسي لا يمكن أن ينجح إلا إذا كان وطنيًا جامعًا.

خاتمة

محاولة إسرائيل استمالة العشائر في غزة تكشف عن تحول خطير في أدوات الحرب، من مواجهة عسكرية إلى حرب اجتماعية تستهدف النسيج الأهلي ذاته. إلا أن الوعي الفلسطيني، المتجذر في بنية العشائر، يظل خط الدفاع الأول ضد هذه المشاريع.

فالخيانة تُنتج هشاشة، والمقاومة تُنتج صلابة. والمجتمع الفلسطيني، بتاريخه وتجربته، أثبت أنه أكثر قدرة على إفشال مشاريع التفتيت مهما تغيرت أدواتها.

إن مواجهة إسرائيل لم تعد فقط عبر الصواريخ والأنفاق، بل أيضًا عبر حماية البنية الاجتماعية من الاختراق، وهو ما يجعل العشائر اليوم – كما الأمس – حائط الصد الأول في معركة الوجود.

دكتور سعيد محمد أبو رحمة

كاتب وباحث فلسطيني- قطاع غزة 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء