«كنت رئيسًا لمصر».. مذكرات محمد نجيب بين الرواية والتاريخ
يصادف اليوم ذكرى ميلاد الرئيس الأسبق محمد نجيب، الذي نشر في عام 1984، وبعد عقود من العزلة، مذكراته بعنوان «كنت رئيسًا لمصر»، والتي أثارت جدلًا واسعًا حول دوره في ثورة 23 يوليو 1952، وخلافه مع الضباط الأحرار، وظروف إقصائه من المشهد السياسي. وطرحت المذكرات تساؤلًا حول مدى دقة الرواية التي قدمها نجيب للأحداث، وما إذا كانت تمثل شهادة تاريخية أم محاولة لاستعادة مكانته التي فقدها بعد إبعاده عن الحياة السياسية.
لماذا كتب محمد نجيب مذكراته؟
ظل محمد نجيب صامتًا لعقود تحت الإقامة الجبرية، قبل أن يقرر في ثمانينيات القرن الماضي، وبعد أن سمح له الرئيس أنور السادات بحرية الحركة، أن يروي روايته للتاريخ من خلال مذكراته.
وأكد نجيب أنه لم يكن يسعى إلى الانتقام، وإنما أراد تصحيح الصورة التي قال إنها تشكلت عنه بصورة مغلوطة، خاصة بعد تجاهله من جانب المؤرخين ووسائل الإعلام لسنوات طويلة.
أبرز محاور «كنت رئيسًا لمصر»
تناولت مذكرات محمد نجيب عددًا من المحطات المهمة في حياته، وفي مقدمتها دوره في ثورة 23 يوليو، وخلافه مع جمال عبد الناصر، ثم عزله ووضعه تحت الإقامة الجبرية.
وفيما يتعلق بدوره في ثورة 23 يوليو، أوضح نجيب أنه كان رمزًا للثورة، لكنه لم يكن المتحكم الفعلي في قرارات مجلس قيادة الثورة، مشيرًا إلى أن السلطة الحقيقية كانت بيد مجموعة من الضباط، وعلى رأسهم جمال عبد الناصر.
كما تناول الخلاف بينه وبين عبد الناصر، موضحًا أن الخلاف بدأ بعد مطالبته بعودة الحياة الديمقراطية وإجراء انتخابات برلمانية حرة، وهو ما رفضه الضباط الذين فضلوا استمرار الحكم العسكري.
وتطرق نجيب كذلك إلى تفاصيل عزله ووضعه تحت الإقامة الجبرية في فيلا زينب الوكيل بالمرج، وكيف مُنع من التواصل مع العالم الخارجي لسنوات طويلة، حتى سمح له الرئيس أنور السادات بالخروج.
هل أنصفت المذكرات محمد نجيب؟
يرى بعض المؤرخين أن مذكرات محمد نجيب قدمت شهادة تاريخية مهمة عن تلك المرحلة، خاصة فيما يتعلق بالخلاف الذي نشب بينه وبين جمال عبد الناصر.
وأكد نجيب في مذكراته أنه لم يكن ضد الثورة، وإنما كان مؤمنًا بأن هدفها الأساسي يتمثل في إنهاء الحكم الملكي والبدء في إقامة نظام ديمقراطي، وليس استبدال ديكتاتورية ملكية بأخرى عسكرية.
في المقابل، يرى آخرون أن المذكرات تضمنت بعض التحيزات الشخصية، خاصة عندما وصف نجيب نفسه بأنه كان مجرد واجهة للثورة، بينما كان الضباط الأحرار هم أصحاب السيطرة الفعلية على القرارات.
كما تضمنت المذكرات تفاصيل لم يتم التحقق منها بصورة كاملة، من بينها مزاعم نجيب بشأن محاولات اغتياله، إلى جانب تأكيده المستمر على رفض الممارسات القمعية التي تبناها النظام عقب الثورة.
كيف استقبلت مصر مذكرات محمد نجيب؟
عند نشر مذكرات «كنت رئيسًا لمصر»، حظيت باهتمام كبير من وسائل الإعلام والجمهور، خاصة أن محمد نجيب كان شخصية غائبة عن المشهد السياسي المصري لعقود.
واعتبر البعض أن المذكرات تمثل محاولة لإنصاف أول رئيس للجمهورية، بينما رأى آخرون أنها تؤكد أن ثورة يوليو انحرفت عن مسارها بعد إقصاء نجيب.
كما تسببت المذكرات في إحراج للنظام السياسي في ذلك الوقت، بعدما أعادت إلى الأذهان الطريقة التي عُزل بها محمد نجيب وتم تهميشه، وهو ما دفع بعض الصحف إلى التعامل مع الكتاب بحذر، في الوقت الذي احتفى به معارضو الحكم العسكري في مصر.
كيف أثرت المذكرات على صورة محمد نجيب؟
قبل نشر مذكراته، كان محمد نجيب شخصية غائبة إلى حد كبير عن الذاكرة العامة، إلا أن كتاب «كنت رئيسًا لمصر» ساهم في إعادة الاهتمام به باعتباره أحد أبرز رموز ثورة 23 يوليو.
وبعد وفاته، بدأ اسمه يحظى بحضور أكبر في الذاكرة والتناول الثقافي والتاريخي، كما أُطلق اسمه على عدد من المنشآت العامة، وأُنتجت أعمال وثائقية ودرامية تناولت سيرته ودوره في تاريخ مصر الحديث.





