رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

العنصرية وتبييض الأرجنتين..القصة الكاملة وراءاختفاء السود من منتخب التانجو

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

أثار غياب اللاعبين السود عن صفوف منتخب الأرجنتين لكرة القدم تساؤلات متكررة، حيث بدا الفريق مختلفًا عن بقية منتخبات أمريكا الجنوبية التي تضم لاعبين من أصول إفريقية بشكل واضح، ومع تكرار هذا السؤال في وسائل الإعلام العالمية، ظهرت تفسيرات متعددة، تراوحت بين اتهام الأرجنتين بالعنصرية، وبين محاولة البحث في تاريخ البلاد وتركيبتها السكانية لفهم الأسباب الحقيقية وراء هذه الظاهرة، ويرى عدد من الباحثين أن الإجابة لا تتعلق بالرياضة وحدها، وإنما ترتبط بتاريخ طويل من التحولات الاجتماعية والسياسية التي أعادت تشكيل الهوية الأرجنتينية منذ القرن التاسع عشر، فيما عُرف لاحقًا بسياسة "تبييض الأرجنتين".

أين اختفى السكان السود؟

تشير الدراسات التاريخية إلى أن الأرجنتين استقبلت خلال فترة الاستعمار الإسباني ما يقرب من 200 ألف إفريقي جرى نقلهم عبر تجارة الرقيق، وهو رقم يعادل نحو نصف عدد الأفارقة الذين نُقلوا إلى الولايات المتحدة في الفترة نفسها.

وبعد استقلال الأرجنتين عن إسبانيا عام 1816، قدرت بعض الإحصاءات أن ذوي الأصول الإفريقية كانوا يمثلون نحو 30% من سكان البلاد، بينما تشير بيانات المعهد الوطني الأرجنتيني للإحصاء عام 2022 إلى أن من يعرفون أنفسهم باعتبارهم من أصول إفريقية لا تتجاوز نسبتهم 0.7% من إجمالي السكان.

هذا التراجع الكبير دفع مؤرخين وباحثين إلى التساؤل حول مصير تلك الشريحة السكانية، وظهرت عدة تفسيرات تاريخية، من بينها مشاركة أعداد كبيرة من السود في حروب الاستقلال، ووقوعهم في الصفوف الأولى من الجيوش، فضلًا عن انتشار أوبئة مثل الحمى الصفراء التي حصدت أرواح آلاف الفقراء في العاصمة بوينس آيرس. إلا أن كثيرًا من الباحثين يرون أن هذه العوامل وحدها لا تكفي لتفسير هذا التراجع الحاد.

جيل 1837

يربط عدد من المؤرخين التحول الأكبر بما عُرف بـ"جيل 1837"، وهي مجموعة من المفكرين والسياسيين الذين شاركوا في صياغة الدستور الأرجنتيني عام 1853، وتبنوا فكرة بناء دولة ذات هوية أوروبية خالصة.

واعتمد هذا التوجه على تشجيع الهجرة الأوروبية، خاصة من إيطاليا وإسبانيا، باعتبار الأوروبيين أساس الحضارة الحديثة، بينما جرى تهميش السكان الأصليين وذوي الأصول الإفريقية ثقافيًا واجتماعيًا.

وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1850 و1950، استقبلت الأرجنتين نحو سبعة ملايين مهاجر أوروبي، وهو ما غيّر البنية السكانية بصورة كبيرة، ورسّخ صورة الأرجنتين باعتبارها "الدولة البيضاء" في أمريكا الجنوبية.

ويرى باحثون أن هذه السياسة لم تعتمد فقط على الهجرة، بل شجعت أيضًا الاندماج والزواج المختلط، حيث لجأت كثير من النساء من أصول إفريقية أو من السكان الأصليين إلى الزواج من مهاجرين أوروبيين، سعيًا لتحسين أوضاعهن الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما ساهم تدريجيًا في ذوبان الهويات العرقية المختلفة داخل الهوية الوطنية الجديدة.

هوية جديدة للأرجنتين

توضح الباحثة إريكا دينيز إدواردز أن ما حدث لم يكن اختفاءً بيولوجيًا للسكان السود، بقدر ما كان إعادة تشكيل للهوية الوطنية، بحيث أصبح الانتماء الأوروبي هو المعيار الأساسي للمواطنة والاندماج.

وتشير إلى أن الدولة بذلت جهودًا متواصلة لترسيخ صورة الأرجنتين كدولة أوروبية في أمريكا الجنوبية، وهو ما انعكس في الخطاب السياسي الرسمي لعقود طويلة.

ففي عام 2018، صرح الرئيس الأسبق ماوريسيو ماكري بأن "الأرجنتينيين جميعًا ينحدرون من أصول أوروبية"، بينما أثار الرئيس ألبرتو فرنانديز جدلًا واسعًا عام 2021 عندما قال إن "المكسيكيين جاءوا من الهنود، والبرازيليين من الغابات، أما الأرجنتينيون فقد جاءوا من السفن الأوروبية".

كرة القدم والهوية القومية

امتد هذا التصور أيضًا إلى كرة القدم، حيث يرى الكاتب البريطاني جوناثان ويلسون أن الهوية الكروية الأرجنتينية تشكلت منذ بدايات القرن العشرين حول مفهوم "الكريول"، وهم أبناء النخب ذات الأصول الأوروبية.

ومع مرور الوقت أصبحت كرة القدم جزءًا من مشروع بناء الهوية الوطنية، وهو ما دفع بعض الباحثين إلى الاعتقاد بأن اللاعبين المنحدرين من أصول إفريقية أو من السكان الأصليين لم يحظوا بالحضور نفسه داخل الرواية الرسمية للكرة الأرجنتينية.

لكن هذه الفرضية لا تعني غياب اللاعبين ذوي الأصول المختلطة عن تاريخ المنتخب، إذ يعد دييجو أرماندو مارادونا أحد أبرز الأمثلة، حيث تشير بعض الدراسات إلى امتلاكه أصولًا غوارانية وإيطالية مختلطة، كما أن خوان سيباستيان فيرون ينحدر من أصول مختلفة، وكذلك ماركوس أكونيا الذي تعرض لهتافات عنصرية في إسبانيا بسبب ملامحه، بينما لم يُنظر إليه داخل الأرجنتين بالطريقة نفسها.

عنصرية مختلفة

توضح دراسة صادرة عن جامعة ديوك الأمريكية أن العنصرية في الأرجنتين تختلف عن النموذج التقليدي المعروف في دول أخرى، إذ تقوم بدرجة كبيرة على تجاهل الاختلافات العرقية داخل المجتمع، مع إبرازها عند الحديث عن "الآخر" أو الأجانب.

وبحسب الدراسة، فإن المجتمع الأرجنتيني نجح عبر عقود في خلق حالة من النسيان الجماعي للأصول غير الأوروبية، بحيث يصبح الشخص أبيضًا اجتماعيًا بمجرد اندماجه في الهوية الوطنية الجديدة، حتى وإن كانت أصوله الإفريقية أو الأصلية معروفة تاريخيًا.

الفكرة وراء منتخب الأرجنتين "الأبيض"

يرى باحثون أن غياب اللاعبين السود بصورة واضحة عن منتخب الأرجنتين لا يمكن تفسيره باعتباره نتيجة مباشرة للتمييز الرياضي، وإنما هو انعكاس لمسار تاريخي طويل أعاد تشكيل المجتمع الأرجنتيني نفسه.

فمشروع "تبييض الأرجنتين" لم يكن مجرد سياسة للهجرة، بل تحول إلى رواية وطنية كاملة أعادت تعريف هوية السكان، ورسخت فكرة الانتماء الأوروبي باعتبارها الصورة الرسمية للدولة.

ومن ثم، فإن صورة منتخب الأرجنتين الحالية قد لا تعكس غياب التنوع العرقي بالكامل، بقدر ما تعكس قرابة قرنين من السياسات الاجتماعية والثقافية التي أعادت صياغة مفهوم الهوية، وجعلت كثيرًا من الأصول الإفريقية أو الأصلية تذوب داخل الرواية الوطنية الأرجنتينية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء