معركة رأس العش.. كيف أوقفت قوة مصرية صغيرة مخطط الاحتلال؟
يصادف اليوم ذكرى واحدة من أعظم البطولات العسكرية في التاريخ المصري الحديث، وهي ذكرى معركة رأس العش التي جسدت معنى الصمود والإرادة لدى الجندي المصري في واحدة من أصعب المراحل التي مرت بها الدولة المصرية، فقد جاءت المعركة بعد أيام قليلة من نكسة يونيو 1967، في وقت ظن فيه العدو أن الجيش المصري فقد قدرته على المقاومة، إلا أن رجال القوات المسلحة المصرية أثبتوا أن المعارك لا تُحسم بالأرقام والعتاد فقط، وإنما بالإرادة والعقيدة القتالية والتمسك بالدفاع عن الوطن.
ولم تكن معركة رأس العش مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل مثلت نقطة تحول مهمة أعادت الثقة للشعب المصري ورفعت الروح المعنوية للجيش، وأكدت أن القوات المسلحة قادرة على استعادة توازنها والوقوف من جديد رغم قسوة الظروف والتحديات.
محاولة إسرائيلية لاحتلال بورفؤاد
بعد حرب يونيو 1967 تمكنت إسرائيل من احتلال شبه جزيرة سيناء باستثناء مدينة بورفؤاد الواقعة على الضفة الشرقية لقناة السويس في مواجهة مدينة بورسعيد، واعتقدت القوات الإسرائيلية أن نجاحها العسكري منحها السيطرة الكاملة على الموقف، فبدأت التخطيط للتقدم نحو بورفؤاد بهدف احتلالها وفرض مزيد من الضغط العسكري على المنطقة.
ورأت إسرائيل أن السيطرة على المدينة ستمنحها موقعًا استراتيجيًا مهمًا يمكن استخدامه لتهديد بورسعيد وتعزيز وجودها العسكري شرق القناة، لذلك أعدت قوة مدرعة مدعومة بقوات مشاة ميكانيكية للتحرك نحو منطقة رأس العش.
قوة صغيرة تواجه جيشًا مدججًا بالسلاح
في الأول من يوليو عام 1967 تقدمت القوات الإسرائيلية نحو منطقة رأس العش، لكنها فوجئت بوجود قوة مصرية محدودة من رجال الصاعقة المصرية تمركزت للدفاع عن المنطقة، ورغم أن عدد أفراد القوة المصرية كان محدودًا مقارنة بالقوة الإسرائيلية المتقدمة، فإن المقاتلين المصريين كانوا يتمتعون بعزيمة قوية وإصرار على منع سقوط أي جزء جديد من الأراضي المصرية.
واعتمدت قوات الصاعقة على التخطيط الجيد والاستفادة من طبيعة الأرض، إلى جانب عنصر المفاجأة، حيث نجح المقاتلون في استدراج القوات الإسرائيلية إلى مناطق الاشتباك المباشر، مما أربك تحركاتها وأفقدها جزءًا كبيرًا من قدرتها الهجومية، مع بداية الاشتباكات واجهت القوات الإسرائيلية مقاومة شرسة لم تكن تتوقعها، وتمكن رجال الصاعقة المصرية من تدمير عدد من الدبابات والعربات العسكرية المعادية وإلحاق خسائر كبيرة بالقوات المهاجمة.
وعلى الرغم من محاولات القوات الإسرائيلية المتكررة اقتحام الموقع أو الالتفاف حوله، فإن المقاتلين المصريين تمسكوا بمواقعهم بكل قوة، واستمروا في القتال حتى اضطر العدو إلى التراجع والانسحاب بعد فشله في تحقيق أهدافه.
وكانت نتيجة المعركة بمثابة صدمة كبيرة للجانب الإسرائيلي، خاصة أنها جاءت بعد أيام قليلة من حرب يونيو، في وقت كان يعتقد فيه أن المقاومة المصرية انتهت تمامًا.
الشرارة الأولى لحرب الاستنزاف
اكتسبت معركة رأس العش أهمية كبيرة لأنها لم تكن مجرد انتصار ميداني، بل أصبحت الشرارة الأولى التي مهدت لاندلاع حرب الاستنزاف، التي استمرت لعدة سنوات وشهدت تنفيذ عمليات بطولية عديدة على طول جبهة قناة السويس، كما أعادت المعركة الثقة إلى الجيش والشعب المصري، ورسخت قناعة بأن استرداد الأرض أمر ممكن وأن الهزيمة ليست نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة من العمل والإعداد والتخطيط لاستعادة الكرامة الوطنية.



