رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تطبيع واشنطن وحرب الصين.. سر اهتمام "ترامب" بقاعدة "باغرام" الأفغانية

قاعدة باغرام الأفغانية
قاعدة باغرام الأفغانية

 

"نرغب باستعادة القاعدة ليس من أجل أفغانستان، بل لأنها تبعد ساعة واحدة عن المكان الذي تصنع فيه الصين صواريخها النووية"، بهذه الكلمات برر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رغبته في استعادة قاعدة باغرام الجوية، القاعدة الأكبر في أفغانستان والتي اتخذها الجيش الأمريكي مركزًا لعملياته خلال حرب الـ20 عامًا ضد حركة طالبان، قبل انسحابه في أغسطس 2020 وتركه القاعدة للجيش الأفغاني السابق الذي انسحب منها لتسيطر عليها الحركة قبيل إتمام الخروج الأمريكي من البلاد.

ولم يكن حديث الرئيس الأمريكي عن القاعدة الجوية الأكبر في أفغانستان، والتي تُمكن المسيطر عليها من السيطرة على كامل الشمال الأفغاني، مجرد حديث عابر إذ سبق له أن انتقد سلوك سلفه الرئيس جو بايدن واعتبر أن انسحاب واشنطن منها جاء بلا ثمن، واعدًا باستعادتها مرة أخرى من طالبان، بيد أن المتحدث باسم الحركة الأفغانية ذبيح الله مجاهد، وقائد الجيش الأفغاني الحالي فصيح الدين فطرت أكدا أن كابل لن تتخلى عن القاعدة أو عن شبر واحد لواشنطن.

 

قاعدة باغرام الأفغانية
قاعدة باغرام الأفغانية

والحقيقة أن حديث "ترامب" عن القاعدة الأمريكية أتى مرتبطا بعملية المفاوضات التي أجرتها حركة طالبان والولايات المتحدة، منذ أيام عدة، والتقى خلالها وزير الخارجية الأفغاني أمير خان متقي بوفد أمريكي برئاسة آدم بولر، المبعوث الأمريكي الخاص لشؤون الأسرى، وزلماي خليل زاد المبعوث السابق لعملية السلام مع الحركة، وتناقشا حول قضايا العلاقات الثنائية وتبادل الأسرى ورفع العقوبات المفروضة عن حركة طالبان.

وعلى وقع هذه المفاوضات، أراد الرئيس الأمريكي الذي يُحب تلقيب نفسه بملك الصفقات أن ينخرط في صفقة جديدة متبعًا أسلوب الصفقات التقليدي فرمى الجزرة وهي الاعتراف بحكم طالبان واستعادة العلاقات معها، وهذا يعني فك تجميد 7 مليارات دولار من الأموال الأفغانية التي استولت عليها الإدارة الأمريكية السابقة (إدارة بايدن) وتبادل أسيرين أحدهما أمريكي والآخر أفغاني، ثم أتبعها بالعصا مهددًا بحدوث أشياء سيئة لأفغانستان في حال لم تتم الاستجابة لمطالبه بإعادة قاعدة باغرام للولايات المتحدة، وهو ما رفضته طالبان.

 أمريكا والتنافس الجيوسياسي مع الصين

 وتأسست قاعدة باغرام الجوية في خمسينيات القرن الماضي، وتبعد عن العاصمة كابل 40 ميلا، واستخدمها الجيش السوفيتي خلال غزوه لأفغانستان كقاعدة عمليات وإمداد لوجيستي، ثم وسعتها الولايات المتحدة عندما احتلت أفغانستان، عقب هجمات 11 سبتمبر 2001، وأصبحت مركزا عملياتيا رئيسيا وقاعدة استخباراتية ومقرًا للاحتجاز والسجن، وأيضًا أماكن للترفيه ومطاعم أنشأها الأمريكيون في سنوات الاحتلال، ولطالما تعرضت القاعدة لهجمات من قبل حركة طالبان في تلك الفترة، وخلفت هجمات الحركة العديد من القتلى والجرحى في صفوف القوات الأمريكية والقوات الأفغانية الحليفة لها وقوات التحالف الدولي.

وعقب الانسحاب الأمريكي، في 2021، سيطرت عليها حركة طالبان وأصبحت واحدًا من القواعد التي يعمل فيها الجيش الأفغاني الجديد. وفي المقابل ادعى الرئيس الأمريكي أن الصين أسست وجودًا لها في القاعدة غير أن هذا الادعاء تناقضه المعلومات المتاحة وصور الأقمار الصناعية للقاعدة التي تؤكد عدم وجود قوات أو منشآت صينية في القاعدة.

قاعدة باغرام الأفغانية
قاعدة باغرام الأفغانية

وتكمن أهمية القاعدة بالنسبة للولايات المتحدة في كونها تمثل ارتكازا عملياتيا هامًا في وسط وجنوب آسيا يمكن الجيش الأمريكي من قيادة وتوجيه العمليات الاستخباراتية والعسكرية ضد خصوم واشنطن الأبرز وفي مقدمتهم الصين، وروسيا، فضلا عن أن تلك القاعدة ستكون مفيدة للجانب الأمريكي في أي عمليات استخباراتية أو عسكرية، بما في ذلك عمليات التعاون، موجهة تجاه الهند وباكستان.

وذكر الرئيس الأمريكي أن القاعدة تبعد عن مواقع اختبار الأسلحة النووية الصينية بنحو ساعة واحدة، وهذه إشارة لموقع "لوب نور" النووي في إقليم شينجيانغ الصيني، وهذا الموقع يبعد عن قاعدة باغرام نحو 2000 كم متر، ولعل هذه الإشارة على ما فيها من مبالغة ترتبط بالكشف عن تطور الترسانة النووية الصينية، لا سيما صواريخ الثالوث النووي، في العرض العسكري الأخير الذي أجرته بكين بمناسبة ذكرى الانتصار في الحرب العالمية الثانية.

وبالنظر إلى مسرح العمليات بين قاعدة باغرام وموقع نور لوب، يتبين أن الرئيس الأمريكي يبالغ كعادته فالمقاتلات الأمريكية المتطورة وفي مقدمتها F-35  ستقطع تلك المسافة في مدة زمنية تتراوح ما بين ساعة و40 دقيقة في الأحوال القياسية أو ساعتين و13 دقيقة في الأحوال الطبيعية وستحتاج للتزود بالوقود جوا، أما القاذفات الاستراتيجية الشبحية (B2)، والتي استخدمتها واشنطن لضرب مفاعلات إيران النووية، فستقطعها في الأحوال الطبيعية في زمن قدره ساعة و13 دقيقة وفي الأحوال الطبيعية في زمن قدره ساعتين ودقيقتين، دون احتساب التعقيدات العملياتية وشبكات الدفاع الجوي الصينية والإقليمية الأخرى والحاجة لعمليات التزود بالوقود جوا، وهذا يعني أن الرئيس الأمريكي يبالغ كعادته مستعينًا بالدعاية كما يفعل.

خيارات محدودة في مواجهة طالبان وبكين

وعلى صعيد متصل، تبقى أمام الولايات المتحدة خيارات محدودة للضغط على طالبان بعد رفضها تسليم "قاعدة باغرام" لواشنطن، فمن هذه الخيارات إعادة فرض عقوبات على قادة طالبان ومن بينهم قادة شبكة حقاني، إحدى المكونات الرئيسية في الحركة الأفغانية بعد أن ألغتها واشنطن في مارس الماضي، ودعم الجبهات المناوئة لطالبان كمجموعات الطاجيك والأوزبك الذين سبق أن انضوا تحت لواء تحالف الشمال الذي حرب ضد الحركة ثم تحالف جبهة المقاومة الذي تزعمه نجل أحمد شاه مسعود، قائد تحالف الشمال سابقا، والذي لم يتمكن من تحقيق أي إنجاز يذكر خلال السنوات الأخيرة ضد طالبان، والاستمرار في تجميد الأموال الأفغانية في الولايات المتحدة.

ومن غير المتوقع أن تؤثر كل تلك الخطوات على حكم حركة طالبان المستقر بالفعل منذ الانسحاب الأمريكي، فحتى خطوة رصد مكافآت كبيرة على رؤوس قادة حركة طالبان والتي سبق أن لوحت بها إدارة ترامب، في يناير الماضي، لن تشكل سوى خطوة معنوية لن تؤثر على الحركة أو قادتها. وقد تُفكر واشنطن أن توجه ضربات محدودة ضد قادة طالبان وهذه خطوة تعيقها التعقيدات العملياتية ونقص المعلومات الاستخباراتية وهذا يعني أن واشنطن ستعود للتركيز جزئيا على أفغانستان، ما يعني إبعادها عن الهدف الرئيس لترامب وهو "جعل أمريكا عظيمة مجددًا" كما يقول، علاوة على أن هذه الخطوة تتناقض مع نص اتفاقية السلام المبرمة مع الحركة والتي تحظر استخدام القوة العسكرية ضد أفغانستان وطالبان، وكل هذا سيصب في صالح الصين التي استفادت من الانسحاب الأمريكي لتطبيع العلاقات سياسيا مع طالبان والاستثمار في بعض المشروعات داخل أفغانستان، وهذه الخطوات منحتها قبولا أكبر لدى قيادة طالبان التي تعول على دول الجوار الإقليمي لتعزيز وجودها في السلطة والانطلاق للأفق العالمي في ثوب جديد.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء