"الصراع المسلح" في الغرب الليبي.. غابت الدولة وحكمت الميليشيات
شهدت مدينة الزاوية في الغرب الليبي الساعات الماضية حالة من التوتر الأمني المتصاعد، على خلفية اشتباكات مسلّحة اندلعت في منطقة الحرشة بين عناصر مسلّحة تُعرف بـ"الكابوات" وقوة تابعة لجهاز مكافحة التهديدات الأمنية.
ترجع بداية الأحداث تعود إلى قيام مجموعة مسلّحة تابعة لـ"الكابو" بإطلاق النار على إحدى بوابات الجهاز أثناء أدائها لمهامها، أعقبها إيقاف سيارة يُشتبه بتورطها في الحادثة، حيث وُجد بداخلها أسلحة وذخائر، ما أدى إلى اعتقال من كانوا على متنها، وعلى إثر ذلك اشعلت موجة من الاشتباكات العنيفة في محيط الحرشة، التي لا تزال متواصلة بشكل متقطع حتى هذه اللحظة.
ولا يزال الوضع في المدينة متأزمًا، في ظل انتشار مسلّحين في محيط المصفاة والطريق الساحلي، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار الاشتباكات إلى شل الحركة العامة وتعطيل الحياة اليومية للسكان.

استنفار عسكري
وقد شهدت العاصمة طرابلس بالغرب الليبي حالة من الاستنفار العسكري والاشتباكات المتقطعة التي أعادت العاصمة إلى مشهد التوتر المسلح، إذ أعلن المجلس الرئاسي وصول قوة محايدة تابعة له إلى مطار معيتيقة المدني لتأمينه؛ تنفيذًا لاتفاق خفض التصعيد الذي رعته أنقرة بالتعاون مع قوة فض النزاع المشكلة من المجلس.
وجاءت هذه الخطوة حصيلة تفاهمات لاحتواء التصعيد المسلح الذي اندلع في منتصف أغسطس الماضي بين جهاز الردع لمكافحة الإرهاب الذي يتبع المجلس، والقوة المشتركة مصراتة التي تتبع وزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية، وسبق ذلك اشتباكات بين الجهاز واللواء 444 ،بعد ما تبنى رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة (منتهية ولايته)، مقتل رئيس جهاز "دعم الاستقرار" عبد الغني الككلي، خلال التحقيق معه في التجاوزات التي كان يمارسها الجهاز.
لجنة الترتيبات الأمنية
وفي 20 أغسطس الماضي، قرر الدبيبة حل جهاز الردع ونقل أصوله واختصاصاته إلى وزارة الداخلية بحكومته بذريعة أنه خارج سلطة الدولة، إلا أن الجهاز رفض القرار معتبرا أن مسألة حله أو إعادة هيكلته شأن يخص المجلس الرئاسي الذي شكّل -في الشهر نفسه على خلفية هذه التوترات- لجنة للترتيبات الأمنية تحاول كبح التحركات العسكرية والأمنية الأخيرة.
وبعد أيام من الاحتقان واستمرار تدفق الأرتال المسلحة القادمة من مصراتة وغريان وزليتن باتجاه طرابلس، أعلن وكيل وزارة الدفاع عبد السلام زوبي التوصل إلى إطار توافقي بين الطرفين وموافقة الجهاز على الإطار العام للشروط التي وضعتها وزارته، وقد شمل الاتفاق المنافذ البحرية والجوية والسجون ومراكز الاحتجاز، إضافة إلى وضع ضوابط تنظّم إجراءات القبض والتحقيق.
وتعتبر الاشتباكات المسلحة الأخيرة، محطة فاصلة في مسار الصراع على العاصمة، وانهيار في جدار تحالفاتها، وكذلك خلط في الأوراق بين القوى المتصارعة محليًا ودوليًا في ظل التعثر في خلخلة المشهد المعقد سياسيًا، وفشل الأطراف المتصارعة في إقامة بنيان نظامي مسلح موحد قائم على العقيدة الوطنية، بديلًا للمليشيات المسلحة متعددة الولاءات، وسيطرتها المطلقة على مدن الغرب الليبي.
غالبية القيادات الميليشية، ينتسبون لدائرة الجماعات الأصولية المتشددة، أو لائتلاف الإتجار في البشر، والمواد المخدرة والأسلحة الخفيفة، وتهريب الوقود والنفط، والتربح من عمليات السطو المسلح، ويعملون في إطار "زعماء العصابات"، سعيًا في إدارة الشبكات الممتدة من المرتزقة والمأجورين.
يمتلئ الغرب الليبي بعشرات المليشيات التي تضم الألاف المقاتلين والمسلحين، وتحولت لبديل عن الأجهزة الأمنية النظامية في ظل هيمنتها على مقدرات الدولة، وقيامها بأدوار رئيسية في إشعال الخلافات بين الجبهات المتصارعة على السلطة، وترتكز أخطرها وأهمها في مدن مثل طرابلس العاصمة، ومدينة الزاوية، ومدينة مصراتة.
هيمنة المليشيات المسلحة في الغرب الليبي على أصول الدولة والمؤسسات الاقتصادية والتجارية، وتمويلها من مصرف ليبيا المركزي، جعلها تطمع في الثروة والسلطة معًا، فتم التخطيط لدمجها في منظومتي الداخلية والدفاع، في ظل تفاقم أزمة الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، والتعايش مع واقع العنف والجريمة.
الاقتتال والتصادم المسلح بين ميليشيات الغرب الليبي، يمثل السمة الغالبة على أوضاع المشهد الداخلي، في التدهور السياسي والاقتصادي والأمني، وتعثر الموقف مع القوى السياسية في الشرق الليبي، الممثلة في برلمان طبرق، برئاسة عقيلة صالح، ورئيس الحكومة أسامة حمّاد، فضلاً عن الجيش الوطني الليبي برئاسة المشير خليفة حفتر.
المليشيات الفاعلة
تضم العاصمة طرابلس عددًا من المليشيات الفاعلة في المشهد الداخلي، أمثال قوات "رحبة الدروع"، أو الكتيبة (33)، ويقودها بشير خلف الله، الملقب بـ "البقرة"، وتتمركز في منطقة تاجوراء، وعرف عنها تورطها في عمليات غير قانونية منها الاتجار بالبشر، والاختطاف من أجل الحصول على فدية مالية، كما ترتبط بصلات وعلاقات وطيدة بمفتي ليبيا المعزول "الصادق الغرياني"، ومعظم منتسبيها ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين، كما تضم في طياتها معظم العناصر المتطرفة التي كانت موجودة سابقاً في مجموعات إرهابية شرقي البلاد مثل "مجلس شوري ثوار بنغازي"، و"مجلس شوري مجاهدي درنة"، و"أنصار الشريعة"، و"كتائب شهداء بوسليم".
ويليها ميليشيا "قوات الردع" بقاعدة معتيقة، ويزيد عدد مسلحيها على 5000 مقاتل، وتزعمها عبد الرؤوف كارة، المحسوب على "التيارات السلفية"، وتسيطر على عدد من المنشآت الليبية الكبرى، مثل المصارف، ووزارة الخارجية والجزء العسكري من مطار معيتيقة، الذي أصبح المطار الرئيسي في العاصمة بعد حرق مطار طرابلس الدولي عام 2014.

وفي 2018، تم حلها وإعادة تشكيلها من قبل "حكومة الوفاق الوطني"، ما أكسبها ثقلًا كبيرًا مع منحها اسم "جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة" وموازنة مالية مستقلة، وصلاحيات أوسع للقبض والتحري، وتنفيذ أوامر النائب العام، لتصبح فيما بعد أقوى الجهات الأمنية وأكثرها نفوذًا في العاصمة طرابلس.
المحقق كونان
وتضع "قوات الردع" قبضتها على سجن مطار طرابلس، المعروف بـ"جوانتانامو الليبي"، ويشرف عبد الرؤوف كارة، على عمليات التعذيب بنفسه ضد المحتجزين، وقد أشارت المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، إنه "أكبر مراكز الاحتجاز في غرب ليبيا"، ويشتهر بممارسة التعذيب وغيره من الانتهاكات والتجاوزات لحقوق الإنسان.
ويتولى الإشراف على إدارة التحقيقات بالسجن القيادي محمد الكيب، الملقب بـ"المحقق كونان"، أحد قيادات "الجماعة الليبية المقاتلة"، ويدير القسم النسائي، خالد الهيشري الملقب بـ "البوتي"، وأبرزت المفوضية تعرّض النساء للضرب والجلد والجذب من الشعر والإهانات والتهديدات ذات الطابع الجنسي.
وكانت الشرطة الإيطالية أوقفت في يناير 2025، قائد جهاز الشرطة القضائية الليبي أسامة نجيم الذي يشغل مدير مركز احتجاز سجن مطار طرابلس، بموجب مذكرة توقيف صادرة من المحكمة الجنائية الدولية، لتورطه في عمليات التعذيب والتنكيل بالمواطنين والناشطين الليبيين، ولم يحصل أسامة نجيم على تأهيل علمي يسمح له بتولي هذا المنصب، حيث كان يعمل قبل الأحداث الليبية في 2011، سائق سيارة ثم اندمج في الميليشيات إلى أن حصل على منصب قيادي في ميليشيات "قوات الردع".
وتم الإفراج عنه بسبب "خلل" في الإجراءات القانونية، ما تسبب في حالة من "القلق والخوف" لدى الكثيرين من المحسوبين على الميليشيات المسلحة في الغرب الليبي، خشية إدراجهم على قوائم الضبط والإحضار للجنائية الدولية بسبب ما قاموا به من انتهاكات بحق الليبيين في السنوات الماضية.
يليها كذلك ميلشيات "قوات دعم الاستقرار" وتزعمها قبل مقتله عبد الغني الككلي، المعروف بـ"غنيوة"، وتتمركز في حي أبو سليم الشعبي، و"الهضبة" على أطراف مدينة طرابلس، وأجزاء من طريق المطار، وتدير أحد سجون طرابلس، وتتولى تأمين مناطق مهمة وحيوية في العاصمة بينها منشآت دبلوماسية، ويبلغ عدد مسلحيها نحو عشرة آلاف، مدججين بكل أنواع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، وتعدّ القوة الضاربة لحكومة عبد الحميد الدبيبة.

الإعلان عن تأسيس "قوات دعم الاستقرار" تم في يناير 2021، في إطار محاولة دمج الميليشيات المسلحة في أجهزة الدولة، ومنحها إمكانية تأسيس الفروع والمكاتب في المدن والمناطق، وتم تكليفها بتسع مهام رئيسية، تنحصر في حماية المقرات الرسمية للدولة، وحماية المسؤولين، وتأمين الاحتفالات والمناسبات الرسمية والشعبية، بالإضافة إلى تنفيذ العمليات القتالية، ومكافحة الشغب، وفض الاشتباكات وعمليات القبض وملاحقة المطلوبين في القضايا التي تهدد الأمن القومي للدولة، وذلك في تعدٍ على اختصاصات وزارة الداخلية ومختلف أجهزتها الأمنية.
قوات دعم الاستقرار
وتورطت "قوات دعم الاستقرار" في فبراير 2023، في احتجاز (6) مصريين أقباط، داخل إحدى مقراتها في منطقة "الماية" غرب العاصمة الليبية طرابلس، وتم اتهامها من قبل منظمة العفو الدولية، في مايو 2022، بارتكاب جرائم وانتهاكات مع الإفلات من العقاب، مبينة أن عبد الغني الككلي، تولى منصبه، على الرغم من تاريخه الحافل بجرائم مشمولة في القانون الدولي.
ولعبت مليشيا "قوات الأمن العام" دورًا في مشهد الصراع الداخلي، وتزعمها عبد الله الطرابلسي، الملقب بـ"الفراولة"، شقيق عماد الطرابلسي وزير الداخلية الحالي، في حكومة عبد الحميد الدبيبة، وتفرض سطوتها على المؤسسات التجارية غرب طرابلس.
ورغم اتهام عماد الطرابلسي، بالإتجار بالبشر وتهريب النفط، في تقارير "لجنة الخبراء" التابعة للأمم المتحدة، فإن قرار تعيينه وزيراً للداخلية، جاء بمثابة "المكافأة" نظير وقوفه مع عبد الحميد الدبيبة في صراعه الدائر حول السلطة.
ويتبعها مليشيا "الكتيبة 55 "، وتتمركز جنوب طرابلس، وصدر لها قرار من وزارة الدفاع التابعة لحكومة الدبيبة في أكتوبر2022، بتحويلها إلى كتيبة نظامية، ويتزعمها معمر الضاوي، أحد أهم الشخصيات المليشياوية في الغرب الليبي، المرتبط بعلاقات قوية مع السفير الأمريكي.
هيئة الدفاع الحربي
ويليها مليشيا "444"، التي تمثل أصبحت جزء من هيئة الدفاع الحربي، وتعد من أهم المليشيات في المنطقة الغربية، وتضم نحو 3 آلاف مسلح، وتزعمها محمود حمزة، الذي تولى رئاسة جهاز الاستخبارات العسكرية، وبات يحظى بقبول لدى بعض القوى الإقليمية، وتتمركز الكتيبة في مساحة كبيرة من معسكر التكبالي، وترهونة، وبني وليد، وتمارس مهام خارجية على المناطق الحدودية الصحراوية، وسبق اتهامها بالتورط في الأعمال الإجرامية.
وتعتبر ميليشيا "قوات حرس السواحل"، من أخطر التنظيمات المتورطة في عمليات الإتجار بالبشر، وتزعمها أشرف عبد الرحمن ميلاد، المعروف بـ"البيدجا"، الذراع اليمنى لـ "محمد كشلاف"، الشهير بـ "القصب"، أشهر مهربي الوقود والهجرة غير شرعية، والاتجار في المواد المخدرة، وصدر ضدهما عقوبات من مجلس الأمن، وفقًا لتقرير مجلس الأمن الدولي في يونيو 2018.
وقد نشرت وسائل إعلام ليبية صورًا لـ"البيدجا"، خلال إشرافه على اختبارات الطلبة الجدد المتقدمين إلى "الأكاديمية البحرية" بمنطقة "جنزور" في العاصمة طرابلس، وذلك عقب تعينه "قائد عسكري للأكاديمية البحرية".
الإسلام الحركي بالزاوية
ودخلت قوات الـ"كشلاف" في اشتباكات عنيفة، مع قوات "المنطقة العسكرية الساحل الغربي" التي يرأسها صلاح النمروش، في مدينة الزاوية غرب ليبيا، في محاولة للسيطرة على مصفاة تكرير النفط، حيث يسعى كل طرف لبسط نفوذه على المصفاة.
وداخل مدينة الزاوية، تتواجد وتتنافس مجموعات مسلحة امتهنت تهريب الوقود المدعم، مما زاد من قوتها المالية والعسكرية، وأدى لوقوع اشتباكات متكررة زادت وتيرتها وحدتها خلال السنوات الأخيرة، إذ تعتبر مدينة "الزاوية" مركزًا مهما لتكتلات "الإسلام الحركي"، لا سيما المليشيات التابعة لتنظيم "القاعدة"، و"جماعة الإخوان"، في ظل احتواء المدينة على أكبر مصفاة نفطية في ليبيا، ويخرج منها خط "جرين استريم"، المعني بنقل الغاز إلى إيطاليا.
وتمارس غالبية مليشيات مدينة "الزاوية" جرائم الإتجار في البشر، والتهريب وتجارة المخدرات والسلاح، وينتمي إليها عدد من أشهر العناصر المسلحة أمثال: شعبان هدية المعروف بـ"أبو عبيدة الزاوي"، الموالي للتنظيم "القاعدة"، وأحد مؤسسي "الجماعة الليبية المقاتلة" في الداخل الليبي، وكان أحد المتورطين في الهجوم على السفارة المصرية 2016.
كما تُعد "مليشيات مصراتة" أكبر قوة في مدن الغرب الليبي، ويقدّر تعدادها بأكثر من 17 ألف مقاتل، وتمتلك آلاف العربات المسلحة ومئات الدبابات وعشرات الطائرات العسكرية، إضافةً إلى مخازن للأسلحة، ويأتي على رأسها مليشيات "الصمود" ويتزعمها صلاح بادي، أحد مؤسسي ميليشيات "فجر ليبيا" التابعة لجماعة الإخوان، والمدرج على قائمة عقوبات مجلس الأمن الدولي، والخزانة الأمريكية، بتهمة تقويض الاستقرار والأمن في ليبيا.
وتُعتبر مليشيا "لواء المحجوب"، أحد التشكيلات التابعة لما يعرف بالمجلس العسكري لمصراتة، وتعد من نقاط الارتكاز الرئيسية لحكومة الدبيبة، في ظل اندماجها مع ميليشيا "الحرس الوطني"، التي تضم عددًا من عناصر "الجماعة الإسلامية المقاتلة"، بقيادة عبد الحكيم بلحاج.
عمرو فاروق*
كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية، وقضايا الأمن الإقليمي.


